الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سبب النزول:
نزول الآية (5):
{لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ} : سبق بيانه في الآيات السابقة.
المناسبة:
بعد أن أخبر الله تعالى بفضله على نبيه صلى الله عليه وسلم وبأنه ينصر رسوله، أبان بعض أفضاله على المؤمنين من أصحابه وبعض أسباب النصر، وهو تثبيت أقدام المؤمنين واطمئنان قلوبهم في ميادين المعارك، وأردفه ببيان سنته في تسليط بعض جنوده على بعض، ثم رفع معنويات الجند المؤمنين بوعدهم بالخلود في الجنان، وإيعاد الكافرين والمنافقين المعادين للمؤمنين بالعذاب الشديد، والغضب عليهم وطردهم من رحمته.
التفسير والبيان:
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ} أي إن الله عز وجل هو الذي خلق وأوجد السكون والطمأنينة والثبات في قلوب المؤمنين وهم الصحابة رضي الله عنهم يوم الحديبية الذين استجابوا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وانقادوا لحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، واستعدوا للقتال بإخلاص دون فرار، لئلا تضطرب نفوسهم في وقت المحنة، وليزيدهم الله يقينا جديدا على يقينهم الحاصل من قبل. وهذا يسمى حديثا رفع الروح المعنوية للجيش.
وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بالآية على زيادة الإيمان وتفاضله في
القلوب. ويصح تأويل زيادة الإيمان بأنه الإيمان بالشرائع بعد إيمانهم بالله، قال ابن عباس: إن أول ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجهاد ثم الحج.
ثم ذكر الله تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين، فقال:
{وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً} أي إن الله تعالى يدبر أمر جنوده في هذا العالم كيف يشاء، من الملائكة والإنس والجن والشياطين، والقوى الكونية في السماء والأرض كالزلازل والبراكين والأعاصير والبحار والأنهار ونحوها، فالله قادر على إرسال ملك واحد، يبيد الجبال والبلاد، ولكنه تعالى شرع لعباده الجهاد والقتال لحكمة بالغة ومصلحة عالية، لذا قال تعالى:{وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي كان الله ولا يزال عليما بمصالح خلقه، حكيما في صنعه وتقديره وتدبيره. وهذا منسجم مع موقف أبي بكر الذي عرف برسوخ الإيمان، أما عمر بن الخطاب فتساءل عن عدم التكافؤ الظاهري في شروط الصلح، وقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ ولكن إيمانه لم يتزعزع، بل إن ذلك يدل على مزيد الإيمان والغيرة على مصالح المسلمين في تقديره، ثم أنزل الله الطمأنينة على قلبه وقلوب أمثاله، وشرحها لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم، وصدقت الأيام رأيه.
ثم ذكر الله تعالى ما وعد به أهل الإيمان، فقال:
{لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها، وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ، وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً} أي يبتلي الله بجنوده من شاء ليدخل المؤمنين ويعذّب غير المؤمنين، أو أنزل السكينة أو إنا فتحنا ليترتب عليه دخول المؤمنين والمؤمنات جنات (بساتين) تجري الأنهار من
تحت قصورها، وهم ماكثون فيها أبدا، ويستر عنهم خطاياهم وذنوبهم ولا يظهرها ولا يعذّبهم بها، بل يعفو ويصفح ويستر ويرحم وكان ذلك الوعد بإدخالهم الجنة وتكفير سيّئاتهم عند الله وفي حكمه فوزا عظيما كبيرا ونجاة من كل غمّ، وظفرا بكل مطلوب، وذلك كقوله جلّ وعلا:{فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ، وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ، فَقَدْ فازَ} [آل عمران 185/ 3]. وذكر تكفير السيئات بعد الإدخال في الجنة، مع أنه يكون قبله، لأن الواو لا تقتضي الترتيب، ولأن الأصل الإدخال، والتكفير تابع.
عن جابر رضي الله عنه قال: قال النّبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» . وقد نصّ الله تعالى على المؤمنات هنا مع أن أغلب الآيات يكون فيها خطاب الرجال شاملا للنساء، لئلا يتوهم أحد أن النساء لا يدخلن الجنات، لأن المرأة لا جهاد عليها. وهكذا في كل موضع يوهم اختصاص المؤمنين بالجزاء الموعود به، مع كون المؤمنات يشتركن معهم، ذكرهنّ الله صريحا
(1)
.
{وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ} أي وليعذّب أهل النفاق وأهل الشرك بالهمّ والغمّ بسبب ما يشاهدونه من انتشار الإسلام وانتصار المسلمين وقهر المخالفين، وبما يصابون به من القهر والقتل والأسر في الدنيا، وبعذاب جهنم في الآخرة، لظنهم السيء بالله وحكمه وهو أن النّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يغلبون ويبادون، وأن كلمة الكفر تعلو كلمة الإسلام، كما حكى تعالى عنهم في آية أخرى وهي:{بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً} [الفتح 12/ 48]. وإنما قدم المنافقين على المشركين، لأن ضررهم أشد، وخطرهم أعظم.
(1)
تفسير الرازي: 82/ 28
{عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ، وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَلَعَنَهُمْ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً} أي أن ما يظنونه بالمؤمنين دائر عليهم لا خروج لهم منه، واقع بهم من قتل وأسر ونحوهما، وسخط الله عليهم، وأعدّ لهم جهنم يصلونها، وساءت مرجعا ومنزلا يصيرون إليه، وبذلك جمع بين جزائهم وحالهم في الدنيا وفي العقبى.
ثم قال تعالى مؤكدا لقدرته على الانتقام من أعداء الإسلام من الكفرة والمنافقين:
{وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً} أي لله في السموات والأرض جنود لا حصر لها من الملائكة والإنس والجنّ والشياطين وغيرها من كل ما فيه قوة ومقدرة على قهر أعدائه، وكان الله وما يزال قويا لا يغلب، ولا يردّ بأسه، حكيما في صنعه وتدبيره لخلقه.
وفائدة إعادة هذه الآية بيان أن لله جنود الرحمة وجنود العذاب، فذكرهم أولا لبيان الرحمة بالمؤمنين، فقال تعالى:{وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} ثم ذكرهم ثانيا لبيان إنزال العذاب بالكافرين. وعبّر أولا بقوله: {وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً} ليتناسب مع إنزال الرحمة، ثم عبّر بقوله:{وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً} للإشارة إلى شدة العذاب، وذكر العزّة يتناسب مع العقاب والتهديد، وذكر العلم يتلاءم مع التدبير التام لأمر الخلق وتوزيع الرحمة، وأن إنزال السكينة وزيادة الإيمان وترتيب الفتح على ذلك، كله ثابت في علم الله، منسجم مع الحكمة. وذكر جنود السموات والأرض قبل إدخال المؤمنين الجنة، لأن الله تعالى ينزل جنود الرحمة، فيدخل المؤمنين مكرمين معظمين الجنة، ثم تكون لهم القربى والزلفى بقوله:{وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً} وذكر الجنود بعد تعذيب الكفار، وإعداد جهنم للدلالة على كون الغضب على الكفار والإبعاد والطرد من الرحمة أولا، فيدخلون جهنم، ثم يسلّط عليهم ملائكة العذاب وهم جنود الله تعالى.