الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{تَبْصِرَةً وَذِكْرى} تبصيرا منا وتذكيرا. {لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} رجّاع إلى طاعة الله وتوّاب، متفكر في بدائع صنع الله تعالى. {ماءً مُبارَكاً} كثيرا الخير والبركة والمنافع.
{جَنّاتٍ} بساتين ذات أشجار وأثمار. {وَحَبَّ الْحَصِيدِ} أي حبّ الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالبرّ والشعير وغيرهما، و {الْحَصِيدِ} المحصود.
{باسِقاتٍ} طوالا. {طَلْعٌ} ما ينمو ويصير بلحا، ثم رطبا، ثم تمرا. {نَضِيدٌ} منضود، متراكب بعضه فوق بعض. {رِزْقاً لِلْعِبادِ} علة ل {فَأَنْبَتْنا} ، أو مصدر فإن الإنبات رزق. {وَأَحْيَيْنا بِهِ} بذلك الماء. {بَلْدَةً مَيْتاً} أرضا جدباء لانماء فيها، والميت: يستوي فيه المذكر والمؤنث. {كَذلِكَ الْخُرُوجُ} أي من القبور، والمعنى كما أحييت هذه البلدة بالماء، يكون خروجكم أحياء بعد موتكم.
التفسير والبيان:
{ق} عرفنا أنها حرف هجاء، لتحدي العرب بأن يأتوا بمثل القرآن أو آية منه ما دام القرآن مكونا من حروف لغتهم التي ينطقون بها ويكتبون بها، وهي أيضا للتنبيه إلى أهمية ما يأتي بعدها. وأكثر ما جاء القسم بحرف واحد إذا أتى بعده وصف القرآن، كما أن أغلب القسم بالحروف ذكر بعده القرآن أو الكتاب أو التنزيل.
وذكر الرازي تصنيفا دقيقا للقسم من الله بالحروف الهجائية وغيرها، وهو بإيجاز ما يأتي
(1)
:
أ-وقع القسم من الله بأمر واحد، مثل {وَالْعَصْرِ} {وَالنَّجْمِ} ، وبحرف واحد مثل:{ص} ، و {ن} .
ب-ووقع بأمرين، مثل:{وَالضُّحى وَاللَّيْلِ} ، {وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ} ، وبحرفين مثل:{طه} ، {طس} ، {يس} ، {حم} .
(1)
تفسير الرازي: 146/ 28 وما بعدها.
ج -ووقع بثلاثة أمور، مثل: والصافات، فالزاجرات، فالتاليات، وبثلاثة أحرف، مثل:{الم} ، {طسم} ، {الر} .
د-وبأربعة أمور، مثل: والذاريات، فالحاملات، فالجاريات، فالمقسمات، وفي:{وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ.} . وفي: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ.} .، وبأربعة أحرف، مثل:{المص} أول الأعراف {المر} أول الرعد.
هـ -وبخمسة أمور، مثل:{وَالطُّورِ.} .، وفي {وَالْمُرْسَلاتِ.} .، وفي:{وَالنّازِعاتِ.} .، وفي {وَالْفَجْرِ.} .، وبخمسة أحرف، مثل:
{كهيعص} ، {حم عسق}. ولم يقسم بأكثر من خمسة أشياء إلا في سورة واحدة وهي:{وَالشَّمْسِ وَضُحاها} ولم يقسم بأكثر من خمسة أصول، منعا من الاستثقال.
وفي القسم قد يذكر حرف القسم وهي الواو، مثل:{وَالطُّورِ} ، {وَالنَّجْمِ} ، {وَالشَّمْسِ} وعند القسم بالحروف لم يذكر حرف القسم، فلم يقل وق، حم لأن القسم لما كان بالحروف نفسها كان الحرف مقسما به.
وأقسم الله بالأشياء كالتين والطور، وأقسم بالحروف من غير تركيب.
وأقسم بالحروف في أول ثمانية وعشرين سورة، ولم يوجد القسم بالحروف إلا في أوائل السور، وأقسم في أربع عشرة سورة عدا {وَالشَّمْسِ} بأشياء عددها عدد الحروف، في أوائل السور وفي أثنائها، مثل {كَلاّ وَالْقَمَرِ، وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} ، {وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ} ، {وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ} .
ووقع القسم بالحروف في نصفي القرآن، بل في كل سبع، وبالأشياء المعدودة لم يوجد إلا في النصف الأخير والسبع الأخير غير {وَالصَّافّاتِ} .
{وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} القرآن مقسم به، والمقسم عليه محذوف، أي أقسم
بالقرآن الكريم كثير الخير والبركة، أو الرفيع القدر والشرف، أنك يا محمد جئتهم منذرا بالبعث. دلّ على جواب القسم المذكور مضمون الكلام بعد القسم وهو إثبات النّبوة، وإثبات المعاد، وهذا كثير في القرآن، مثل:{ص. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ} .
{بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، فَقالَ الْكافِرُونَ: هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ} أي عجب كفار قريش، لأن جاءهم منذر، هو واحد منهم أي من جنسهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يكتفوا بمجرد الشّك والرّد، بل جعلوا ذلك من الأمور العجيبة، فقالوا: كون هذا الرسول المنذر بشرا مثلنا شيء يدعو إلى العجب، وهو كقوله جل جلاله:{أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ} [يونس 2/ 10]، أي وليس هذا بعجيب، فإن الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس.
وتعجبوا أيضا من البعث فقالوا كما حكى القرآن:
{أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً؟ ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} أي أنبعث ونرجع أحياء إذا متنا وتفرقت أجزاؤنا في الأرض وبلينا وصرنا ترابا، كيف يمكن الرجوع بعدئذ إلى هذه البنية والتركيب؟ إن ذلك البعث والرجوع بعيد الوقوع عن العقول، لأنه غير ممكن في زعمهم، وغير مألوف عادة.
فردّ الله تعالى عليهم مبيّنا قدرته على البعث وغيره، فقال:
{قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ، وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ} أي علمنا علما يقينيّا ما تأكل الأرض من أجسادهم حال البلى، ولا يخفى علينا شيء من ذلك، فإنا ندري أين تفرقت الأبدان وأين ذهبت وإلى أي شيء صارت؟ وعندنا كتاب حافظ شامل لعددهم وأسمائهم وتفاصيل الأشياء كلها، وهو اللوح المحفوظ
الذي حفظه الله من التغيير ومن الشياطين.
أخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة عن النّبي صلى الله عليه وسلم: «كلّ ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذّنب ومنه خلق ومنه يركّب» .
والأصح في تقديري أن هذا تقريب لأذهاننا وتمثيل لإحاطة علم الله تعالى بجميع الأشياء والكائنات، وإحصائه كل الوقائع والأعمال، كمن عنده سجل حسابات لكل شاردة وواردة. ولا يمنع ذلك وجود اللوح المحفوظ الذي نؤمن به لوروده في آيات كثيرة أخرى. والآية إشارة إلى جواز البعث وقدرته تعالى عليه.
ثم أبان الله تعالى سبب كفرهم وعنادهم وما هو أشنع من تعجبهم من البعث، وهو تكذيبهم بآيات الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال:
{بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ، فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} أي إن كفار قريش في الحقيقة كذبوا بالقرآن وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم الثابتة بالمعجزات، إنهم كذبوا (بالقرآن وبالنبوة) بمجرد تبليغهم به من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، من غير تدبر ولا تفكر ولا إمعان نظر، فهم في أمر دينهم في أمر مختلط مضطرب، يقولون مرة عن القرآن والنّبي: ساحر وسحر، ومرة: شاعر وشعر، ومرة: كاهن وكهانة، فهم في قلق واضطراب ولبس، لا يدرون ماذا يفعلون، كما قال تعالى:{إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات 8/ 51 - 9].
ثم أقام الله تعالى الدليل على قدرته العظيمة على البعث وغيره، على حقيقة المبدأ والمعاد، فقال:
{أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ} أي أفلم ينظر هؤلاء الكفار بأم أعينهم، المكذبون بالبعث بعد الموت، المنكرون قدرتنا العظمى، إلى هذه السماء بصفتها العجيبة، فهي مرفوعة بغير أعمدة تعتمد عليها، ومزيّنة بالكواكب المنيرة كالمصابيح، وليس فيها شقوق وفتوق
وصدوع، كما قال تعالى:{الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً، ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ، فَارْجِعِ الْبَصَرَ، هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً، وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك 3/ 67 - 4] أي يرجع كليلا عن أن يرى عيبا أو نقصا. وقوله: {فَوْقَهُمْ} مزيد توبيخ لهم، ونداء عليهم بغاية الغباوة.
{وَالْأَرْضَ مَدَدْناها، وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ، وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} أي وكذلك، أولم ينظروا إلى الأرض التي بسطناها ووسعناها، وألقينا فيها جبالا ثوابت لئلا تميد بأهلها وتضطرب، وأنبتنا فيها من كل صنف ذي بهجة وحسن منظر، من جميع الزروع والثمار والأشجار والنباتات المختلفة الأنواع، كما قال تعالى:{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات 49/ 51].
{تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} أي فعلنا ذلك لتبصرة العباد وتذكيرهم، فيتبصر بكل ما ذكر ويتأمل العبد المنيب الراجع إلى ربّه وطاعته، ويفكر في بدائع المخلوقات.
ثم أوضح الله تعالى كيفية الإنبات، فقال:
{وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً، فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} أي ولينظروا إلى قدرتنا كيف أنزلنا من السحاب ماء المطر الكثير المنافع، المنبت للبساتين الكثيرة الخضراء والأشجار المثمرة، وحبات الزرع الذي يحصد ويقتات كالقمح والشعير ونحوهما.
{وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ} أي وأنبتنا به أيضا النخيل الطوال الشاهقات، التي لها طلع (وهو أول ما يخرج من ثمر النخل) منضّد متراكم بعضه على بعض، والمراد كثرة الطلع وتراكمه الدال على كثرة التمر.