الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم ذم الله تبارك وتعالى الذين ينادون رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلف أو قدام الحجرات، وهي بيوت نسائه، كما يفعل أجلاف الأعراب، فقال تعالى مرشدا لهم إلى ما هو الخير والأفضل:
{إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} أي إن الذين ينادونك من بعيد، من وراء حجرات (بيوت) نسائك، وهم جفاة بني تميم أكثرهم جهال لا يعقلون الأصول والآداب والأشياء، ولا يدركون ما يجب لك من التعظيم والاحترام. وقوله:{أَكْثَرُهُمْ} إما أن يراد به الكل، لأن العرب تذكر الأكثر وتريد الكل، احترازا عن الكذب واحتياطا في الكلام، أو يكون المراد أنهم في أكثر أحوالهم لا يعقلون.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي وليتهم لو صبروا حتى تخرج إليهم كالمعتاد، لكان لهم في ذلك الخير والمصلحة في الدنيا والآخرة، لما فيه من رعاية حسن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورعاية جانبه الشريف، والعمل بما يستحقه من الإعظام والإجلال، والله غفور لذنوب الشريف، والعمل بما يستحقه من الإعظام والإجلال، والله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم، لا يؤاخذ مثل هؤلاء فيما فرط منهم من إساءة الأدب. وهذا حث على التوبة والإنابة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -
وجوب طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتقديم حكم القرآن والسنة على ما سواهما.
2 -
تعليم العرب وغيرهم مكارم الأخلاق وفضائل الآداب، إذ كان في العرب جفاء وسوء أدب في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وتلقيب الناس.
3 -
قال القرطبي وابن العربي: قوله تعالى: {لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ} أصل في ترك التعرض لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وإيجاب اتباعه والاقتداء
به. وربما احتج نفاة القياس بهذه الآية، وهو باطل منهم، فإن ما قامت دلالته، فليس في فعله تقديم بين يديه، وقد قامت دلالة الكتاب والسنة على وجوب القول بالقياس في فروع الشريعة، فليس فيه تقديم بين يديه
(1)
.
4 -
الأمر بالتقوى وإيجابها عام في كل الأوامر والنواهي الشرعية، ومنها التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم المنهي عنه، والله يراقب الناس، فهو سميع لأقوالهم، عليم بأفعالهم.
5 -
يجب خفض الصوت أثناء مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم والامتناع من الجهر بالأصوات أعلى من صوته، وإلا لم يتحقق من المؤمنين الاحترام الواجب للنبي صلى الله عليه وسلم. وليس المراد النهي عن الجهر مطلقا بحيث يلزم الهمس، وإنما النهي عن جهر مخصوص مقيد بصفة، وهو الخالي عن مراعاة أبهة النبوة وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرتب عنها.
6 -
ويجب أيضا على المؤمنين ألا يخاطبوا النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم: يا محمد، ويا أحمد، ولكن: يا نبي الله، ويا رسول الله، توقيرا له.
والهدف من هذين الواجبين تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقيره، وخفض الصوت بحضرته وعند مخاطبته.
7 -
قال القاضي أبو بكر بن العربي: حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيا، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كلّ حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به، وقد نبّه الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى:{وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}
(1)
تفسير القرطبي: 302/ 16 وما بعدها، أحكام القرآن: 1701/ 4 وما بعدها.
[الأعراف 204/ 7] وكلام النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي وله من الحرمة مثل ما للقرآن إلا معاني مستثناة، بيانها في كتب الفقه
(1)
.
8 -
إن النهي المذكور عن رفع الصوت هو الصوت الذي لا يناسب ما يهاب به العظماء ويوقّر الكبراء. أما الصوت المرفوع الذي يقصد به الاستخفاف والاستهانة، فلا شك أنه كفر. وأما الصوت الذي يرفع في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو ونحو ذلك، فليس منهيا عنه، لأنه لمصلحة، ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين:«اصرخ بالناس» وكان العباس أجهر الناس صوتا، يروى أن غارة أتتهم يوما، فصاح العباس:
يا صباحاه! فأسقطت الحوامل لشدة صوته.
9 -
إن مخالفة النهي في الآية برفع الصوت أكثر من الحالة المتوسطة المعتادة يؤدي إلى إحباط الأعمال وإبطال الثواب. وليس قوله: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمنا إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون الكافر كافرا من حيث لا يعلم. ويكون قوله {وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} إشارة إلى أن ارتكاب المآثم يجر الأعمال إلى الحبوط من حيث لا يشعر المرء به.
10 -
إن الذي يخفضون أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلموا إجلالا له، أو كلموا غيره بين يديه إجلالا له، أولئك الذين اختص الله قلوبهم للتقوى، وطهرهم من كل قبيح، وجعل في قلوبهم الخوف من الله والتقوى، ولهم مغفرة لذنوبهم، وثواب عظيم وهو الجنة.
11 -
إن أعراب بني تميم الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلوا مسجد المدينة، ونادوا النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجرته أن اخرج إلينا، فإن مدحنا زين،
(1)
أحكام القرآن: 1703/ 4.