الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كفّ أيدي المشركين عن المسلمين، وأيدي المسلمين عن المشركين، لما جاؤوا يصدّون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه عن البيت الحرام عام الحديبية، في داخل مكة وحدودها، فإن ثمانين رجلا من أهل مكة-كما تقدّم في سبب النزول-هبطوا على النّبي صلى الله عليه وسلم من قبل جبل التنعيم، متسلحين، يريدون غرّة النّبي صلى الله عليه وسلم، فأخذهم المسلمون، ثم تركوهم. وهذا امتنان من الله تعالى على عباده المؤمنين بكفّ المشركين عنهم، وكفّ المسلمين عن الكفار.
وكان الله وما يزال بصيرا بأعمال عباده المؤمنين والمشركين، لا يخفى عليه من ذلك شيء. وعلى هذا، ليس المراد من قوله:{مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} فتح مكة، فالصحيح أن هذه الآية نزلت في الحديبية قبل فتح مكة، وأن مكة فتحت عنوة، وإنما المراد: ما بعد الأسر لم يحدث قتل.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات البيّنات إلى ما يأتي:
1 -
وعد الله تعالى المؤمنين الصادقين مغانم الأعداء إلى يوم القيامة، ومغانم خيبر المعجلة جزء منها.
2 -
إتماما للمنّة والفضل الإلهي، منع الله تعالى عباده المؤمنين وحماهم من أذى وحرب أهل مكة، وكفّهم عنهم بالصلح، كما كفّ أيدي اليهود عن المدينة بعد خروج النّبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية وخيبر، وأيدي اليهود وحلفائهم من أسد وغطفان عن قتال المسلمين في خيبر. وكان قد جاء عيينة بن حصن وعوف بن مالك النّضري ومن كان معهما لينصروا أهل خيبر، والمسلمون محاصرون لهم، فألقى الله في قلوبهم الرعب، وكفّهم عن المسلمين، وزاد الله هؤلاء هدى، وثبّتهم على الهداية.
3 -
وعد الله عباده المؤمنين مغانم وفتوحات أخرى إلى يوم القيامة، منها غنائم هوازن، وغنائم فارس والروم، وذلك قبل حدوثها، ولم يكونوا يرجونها، حتى أخبرهم الله بها. وهو إخبار بالمغيبات دالّ على إعجاز القرآن، وأنه من عند الله تعالى، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق في نبوته.
4 -
ومن أفضاله تعالى على المؤمنين أنه كفّ عنهم شرّ أعدائهم، فإنه سواء قاتلت غطفان وأسد والذين أرادوا نصرة أهل خيبر، أم لم يقاتلوا، لا ينصرون، والغلبة واقعة للمسلمين، وذلك أمر إلهي محكوم به مختوم، ولن يجد الكفار مواليا ينفعهم باللطف، ولا ناصرا يدفع بالعنف، وليس للذين كفروا شيء من ذلك، وطريقة الله وعادته السالفة نصر أوليائه على أعدائه، وهي سنّة ثابتة مستمرة لا تقبل التغير.
5 -
وتأكيدا لنصر المؤمنين وطّد الله تعالى دعائم الصلح والسلم قبل اللقاء وبعده، ومنع حدوث القتال بين المسلمين والكفار، حتى ولو قاتل الكفار، فإنهم سينهزمون ويولّون الدّبر، وحتى بعد ظفر المسلمين بهم، فإنه تعالى كفّ أيدي المؤمنين عنهم. وهذا هو المراد من قوله تعالى:{مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} أي من بعد ما أخذتموهم أسارى، وتمكنتم منهم لم يقع القتل، فإنه متى ظفر الإنسان بعدوه يبعد انكفافه عنه، مع أن الله كفّ اليدين.
وكفّ أيدي المؤمنين عن الكفار: هو إطلاقهم من الأسر، وسلامتهم من القتل.