الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم بشرهم الله بالنصر بشرط نصرة دينه وحثهم على تحقيق الشرط، فقال:
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ} أي يا أهل الإيمان بالله والقرآن والإسلام إن تنصروا دين الله ينصركم على أعدائكم، ويثبّت أقدامكم عند القتال في مواطن الحرب، حتى تتحقق الغلبة والعزة والتفوق لكم، وتكون كلمة الله هي العليا.
وتأكيدا لذلك وتقوية لقلوبهم ذكر الله تعالى جزاء الكافرين بعد بيان جزاء المجاهدين، فقال:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ} أي وللكافرين بالله وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم الخيبة والخزي والشقاء، وقد أبطل الله أعمالهم وأحبطها، فلا ثواب لهم ولا خير يرتجى منها في الآخرة. وقوله:{فَتَعْساً لَهُمْ} مقابل تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر الله تعالى سبب الخيبة وإبطال الأعمال، وسبب بقائهم على الكفر والضلال قائلا:
{ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ، فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ} أي ذلك التعس.
وإضلال الأعمال بسبب كراهيتهم ما أنزل الله في قرآنه على نبيّه المصطفى صلى الله عليه وسلم من التكاليف، فهم لا يريدونه ولا يحبونه، فأبطل الله ثواب أعمالهم بذلك السبب.
والمراد بالأعمال: أعمال الخير حال الكفر، لأن عمل الكافر لا يقبل قبل إسلامه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الأحكام التالية:
1 -
إباحة القتل الشديد في أثناء القتال، لأن ذلك من طبيعة الحرب، تحقيقا للنصر والغلبة، ودحرا للعدو وإنزال الهزيمة الساحقة بجيشه. وقد
خصص بعض المفسرين جواز ضرب الرقاب والإثخان (الإكثار من القتل في الحرب) بالمشركين أهل الأوثان، أو بمن لا عهد لهم ولا ذمة. والصحيح أن الآية عامة، والتخصيص لا دليل عليه، لعموم الآية:{فَضَرْبَ الرِّقابِ} .
وهذه الآية متفقة مع آية الأنفال: {ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [67] غير أن آية الأنفال لم يذكر فيها ما يكون بعد الإثخان، والآية التي هنا فيها بيان تقرير مصير الأسرى وتخيير الإمام فيهم بين أحد أمرين: المنّ أو الفداء.
أما قتل الأسير لضرورة أو مصلحة حربية معينة في حالات خاصة وكذا استرقاقه، فمأخوذ من السّنة النّبوية، فيصير الإمام مخيّرا في الأسرى بين أربعة أمور: القتل، والاسترقاق، والمنّ، والفداء.
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بعث النّبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه في سارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل ما شئت، حتى كان الغد، فقال له صلى الله عليه وسلم:
ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك، قال: أطلقوا ثمامة.
فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحبّ الدين إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فقد أصبح بلدك أحبّ البلاد إليّ، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشّره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم
مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد صلى الله عليه وسلم».
وهذا دليل من السّنة على جواز المنّ على الأسير.
وهناك دليل آخر من السّنة على جواز الفداء، قال عمران بن حصين: أسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من عقيل فأوثقوه، وكانت ثقيف قد أسرت رجلين، من أصحاب النّبي صلى الله عليه وسلم، ففداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف.
وأما دليل جواز قتل الأسير: فقال أبو بكر الجصاص: اتفق فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير، لا نعلم بينهم خلافا فيه، وقد تواترت الأخبار عن النّبي صلى الله عليه وسلم في قتله الأسير، منها قتله عقبة بن أبي معيط، والنّضر بن الحارث بعد الأسر يوم بدر، وقتل-أي النّبي-يوم أحد أبا عزّة الشاعر بعد ما أسر، وقتل بني قريظة بعد نزولهم على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بالقتل، وسبي الذّرّيّة، ومنّ على الزبير بن باطا من بينهم.
وفتح خيبر بعضها صلحا وبعضها عنوة، وشرط على ابن أبي الحقيق ألا يكتم شيئا، فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله. وفتح مكة وأمر بقتل هلال بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وآخرين، وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة. ومنّ على أهل مكة ولم يغنم أموالهم
(1)
.
وأما دليل جواز استرقاق الأسرى الذي كان معاملة بالمثل مع صنيع الأمم الأخرى بعد الحرب: فهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم استرق بعض العرب كهوازن وبنى المصطلق وقبائل من العرب
(2)
، وسبى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما
(1)
أحكام القرآن للجصاص: 391/ 3
(2)
نيل الأوطار: 2/ 8 وما بعدها.
بني ناجية من قريش، وفتحت الصحابة بلاد فارس والروم، فسبوا من استدلوا عليه.
وأما الاستدلال بالآية: {حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ} على جواز قتل الأسير فغير سديد، لأن الآية واضحة في القتل قبل الأسر، وأما بعد الإثخان وهو الإضعاف، فإن المحارب يقع في الأسر، وحكم ذلك مختلف عما قبل الأسر.
وقد فهم بعضهم من الآية جواز الاسترقاق، وذلك من الأمر بشدّ الوثاق، ويبقى بعده حالان، هما: المنّ والفداء.
قال ابن عباس في قوله تعالى: {ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} : ذلك يوم بدر، والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم، أنزل الله تعالى بعد هذا في الأسارى:{فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ، وَإِمّا فِداءً} فجعل الله النّبي والمؤمنين في الأسارى بالخيار: إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم
(1)
. أي يفعل الإمام ما يراه مصلحة حربية.
2 -
هل الآية: {فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً} محكمة أو منسوخة؟ قال أبو حنيفة عملا بقول السّدّي: هي منسوخة بقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة 6/ 9] فلا يفادى الأسير بالمال، ولا يباع السبي لأهل الحرب، فيرجعون حربا علينا، ولا يفادون بأسرى المسلمين، ولا يمنّ على الأسرى، حتى لا يعودوا حربا على المسلمين. وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس أن يفادى أسرى المؤمنين بأسرى المشركين، وهو قول الثوري والأوزاعي.
وأجاز الجمهور المنّ والفداء بأسرى المسلمين وبالمال للآية: {فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً} فقد أجازت الآية الفداء مطلقا من غير تقييد، وفادى النّبي صلى الله عليه وسلم أسرى بدر بالمال،
وروى ابن المبارك عن عمران بن حصين قال: أسرت ثقيف
(1)
الجصاص: 390/ 3
رجلين من أصحاب النّبي صلى الله عليه وسلم وأسر أصحاب النّبي رجلا من بني عامر بن صعصعة، فمرّ به على النّبي صلى الله عليه وسلم، فقال الأسير: علام أحبس؟ فقال: بجريرة حلفائك، فقال: إني مسلم، فقال النّبي صلى الله عليه وسلم:«لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح» ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداه أيضا، فأقبل فقال: إني جائع فأطعمني، فقال النّبي: نعم هذه حاجتك، ثم فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما. وروي أن النّبي صلى الله عليه وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين.
قال ابن العربي والقرطبي: والتحقيق الصحيح أن الآية محكمة في الأمر بالقتال
(1)
. وهذا مذهب جمهور العلماء منهم ابن عمر والحسن وعطاء، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وغيرهم. ولا يلجأ إلى القول بالنسخ إلا عند تعذر التوفيق والجمع بين الأدلة المتعارضة، وهنا يمكن التوفيق بحمل آيات القتال على حالة الحرب ونقض العهد ومقتضيات المعركة، فلا بدّ حينئذ من القتل لإعلاء كلمة الله تعالى وإظهار عزّة الإسلام وإعلاء هيبة المسلمين، فإن تحقق المطلوب تخيّر المسلمون بعد انتهاء الحرب واستقرار السلم بين المنّ والفداء. أما القتل بعد الأسر فهو ضرورة ولا تكون إلا لمصلحة حربية واضحة يراها الإمام.
قال سعيد بن جبير: لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف، لقوله تعالى:{ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال 67/ 8]. فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما يراه من قتل أو غيره
(2)
. وهذا مذهب الجمهور: المالكية والشافعية والحنابلة.
(1)
أحكام القرآن: 1689/ 4، تفسير القرطبي: 228/ 16
(2)
تفسير القرطبي: 228/ 16
والخلاصة: لم يأخذ الفقهاء بمقتضى الحصر المفهوم من الآية: {فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً} وقالوا إن حال المقاتلين بعد الأسر غير منحصر في الأمرين، بل يجوز القتل والاسترقاق والمنّ والفداء، لأن المذكور في الآية إرشاد، لأن الظاهر في المثخن الازمان أي الإنهاء أو الإضعاف، والقتل مذكور في قوله:{فَضَرْبَ الرِّقابِ} .
3 -
الجهاد طريق للامتحان والاختبار، ليعرف الصادق الصابر، والمضحي المجاهد في سبيل الله، وإن كان الله منزّها عن الاستعانة بأحد، وقادرا على البطش بالأعداء وإهلاكهم بوسائل مختلفة غير القتال، أو تسليط الملائكة أو أضعف خلقه، فالله يمتحن المؤمنين بالكافرين، هل يجاهدون في سبيله حقّ الجهاد أم لا؟ ويبتلي الكافرين بالمؤمنين، هل يذعنون للحقّ أم لا؟ إلزاما للحجة. ومعنى الابتلاء من الله سبحانه كما تقدم مرارا أنه مجاز، أي يعاملهم معاملة المختبر أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين.
4 -
القتلى في سبيل الله أو الشهداء لا تضيع أعمالهم، ويهديهم ربّهم إلى إدراك السعادة في الدنيا والآخرة وإلى الثواب ويثبتهم على الهداية، ويرشدهم إلى طريق الجنة من غير بحث ولا حيرة ولا توقف بعد خروجهم من قبورهم، ويصلح حالهم وشأنهم ومعاشهم في مستقبل الأمر في العقبى والمعاد أو في الدنيا، ويدخلهم الجنة التي بيّنها لهم حتى عرفوها من غير استدلال، وطيّبها لهم بأنواع الملاذّ.
5 -
النصر مشروط بنصرة دين الله تعالى وتطبيق شرعه والتزام أوامره واجتناب نواهيه، لذا كرر الله تعالى هذا المعنى في آيات كثيرة قائلا: إن تنصروا دين الله ينصركم على الكفار، ويثبّت قلوبكم بالأمن والنصر والمعونة في موطن الحرب.