الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير والبيان:
{وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ، فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا:}
{أَنْصِتُوا، فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} أي واذكر أيها النبي لقومك حين وجهنا إليك يا محمدا نفرا من الجن، وبعثناهم إليك، لهداية قومهم، فلما حضروا القرآن عند تلاوته، أمروا بعضهم بعضا بالإنصات والإصغاء لكي يسمعوا سماع تدبر وتأمل وإمعان، وكان ذلك ببطن نخلة على بعد ليلة من مكة على طريق الطائف، وكانوا من أشراف جنّ نصيبين أو من نينوى بالموصل، بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف حينما خرج يدعوهم إلى الإسلام.
فلما فرغ من تلاوة القرآن في صلاة الفجر، رجعوا قاصدين إلى قومهم، مخوفين إياهم من مخالفة القرآن، ومحذرين لهم من عذاب الله.
والآية دالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان مرسلا إلى الجن والإنس ودلت روايات السنة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر بحضورهم في هذه المرة في الليلة الأولى، وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا، قوما بعد قوم، وفوجا بعد فوج.
من تلك الروايات الدالة على أنه صلى الله عليه وسلم لم يشعر بحضورهم: ما ذكر سابقا عن ابن مسعود في سبب النزول، ومنها
ما رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الجن يستمعون الوحي، فيسمعون الكلمة، فيزيدون فيها عشرا، فيكون ما سمعوا حقا، وما زادوا باطلا، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبثّ جنوده، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض.
وأما
ما رواه البخاري ومسلم عن مسروق قال: «سألت ابن مسعود، من آذن النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن قال: آذنته بهم الشجرة» فهو مؤيد لما سبق، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة، أي أعلمته باجتماعهم.
وهناك روايات كثيرة دالة على لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بالجن وتبليغهم رسالته وتلاوة القرآن عليهم
(1)
، منها
ما أخرجه أحمد ومسلم في صحيحة عن علقمة قال:
قلت لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة، فقلنا:
اغتيل؟! استطير؟! ما فعل؟ قال: فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح-أو قال: في السحر-إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فقلنا:
يا رسول الله، فذكروا له الذي كانوا فيه، فقال:«إنه أتاني داعي الجن، فأتيتهم، فقرأت عليهم القرآن» فانطلق، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.
وفي رواية عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بت الليلة أقرأ على الجن واقفا بالحجون» .
وسورة الجن قاطعة الدلالة على استماع الجن القرآن ومطلعها: {قُلْ:}
وقال الله تعالى هنا:
{قالُوا: يا قَوْمَنا، إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ، وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} قالت الجن: يا قومنا الجن: إنا سمعنا كتابا أنزله الله من بعد توراة موسى، مصدقا لما قبله من الكتب المنزلة على
(1)
راجع تفسير ابن كثير: 164/ 4 - 169
الرسل، يرشد إلى الدين الحق، وإلى طريق الله القويم في العقائد والعبادات والأعمال والأخبار.
ولم يذكروا عيسى عليه السلام إما لأنه كما قال عطاء: كانوا يهودا فأسلموا، وإما لأن عيسى أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ ورقائق أدبية إنسانية، وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة، فالعمدة في التشريع لليهود والنصارى على السواء هو التوراة، فلهذا قالوا: أنزل من بعد موسى.
وهكذا
قال ورقة بن نوفل حين أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بقصة بدء نزول الوحي عليه ونزول جبريل عليه السلام أول مرة، فقال: «هذا الناموس
(1)
الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا
(2)
إذ يخرجك قومك».
والخلاصة: أنهم خصوا التوراة، لأنها مصدر الشرائع والأحكام في الماضي، ولأنها متفق عليها عند أهل الكتاب.
{يا قَوْمَنا، أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ} أي يا قومنا الجن، أجيبوا رسول الله خاتم النبيين أو القرآن إلى توحيد الله وعبادته وطاعته، يغفر لكم بعض ذنوبكم التي هي من حقوق الله، أما حقوق العباد فلا تسقط إلا بتنازل أصحابها عنها، وكذلك يحميكم ويقيكم وينقذكم من عذاب موجع مؤلم هو عذاب النار، ويدخل المؤمن منكم الجنة، لقوله تعالى:
{وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} [الرحمن 46/ 55 - 47].
وفي الآية دلالة واضحة على أن الله تعالى أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين: الجن والإنس، حيث دعاهم إلى الله تعالى، وقرأ عليهم سورة الرحمن التي فيها خطاب
(1)
ناموس الرجل: أمين السر، أو صاحب السر الذي يطلعه على باطن أمره ويخصّه بما يستره عن غيره، وأهل الكتاب يسمون جبريل عليه السلام النّاموس.
(2)
أي شابا جلدا قويا.