الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناسبة:
بعد بيان الفرق بين المؤمنين والكافرين في الاهتداء والضلال، بيّن الله تعالى الفرق بينهما في الجزاء والمرجع والمآل، فذكر ما للمؤمنين من أنواع النعيم في الجنة، وما للكافرين من الخلود في النار وشرب الماء شديد الحرارة الذي يقطّع الأمعاء.
والكلام متصل أيضا بما قال عز وجل قبل: {إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ} فهناك بيان الجزاء، وهنا وصف تلك الجنات المعدة للمتقين.
التفسير والبيان:
ذكر الله تعالى في هذه الآية نوعين من الجزاء لكل من الفريقين: جزاء مادي وجزاء معنوي، أما نوعا جزاء المؤمنين فهما المشروب والمطعوم، والمغفرة والرضوان، وأما نوعا جزاء الكافرين فهما المشروب الحار، والخلود في النار. ولما قدّم في الذكر في الآية السابقة المتبصر صاحب البيّنة على من اتّبع هواه، قدّم في هذه الآية حال الأول في المآل على حال الآخر.
ومعنى الآية: إن نعت الجنة أو وصفها العجيب الشأن التي وعد الله بها عباده المتقين الذين اتّقوا عقابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه هو ما تسمعون. ثم ابتدأ بمشروب أهل الجنة:
-فيها أنهار جارية من ماء غير متغير الطعم والريح واللون لطول المكث، بل إنه ماء عذب فرات متدفق نقي غير مصحوب برواسب أو طحالب، من شربه لا يظمأ أبدا. وقد ابتدأ بالماء، لأنه أعم نفعا للناس من بقية المشروبات. روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:«أنهار الجنة تفجر من جبل من مسك» .
-وفيها أنهار من حليب لم يحمض كما تتغير ألبان الدنيا، وهو في غاية البياض والحلاوة والدسومة،
ورد في حديث مرفوع: «لم يخرج من ضروع الماشية» وثنّى باللبن، لأنه ضروري للناس كلهم، وهو غذاء كامل ومطعوم شهي.
-وفيها أنهار من خمر لذيذة الطعم، طيبة الشرب، ليست كريهة الطعم والرائحة أو مرّة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والطعم والرائحة:{لا فِيها غَوْلٌ، وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ} [الصّافات 47/ 37]، {لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ} [الواقعة 19/ 56]، أي ليس فيها ضرر ولا مادة مسكرة تزيل العقل، ولا يصيب شاربها صداع، ولا يذهب عقله، وإنما هي لذيذة للشاربين:{بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ} [الصّافات 46/ 37].
ورد في حديث مرفوع: «لم يعصرها الرجال بأقدامهم» . وذكرت في المرتبة الثالثة، لأنها ليست ضرورية، وإنما فيها متعة ذوقية، فهي لذيذة الطعم، طيبة الشرب، لا يتكرهها الشاربون، وتناولها للذة بعد حصول الري والمطعوم.
-وفيها أنهار من عسل في غاية الصفاء، وحسن اللون والطعم والريح، لم يخالطه شيء من الشمع والقذى والعكر والكدر،
ثبت في حديث مرفوع: «لم يخرج من بطون النحل» . وذكر في المرتبة الرابعة، لأنه ليس ضروريا وإنما جمع بين مختلف الطعوم والإحساسات الذوقية المرغوبة، ولا شكّ أن الحلو أطيب الطعوم، والعسل أرقاها، وفيه فوائد كثيرة للجسد:{فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ} [النحل 69/ 16]، ففيه الشفاء في الدنيا بعد المشروب والمطعوم، وفيه الخير في الآخرة.
وإنما ذكر الله تعالى هذه الأجناس الأربعة من الأنهار، لأنها جمعت بين الضرورة (الماء) والحاجة (اللبن) والمتعة (الخمر غير المسكرة) والعلاج النافع (العسل).
أخرج الإمام أحمد والترمذي والبيهقي عن معاوية بن حيدة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «في الجنّة بحر اللبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقّق الأنهار منها بعد» .
ثم ذكر الله تعالى المأكول الممتع وهو الثمار والفواكه اليانعة، فللمتقين في الجنّة مختلف أنواع الثمار وأصناف الفاكهة ذات الألوان البديعة، والروائح الذكية، والطعوم الشهية، كقوله تعالى:{يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ} [الدخان 55/ 44]، وقوله سبحانه:{فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ} [الرحمن 52/ 55]. ولما كان الأكل في الجنة للذة لا للحاجة ذكر الثمار ولم يذكر اللحم والخبز.
وبعد بيان الجزاء المادي من المشروب والمأكول ذكر تعالى الجزاء المعنوي وهو ظفر أهل الجنة مع ذلك كله بمغفرة الله ورضوانه وتجاوزه عن سيئاتهم وذنوبهم كرما وحلما وفضلا ورحمة، والمغفرة تكون قبل دخول الجنة، فقوله:
{وَمَغْفِرَةٌ} معطوف على قوله: {لَهُمْ} كأنه قال تعالى: لهم الثمرات فيها، ولهم المغفرة قبل دخولها.
ثم قارن الله تعالى ما وعد به المتقين من النعيم بما أوعد به الكافرين من الجحيم، فأبان: أهؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة وبيّنا ما هم فيه من نعيم وخلود، كمن هو خالد في النار؟ لا شكّ أنه لا يستوي من هو في الدرجات كمن هو في الدركات، وليس أهل الجنة التي فيها الثمار والأنهار كأهل النار التي فيها الحميم في العذاب الأليم، كما قال تعالى:{وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ} [محمد 12/ 47].
فالخلود صفة مشتركة بين أهل الجنة وأهل النار، ولكن شتّان ما بين النوعين، الأولون خالدون في النعيم المقيم، والآخرون خالدون في العذاب الأليم.