الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإمام الطبرى وتفسيره
إذا ما جئنا بالحديث عن ابن جرير الطبرى وتفسيره فقد جئنا شيخ المفسرين بلا منازع لقد كان ابن جرير أديبا ذا أسلوب- يندر أن يصل إليه فحول الأدباء، لا تحس حينما تقرأه بتكلف أو تصنع بل تحس بالبلاغة والفصاحة تنساب انسياب الماء الرقراق، أو تهدر هدير الأعصار المجتاح، وفى كلا الأمرين تكون بصدد الاسلوب المتقن الآسر.
وكان ابن جرير فقيها. صاحب مذهب فى الفقه، يؤسفنا أن لم يعن به أحد وهذا المذهب الفقهى يصلح أن يعنى به أحد طلبة الدكتوراة فيكون رسالة نفيسة تفيد العلم وتلقى بأضواء نفاذة فى الفقه الإسلامى.
وكان ابن جرير مؤرخا من كبار المؤرخين، وله تاريخه المستفيض المشهور، وكان محدثا من كبار المحدثين، لقد كان أمة وحده.
ولنسر معه فى تسلسل حياته وفى أقوال العلماء عنه وعن تفسيره، فيكون ذلك تفصيلا لما ذكرناه.
هو الإمام المفسر المؤرخ أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى
…
ولد بآمل سنة خمس وعشرين ومائتين، واتجه منذ بواكير حياته إلى طلب العلم ودراسة علوم الدين، فحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وكتب الحديث وهو ابن تسع سنين، ورحل فى طلب العلم إلى كثير من مدن الإسلام ملتقيا بعلمائها، متعرفا على أخبارها، متزودا مما تذخر به من ألوان الثقافة، حتى توفر له من المراجع والمعارف ما مكنه من تأليف الكتب النافعة الجامعة التى خلدت اسمه، ورفعت ذكره، ووضعته فى مكانه البارز بين علماء الإسلام.
لقد رحل إلى الرى فسمع بها محمدا بن حميد الرازى وغيره من مشاهير المحدثين.
ثم انتقل عنها إلى البصرة فسمع محمدا بن المعلى. ومحمدا بن بشار المعروف ببندار ..
ثم رحل إلى الكوفة فسمع من هناء بن السرى، وأبى كرب محمد بن العلاء الهمدانى وانتهى به المسير فى بلاد العراق إلى بغداد فنهل مما تذخر به من علم. واستفاد مما تحتوى عليه من ألوان الثقافة الدينية.
وتجاوز بغداد إلى الشام فقرأ القرآن على العباس بن الوليد البيرونى بقراءة الشامين واستفاد منه
…
ثم انتهى به المسير إلى مصر فلقى بها من مشاهير العلماء محمدا بن عبد الله بن الحكم والمزنى ومحمدا بن اسحاق بن خزيمة وتلاميذ بن وهب.
وعاود رحلة العودة إلى طبرستان ثم انقطع للتدريس ببغداد حتى وافته منيته فى عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة. دفن فى داره برحبة يعقوب ولم يغير شيبه
…
صنف الكثير من الكتب مثل.
كتاب التفسير.
وكتاب التاريخ.
وكتاب اختلاف الفقهاء.
وكتاب تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار وهو الذى سماه القفطى شرح الآثار.
وكتابه ذيل المذيل ..
وقد طبع تفسيره وتاريخه وشطر من كتاب اختلاف الفقهاء ومختارات من ذيل المذيل ..
وقد استفاض العلماء فى الحديث عن ملامح شخصيته ومعالم حياته فى شتى الجوانب ومختلف الاتجاهات.
وقال الخطيب:
كان ابن جرير أحد الأئمة. يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه، لمعرفته وفضله، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظا لكتاب الله بصيرا بالمعانى فقيها فى أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها. وناسخها ومنسوخها. عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المخالفين فى الأحكام، ومسائل الحلال والحرام عارفا بأيام الناس وأخبارهم.
وقال أبو العباس بن سريج:
(محمد بن جرير الطبرى فقيه العالم): أما عن تفسيره فقد ظهر فيه:
1 -
تحرزه قبل تأليفه.
2 -
ونشاطه فى إعداده.
3 -
وسروره بإتمامه.
لقد ظهر تحرزه فى قوله استخرت لله تعالى فى عمل كتاب التفسير، وسألته العون على ما نويته ثلاث سنين قبل أن أعمله، فأعاننى ..
وذكر المؤرخون أنه حدث نفسه بهذا التفسير وهو صبى، واستخار الله فى عمله، وسأله العون على ما نواه ثلاث سنين قبل أن يعمله، فأعانه سبحانه.
ثم لما أراد أن يملى تفسيره قال لأصحابه:
(أتنشطون لتفسير القرآن؟)
…
قالوا وكم يكون قدره؟ ..
فقال: ثلاثون ألف ورقة.
فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره لهم فى ثلاثة آلاف ورقة ..
والناظر فى هذا التفسير يلمح ما بذله ابن جرير من جهد كبير فى إتمامه، لقد اعتنى فيه بجمع الآثار، وتحقيق الأخبار، ومدلولات اللغة، وأحكام الشرع، وأبدى رأيه مرجحا وموضحا وفاتحا المجال للاجتهاد والاختيار ..
وقد قدم لتفسيره بعد الحمد والثناء والصلاة على خاتم الأنبياء فقال: ثم أما بعد: فإن من جسيم ما خص الله به أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الفضيلة، وشرفهم به على سائر الأمم من المنازل الرفيعة، وحباهم به من الكرامة السنية، حفظه ما حفظ عليهم- جل ذكره وتقدست أسماؤه- من وحيه وتنزيله، الذى جعله على حقيقة نبوة نبيهم صلى الله عليه وسلم دلالة، وعلى ما خصه به من الكرامة علامة واضحة، وحجة بالغة، أبانه به من كل كاذب ومفتر، وفصل به بينهم وبين كل جاحد وملحد وفرق بينهم وبين كل كافر ومشرك، الذى لو اجتمع جميع من بين أقطارها جنها وإنسها، وصغيرها وكبيرها، على أن يأتوا بسورة من مثله لم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .. فجعله لهم فى دجى الظلم نورا ساطعا، وفى سدف الشبه شهابا لامعا وفى مضلة المسالك دليلا هاديا وإلى سبل النجاة والحق حاديا
…
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
(سورة المائدة الآية 61) حرسه بعين منه لا تنام، وحاطه بركن منه لا يضام، لا تهى على الأيام دعائمه ولا تبيد على طول الأزمان معالمه، ولا يجوز عن قصد المحجة تابعه. ولا يضل عن سبل الهدى مصاحبه، من اتبعه فاز وهدى ومن حاد عنه ضل وغوى، فهو موئلهم الذى إليه عند الاختلاف يئلون ومعقلهم الذى
إليه فى النوازل يعقلون، وحصنهم الذى به من وساوس. الشيطان يتحصنون وحكمة ربهم التى إليها يحتكمون، وفصل قضائه بينهم الذى إليه ينتهون، وعن الرضا به يصدرون وحبله الذى بالتمسك به من الهلكة يعتصمون ..
ثم تحدث عن بعض مهمات تتعلق بالقرآن بين يدى تفسيره ..
فتحدث عن إتقان معانى اى القرآن ومعانى منطق من نزل بلسانه القرآن من وجه البيان والدلالة على أن ذلك من الله تعالى ذكره هو الحكمة البالغة، مع الإبانة عن فضل المعنى الذى به باين القرآن سائر الكلام.
ثم فصل القول فى البيان عن الأحرف التى اتفقت فيها ألفاظ العرب وألفاظ غيرها من بعض أجناس الأمم ..
ثم تكلم عن اللغة التى نزل بها القرآن من لغات العرب.
ثم تحدث عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل القرآن من سبعة أبواب الجنة وذكر الأخبار الواردة بذلك .. ثم فصل القول فى الوجوه التى من قلبها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن.
ثم ذكر بعض الأخبار التى رويت بالنهى عن القول فى تأويل القرآن بالرأى.
ثم ذكر الأخبار التى رويت فى الحض على العلم بتفسير القرآن ومن كان يفسره من الصحابة ..
ثم ذكر الأخبار التى غلط فى تأويلها منكرو القول فى تأويل القرآن.
ثم ذكر الأخبار عن بعض السلف فيمن كان من قدماء المفسرين محمودا علمه بالتفسير ومن كان منهم مذموما علمه به فمن المحمودين ابن عباس يقول عبد الله بن مسعود: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس» . ومن المحمودين أيضا مجاهد يقول الثورى: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسك به» أما الذين لم يكن لهم فى التفسير قدم راسخة فمنهم الكلى وكنت أمر عليه طرفى النهار
ولم أكتب عنه ومنهم ابو صالح باذان، كان الشعبى رضى الله عنه يمر به.
فيأخذ بأذنه فيعركها ويقول:
[تفسر القرآن وأنت لا تقرأ القرآن].
ثم ذكر القول فى تأويل أسماء القرآن وسوره وآية.
وانتقل بعد ذلك إلى التفسير.
وهو فى تفسيره يبدى رأيه ثم يستشهد عليه بالآثار والأخبار مستعينا فى ذلك بقواعد وأقوال السابقين ..
فعن تأويل قوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. (سورة البقرة الآية 21) قال: فأمر جل ثناؤه الفريقين اللذين أخبر الله عن أحدهما أنه
…
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
(سورة البقرة الآية 6) لطبعه على قلوبهم وعلى سمعهم.
وعن الآخر أنه يخادع الله والذين آمنوا بما يبدى بلسانه من قبله: آمنا بالله وباليوم الآخر، مع استبطانه خلاف ذلك، ومرض قلبه، وشكه فى حقيقة ما يبدى من ذلك وغيرهم من سائر خلقه المكلفين .. بالاستكانة والخضوع له بالطاعة، وأفراد الربوبية له والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة، لأنه جل ذكره هو خالقهم وخالق من قبلهم من آبائهم وأجدادهم، وخالق أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم فقال لهم جل ذكره: فالذى خلقكم وخلق آباءكم أجدادكم وسائر الخلق غير كم وهو يقدر على ضركم ونفعكم أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نفع ولا ضر.
وكان ابن عباس فيما روى لنا عنه يقول فى ذلك نظير ما قلنا فيه، غير أنه
كان يقول فى معنى «اعبدوا ربكم» .: وحدوا ربكم
…
وقد دللنا على أن معنى العبادة الخضوع لله بالطاعة والتذلل بالاستكانة
…
والذى أراد ابن عباس- ان شاء الله- بقوله فى تأويل قوله (اعبدوا ربكم) وحدوه، أى أفردوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه.
حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن أبى محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الله:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين، أى وحدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم ..
ثم قال:
وهذه الآية من أدل دليل على فساد قول من زعم أن تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله غير جائز إلا بعد إعطاء الله المكلف المعونة على ما كلفه، وذلك أن الله أمر من وصفنا بعبادته والتوبة من كفره بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون، وانهم عن ضلالتهم لا يرجعون.
وقوله (لعلكم تتقون) تأويله: لعلكم تتقون بعبادتكم ربكم الذى خلقكم وطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه وافراد كم له العبادة لتتقوا، سخطه وغضبه أن يحل عليكم، وتكونوا من المتقين الذين رضى عنهم ربهم:
وكان مجاهد يقول فى تأويل قوله: «لعلكم تتقون» تطيعون ..
حدثنا ابن وكيع قال: حدثنى أبى عن سفيان عن ابن أبى نجيح عن مجاهد فى قوله (لعلكم تتقون) قال: لعلكم تطيعون ..
قال أبو جعفر: والذى أظن أن مجاهدا أراده. بقوله هذا لعلكم أن تتقوا ربكم بطاعتكم إياه، وإقلاعكم عن ضلالتكم ....
من هنا استحق كتاب جامع البيان عن تأويل القرآن للطبرى ثناء العلماء، فقال ابن خزيمة:
نظرت فيه من أوله إلى آخره وما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير ولقد ظلمته الحنابلة.
وقال أبو حامد الأسفرائني:
لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيرا وقال القفطى:
لم ير أكبر من تفسير الطبرى ولا أكثر فوائد.
وقال السيوطى:
كتاب الطبرى فى التفسير أجل التفاسير وأعظمها فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض وللإعراب وللاستنباط، فهو يفوق بذلك تفاسير الأقدمين.
وقال السيوطى:
(جمع فى تفسيره بين الرواية والراى) ولم يشاركه فى ذلك أحد قبله ولا بعده.
وانتهت به الحياة كما قال ابن كامل عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة، ودفن فى دار برحبة يعقوب، ولم يغير شيبه، وكان السواد فى رأسه ولحيته كثيرا، وكان أسمر إلى الأدمة أعين، نحيف الجسم مديد القامة فصيحا، واجتمع عليه من لا يحصيه إلا الله تعالى، وصلى على قبره عدة شهور ليلا ونهارا، ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب قال ابن دريد:
إن المنية لم تتلف به رجلا
…
بل أتلفت علما للدين منصوبا
كان الزمان به تصفو مشاربه
…
والآن أصبح بالتكدير مقطوبا
كلا وأيامه الغر التى جعلت
…
للعلم نورا وللتقوى محاريبا
«رحم الله ابن جرير الطبرى، ونفع بعلمه: