الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العصر فى سهولة التعبير، ومراعاة اقبال صنوف القارئين، وكشف شبهات المشتغلين بالفلسفة والعلوم الطبيعية وغيرها إلى غير ذلك مما تراه قريبا هو ما يسره الله بفضله لهذا العاجز
…
والناظر فى تفسير الشيخ رشيد رضا يجد فيه روح الشيخ الإمام محمد عبده وكلامه وآراءه ووقفاته الكريمة لفهم كتاب الله الحكيم.
رحم الله الشيخ رشيد رضا واستاذه الامام محمد عبده وجزاهما عن المسلمين خير الجزاء.
نموذج من تفسيره
قال فى قوله: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (سورة البقرة: 5) هاهنا إشارتان، والمشار إليه عند الجمهور واحد وهو ما فى الآيتين السابقتين الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ (سورة البقرة:
3) والذين يؤمنون بما انزل (إليك)، من غير أهل الكتاب والمؤمنين منهم، وكرر الاشارة للاعلام بأنه لا بدّ عن تحقيق الوصفين لتحقق الحكم بأنهم على هدى وأنهم هم
المفلحون، كما قال بعضهم وهو تكلف ظاهر وكذا قولهم: ان تنكير «هدى» هنا للتعظيم، وشيخنا قد جعل الاشارتين لنوعى المؤمنين المذكورين فى الآية السابقة بأسلوب اللف والنشر المرتب.
قال: ان الاشارة الأولى أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ فى هذه الآية للفرقة الولى: وهم الذين ينتظرون الحق لانهم على شىء منه- كما يدل عليه تنكير «هدى» الدال على النوع، وينتظرون بيانا من الله تعالى ليأخذوا به
وكذلك تقبلوه عند ما جاءهم، فقد أشعر الله قلوبهم الهداية بما آمنوا به من الغيب، وأقاموا الصلاة بالمعنى الذى سبق وانفقوا مما رزقهم الله.
وأما الفرقة الثانية: وهم المؤمنون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فعلى هدى تشترك فيه تلك الفرقة الاولى لكن على وجه أكمل .. لأنها مؤمنة بالقرآن وعاملة به.
وقوله «على هدى» تعبير يفيد التمكن من الشيء كمتمكن المستقر عليه كقولهم: ركب هواه، ولقد كان افراد تلك الفرقة (أي الأولى) على بصيرة وتمكن من نوع الهدى الذى كانوا عليه، فان كان هذا غير كاف لإسعادهم وفلاحهم فهو كاف لا عدادهم وتأهيلهم لهما بالايمان التفصيلى المنزل ولذلك قبلوه عند ما بلغتهم دعوته.
والى الفرقة الثانية وقعت الاشارة الثانية وأولئك هم المفلحون كما هو ظاهر، وهم المفلحون بالفعل لاتصافهم بالايمان الكامل بالقرآن، وبما تقدمه من الكتب السماوية واليقين بالآخرة- لا مطلق الايمان بالغيب اجمالا .. ويرشد إلى التغاير بين مرجع الاشارتين ترك ضمير الفصل «هم» فى الأولى وذكره فى الثانية ولو كان المشار إليه واحدا لذكر الفعل فى الأولى لأن المؤمنين بالقرآن هم الذين على الهدى الصحيح التام فهو خاص بهم دون سواهم لكنه اكتفى عن التنصيص على تمكنهم من الهدى بحصر الفلاح فيهم.
ومادة الفلح تفيد فى الأصل معنى الشق والقطع .. ويطلق الفلاح والفلح على الفوز بالمطلوب، ولكن لا يقال: افلح الرجل إذا فاز بمرغوبة عفوا من غير تعب ولا معاناة، بل لا بد فى تحقيق المعنى اللغوى لهذه المادة من السعى إلى الرغبة والاجتهاد لإدراكها، فهؤلاء ما كانوا مفلحين إلا بالإيمان بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله، واتباع هذا الايمان بامتثال الأوامر واجتناب النواهى التى نيط بها الوعد والوعيد فيما انزل إليه صلى الله عليه وسلم مع اليقين بالجزاء على جميع ذلك فى الآخرة ويدخل فى هذا كله ترك الكذب والزور وتزكية النفس من سائر الرذائل كالشر، والطمع والجبن والهلع والبخل والجود والقسوة وما
ينشأ عن هذه الصفات من الافعال الذميمة، وارتكاب الفواحش والمنكرات والانغماس فى شرور اللذات، كما يدخل فيه الفضائل التى هى اصدار هذه الرذائل المتروكة، وجميع ما سماه القرآن عملا صالحا من العبادات وحسن المعاملة مع الناس، والسعى فى توفير منافعهم العامة والخاصة مع التزام العدل والوقوف عند ما حده الشرع القويم والاستقامة على صراطه المستقيم.
وجملة القول:
أن الإيمان الذى أنزل إلى النبى صلى الله عليه وسلم هو الايمان بالدين الاسلامى جملة وتفصيلا فما علم من ذلك بالضرورة ولم يخالف فيه مخالف يعتد به فلا يسع أحدا جهله، فالإيمان به إيمان والاسلام لله به اسلام، وإنكاره خروج من الاسلام، وهو الذى يجب أن يكون معقد الارتباط الاسلامى وواسطة الوحدة الاسلامية وما كان دون ذلك فى الثبوت ودرجة العلم فموكول إلى اجتهاد المجتهدين، ولا يصح أن يكون شىء من ذلك مثار اختلاف فى الدين.
زاد الاستاذ هنا بخطه عند قولنا «اجتهاد المجتهدين» ما نصه أو ذوق العارفين، أو ثقة الناقلين بما نقلوا عنه ليكون معتمدهم فيما يعتقدون بعد التحرى والتمحيص، وليس لهؤلاء أن يلزموا غيرهم ما ثبت عندهم، فإن ثقة الناقل بمن ينقل عنه حالة خاصة به لا يمكن لغيره أن يعشر بها حتى يكون له مع المنقول عنه فى الحال مثل ما للناقل معه فلا بد أن يكون عارفا بأحواله واخلاقه ودخائل نفسه ونحو ذلك عما يطول شرحه، وتحصل الثقة للنفس بما يقول القائل:
وأقول:
معنى هذا أن بعض أحاديث الآحاد تكون حجة على من ثبتت عنده واطمأن قلبه بها ولا تكون حجة على غيره يلزمه العمل بها- ولذلك لم يكن الصحابة رضى الله عنهم يكتبون جميع ما سمعوا من الاحاديث ويدعون إليها مع دعوتهم إلى اتباع القرآن والعمل به، وبالسنة العلمية المتبعة المبينة له إلا
قليلا من بيان السنة كصحيفة على كرم الله وجهه المشتملة على بعض الاحكام كالدية وفكاك الاسير وتحريم المدينة كمكة.
ولم يرض الامام مالك من الخليفتين: المنصور والرشيد أن حملا الناس على العمل بكتبه حتى- «الموطأ» وانما يجب العمل بأحاديث الآحاد على من وثق بها رواية ودلالة، وعلى من وثق برواية أحد وفهمه لشىء منها أن يأخذه عنه، ولكن لا يجعل ذلك تشريعا عاما، وأما ذوق العارفين فلا يدخل شىء منه فى الدين، ولا يعد حجة شرعية بالاجماع إلا ما كان من استفتاء القلب فى الشبهات والاحتياط فى تعارض البيانات.