الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فتح القدير للإمام الشوكانى
لقد كتب مفسرنا تاريخا لحياته وكتابه تاريخ الحياة فى جو مفكري الاسلام نادر وربما كان أول من بدأ كتابة تاريخ حياته الفكرية فى عالمنا الاسلامى هو الإمام الغزالى فى كتابه «المنقذ من الضلال» ولكن مفسرنا كتب حياته الانسانية يختلط فيها الفكر بالنسب والحسب والدراية والتحصيل انه من هجرة شوكان وهو يعتز بهذه البلدة وإليها ينتسب الشوكانى ويقول عنها.
وهذه الهجرة معمورة بأهل الفضل والصلاح والدين من قديم الازمان لا يخلو وجود عالم منهم فى كل زمن ولكنه يكون تارة فى بعض البطون وتارة فى بطن أخرى.
تولى والده القضاء مدة أربعين عاما وكان عالما ورعا تقيا وعنى عناية فائقة بابنه وتثقف الابن الثقافة الاسلامية كاعمق ما يكون المثقف لقد حفظ القرآن وجوده وهذا من أهم الامور لمن يشتغل بعلوم الدين والعربية فالقرآن الكريم هو الاساس الأول لكل دارس للدين ولكل نابغ فى العربية.
وبينما كان يدرس القرآن فى المكتب عن له سؤال سأله لوالده القاضى:
انه يقول:
(وإنى أذكر وأنا فى المكتب مع الصبيان أنى سألت والدى رحمه الله عن أعلم من بالديار اليمنية اذ ذاك فقال:
فلان يعنى: «عبد القادر بن أحمد» .
ووطن نفسه على أن ينال- عند ما يكون أهلا لذلك- فن علم هذا الشيخ.
وقد كان الشوكانى صاحب ذاكرة قوية فحفظ منذ صغره كثيرا من متون
العلم والمتون هى الصورة الموجزة المركزة لفنون العلم. راقه فى بواكير شبابه الاشتغال بكتب التواريخ ومجاميع الأدب.
ووصل الأمر بنبوغه وجده فى طلب العلم أنه تصدر للافتاء وهو فى سن العشرين وكان مثله فى ذلك مثل العالم الكبير أمير المؤمنين فى الحديث سفيان الثورى العالم النابغة الذى تصدر للفتوى هو الآخر وهو فى سن العشرين.
وكل ذلك حصله فى صنعاء وكان فى صنعاء ذاك الوقت كثير من أفذاذ العلماء وكان يروق للشوكانى أن يدرس الكتاب على عدة من اعلام العلم ليرى منهج كل منهم وليوازن ويقارن بين أفهام النابهين من أولى العلم وكان هذا الأمر كأنه هو آية عنده.
لقد استمع لشرح كتاب «الأزهار» على أربعة من العلماء. بل انه قرأ شرح «الأزهار» على العالم الكبير أحمد بن محمد الرازى ثلاث مرات ويقول عن ذلك فى طرافة «اثنتان إلى ما تدعو إليه الحاجة والثالثة استكملنا بها الدقيق والجليل من ذلك مع بحث وتحقيق.
ويتحدث الشوكانى عن بعض قراءاته على شيخ واحد من مشايخه فيقول:- صحيح مسلم من أوله إلى آخره بلا قوت مع بعض شرحه للنورى، وبعض صحيح البخارى مع بعض شرحه فتح البارى، وبعض جامع الأصول لابن الأثير وسنن الترمذى من أولها إلى آخرها بلا فوت وبعض سنن ابن ماجة وبعض الموطأ وبعض المنتقى لابن تيمية وبعض شفاء القاضى عياض.
وسمعت منه كثيرا من الاحاديث المسلسلة
…
وقرأت عليه فى علم الاصطلاح بعض منظومة الزين العراقى وشرحها.
وفى الفقه بعض ضوء النهار وبعض البحر الزخار مع حواشيهما ..
وفى علم أصول الدين بعض المواقف العضدية وشرحها للشريف وبعض القلائد وشرحها.
وفى أصول الفقه بعض جمع الجوامع وشرحه للحملى وفى اللغة بعض الصحاح وبعض القاموس ومؤلفه الذى سماه «فلك القاموس» ولما استكمل الشوكانى شيئا من النضح العلمى أصبحت تلمذته نوعا من الاستفادة والافادة وهو يصف نمطا من ذلك فيقول:
وكانت القراءات جميعها تجرى فيها المباحث الجارية على نمط الاجتهاد فى الاصدار والايراد ما تشد إليه الرجال وربما انجد البحث إلى تحرير رسائل مطولة ووقع من هذا كثير.
وكنت أحرر ما يظهر لى فى بعض المسائل واعرضه عليه فان وافق ما لديه من اجتهاده فى تلك المسألة .. قرظة تارة بالنظم الفائق، وتارة بالنثر الرائق ..
وان لم يوافق كتب عليه ثم أكتب على ما كتبه ثم كذلك فان بعض المسائل التى وقعت فيها المباحثة حال القراءة اجتمع ما حررته وحرره فيها إلى سبع رسائل.
وكانت هذه الطريقة هى بداية التأليف عند الامام الشوكانى.
ولقد ساعده على التأليف استاذه الكبير عبد القادر بن أحمد الذى دله عليه والده وهو فى المكتب صبيا لقد كان هذا الشيخ يدفعه دفعا إلى القراءة فى كتب معينة يرشده إليها ويقول الشوكانى فى ذلك.
وما سألته القراءة عليه فى كتاب فابى قط بل كان يبتدينى تارات ويقول، تقرأ فى كذا وكان يبذل لى كتبه ويؤثر بها على نفسه.
بل كان يقترح عليه الكتب التى يؤلفها كما رغبه فى تأليف شرح المنتقى فشرع الشوكانى فى هذا وعرض عليه عددا من الكراريس التى انتهى منها
فقال: اذا تم على هذه الكيفية كان فى نحو عشرين مجلدا وأهل العصر لا يرغبون فيما بلغ من التطويل إلى دون هذا المقدار.
ثم أرشدنى إلى الاختصار ففعلت ..
وما كان هذا الشيخ وحده هو الذى يفعل مع الشوكانى ذلك، وإنما كان غيره من خيرة الشيوخ يفعلون ذلك أيضا، وكان الشيوخ اذ ذاك يتخذون العلم رسالة يريدون بها وجه الله، ولا يتخذونه حرفة أو مهنة، وكانوا كلما رأوا طالبا مجدا ساعدوه مساعدة فعاله، ساعدوه فى العلم وساعدوه فى السلوك حتى يصبح شيخا له تلاميذ يساعد المجد منهم فى العلم، ويساعده فى حسن السلوك.
وتربع الشوكانى على منصة العلم فى صنعاء، ودرس وأفتى، وكان الناس لا يكادون يذهبون فى الفتوى إلى غيره، وكانوا يحبون أن ينفحوه على الفتوى بعض المال فكان يأبى ويقول هذه الكلمات النفيسة:
«أنا أخذت العلم بلا سبب فأريد انفاقه كذلك» .
وفى سنة 1209 هـ كان الشوكانى فى السادسة والثلاثين من عمره المبارك، توفى قاضى القضاة، ونترك الآن للشوكانى يقص ما جرى، وهى قصة لها مغزاها العميق نضعها أمام طلاب الدنيا والمناصب الذين يجرون وراء الرئاسة والحكم:
وكان المتولى لهذا المنصب مرجع العامة والخاصة وعليه المعول فى الرأى والاحكام ومستشار الامام الوزراء فيما يعرض لهم وللدولة من احداث أو ما ينوبهم من أمور:
فلما مات فى ذلك التاريخ وكنت اذ ذاك مشتغلا بالتدريس فى علوم الاجتهاد والافتاء والتصنيف مجتمعا عن الناس لا سيما أهل الأمر وأرباب الدولة، فانى لا اتصل بأحد منهم كائنا من كان.
ولم يكن لى رغبة فى شىء سوى العلم وكنت أدرس للطلبة فى اليوم الواحد نحو ثلاثة عشر درسا منها ما هو فى التفسير كالكشاف وحواشيه، ومنها ما هو فى الأصول كالعضد وحواشيه والغاية وحواشيها، وجمع الجوامع وشرحه وحاشيته.
ومنها ما هو فى المعانى والبيان كالمطول والمختصر وحواشيهما، ومنها ما هو فى النحو كشرح الرضى على الكافية والمغنى، ومنها ما هو فى الفقه كالبحر وضوء النهار، ومنها ما هو فى الحديث كالصحيحين وغيرهما، مع ما يعرض من تحرير الفتاوى ويمكن من التصنيف: فلم أشعر إلا بطلاب لى من الخليفة بعد موت القاضى المذكور بنحو اسبوع فعزمت إلى مقامه العالى فقال لى أنه قد رجح قيامى مقام القاضى المذكور، فاعتذرت له بما كنت فيه من الاشتغال بالعلم، فقال: القيام بالامرين ممكن وليس المراد إلا القيام بفصل ما يصل من الخصومات إلى ديوانه العالى فى يومى اجتماع الحكام فيه.
فقلت: سيقع منى الاستخارة لله والاستشارة لا هل الفضل وما اختاره الله ففيه الخير.
فلما فارقته ما زلت مترددا نحو اسبوع ولكنه وفد إلى غالب من ينتسب إلى العلم فى مدينة صنعاء واجمعوا على أن الاجابة واجبة، وأنهم يخشون أن يدخل هذا المنصب. الذى إليه مرجع الاحكام الشرعية فى جميع الأقطار اليمنية- من لا يوثق بدينه وعلمه وأكثروا من هذا وأرسلوا إلى بالرسائل المطولة.
فقبلت مستعينا بالله ومتكلا عليه.
ولقد ألف الشوكانى كثيرا من الكتب منها:
1 -
نيل الاوطار فى الفقه.
2 -
ارشاد الغبى وهو كتاب نفيس يتحدث فيه الشوكانى عن وجوب البعد عن ذم الصحابة أو سبهم وهو كتاب ضروى فى أوساط الشيعة.
3 -
كتاب البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع.
4 -
تفسير القرآن المسمى: فتح القدير الجامع بين فن الرواية والدراية من التفسير.
وعنوان هذا الكتاب يشرح الطريقة، فهى ليست طريقة التفسير بالمأثور تقتصر على ايراد ما ورد فى الآية من الآثار كما فعل مثلا الامام السيوطى فى تفسيره الذى اقتصر فيه على ايراد ما ورد من الماثورات.
وليس تفسيرا يجعل كل همه العقليات كما فعل مثلا أبو مسلم الاصفهانى أو الفخر الرازى وأنما هو تفسير يجمع بين» الرواية والدراية» والرواية، هى ايراد المأثورات والدراية هى ابداء الرأى الشخصى بعد الفهم والتأمل فى الآية وما روى عنها، ونأتى الآن بنموذج منه.
يقول الله تعالى فى سورة الأنبياء إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ، قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ، قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (سورة الأنبياء: 52، 53، 54) وهكذا يجيب هؤلاء المقلدة من أهل الملة الاسلامية، فان العالم بالكتاب والسنة إذا أنكر عليهم العمل بمحض الرأى المدفوع بالدليل. قالوا: هذا قد قال به امامنا الذى وجدنا آباءنا له مقلدين وبرأيه آخذين. وجوابهم هو ما أجاب به الخليل هاهنا (قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم فى ضلال مبين) أى فى خسران واضح لا يخفى على أحد ولا يلتبس على ذى عقل، فإن قوم إبراهيم عبدوا الاصنام التى لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر، وليس بعد هذا الضلال ضلال، ولا يساوى هذا الخسران خسران. وهؤلاء المقلدة من أهل الاسلام استبدلوا بكتاب الله، وبسنة رسوله كتابا فدونت- اجتهادات عالم من علماء الاسلام، زعم أنه لم يقف على دليل يخالفها، أما لقصور منه، أو لتقصير فى البحث، فوجد ذلك الدليل من وجده، وابرزه واضح المنار كأنه علم فى رأسه نار، وقال: هذا كتاب الله أو هذه سنة رسول الله.
ويقول فى تفسير: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (سورة آل عمران: 169) وقد اختلف أهل العلم فى الشهداء المذكورين فى هذه الآية من هم؟
فقيل: شهداء أحد. وقيل فى شهداء بدر، وقيل فى شهداء بئر موتة ..
وعلى فرض أنها نزلت فى سبب خاص فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .. ومعنى الآية عند الجمهور: أنهم أحياء حياة محققه .. ثم اختلفوا: فمنهم من قال: أنها ترد إليهم ارواحهم فى قبورهم فيتنعمون. وقال مجاهد: يرزقون من ثمر الجنة، أى يجدون ريحها وليسوا فيها. وذهب من عدا الجمهور إلى أنها حياة مجازية والمعنى: أنهم فى حكم الله مستحقون للنعم فى الجنة، والصحيح الأول، ولا موجب للمصير إلى المجاز وقد وردت السنة المطهرة بأن أرواحهم فى اجواف طيور خضر، وأنهم فى الجنة يرزقون ويأكلون ..