الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدر المنثور فى التفسير بالمأثور
للحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى
ولد الإمام السيوطى فى أول رجب سنة 849 هـ وكانت وفاته فى جمادى الأول سنة 911 ودفن فى حوش قوصون خارج باب القرافة بالقاهرة.
أفرد الحافظ الداودى- وهو تلميذ الامام السيوطى- ترجمة كتاب مستقل عن أستاذه الحافظ السيوطى، وقد ترجم الحافظ السيوطى لنفسه فى كثير من كتبه يذكر فى أحدها ما لم يذكره فى الآخر، وترجم له كثيرون من محبيه ومن خصومه، ومن المعتدلين بين هؤلاء وممن ترجم له من القدماء ابن اياس فى تاريخه، وصاحب الكواكب السائرة، وعبد الغنى النابلسى.
وترجم له من المحدثين العالم المحقق الثبت السيد عبد الحى الكناني.
ولقد كان السيوطى قمة من القمم التى أثارت الكثير من الحديث عنها فيما بين ذام ومادح، وقد كان خصبا فى التأليف، وكان صاحب ذاكرة قوية وجد واجتهاد منذ صغره، فحفظ القرآن الكريم وما بلغ الثامنة من عمره بعد.
ودرس على مشايخ وتتلمذ على أساتذة، وصل بعضهم بعددهم إلى ستمائة، أما مشايخه فى الرواية سماعا واجازة فقد وصل إلى مائة وخمسين.
وكتبه بلغ تقديرها أكثر من خمسمائة، وهذه الكتب منها المؤلف الأصيل، ومنها ما هو مختصر من كتب سابقيه ومنها ما هو جمع أو تنسيق، والسيوطى فى كل ذلك له طابعه الموجود فى كل كتبه، وأعنى به طابع السهولة، فكتبه لا تعقيد فيها، سواء أكانت تأليفا أم جمعا وتنسيقا.
يقول ابن العماد فى الشذرات:
«ان تلميذه الحافظ الداودى استقصى أسماء مؤلفاته الحافلة الكبيرة الكاملة الجامعة فنافت عدتها على خمسمائة مؤلف، وقد أشتهر أكثر مؤلفاته فى أقطار الأرض شرقا وغربا وكان آية كبرى فى سرعة التأليف، قال تلميذه الداودى:
عاينت الشيخ وقد كتب فى يوم واحد ثلاث كراريس تأليفا وتحريرا، وكان مع ذلك يملى الحديث، ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة» أ. هـ.
ويقول أبو الحسنات: محمد عبد الحى اللكنوى فى فى حواشيه على الموطأ بعد أن ذكر السيوطى:
«وتصانيفه كلها مشتملة على فوائد لطيفة، وفوائد شريفة، تشهد كلها بتبحره وسعة نظره ودقة فكره، وأنه حقيق بأن يعد من مجددى الملة المحمدية فى بدء المائة العاشرة، وآخر التاسعة، كما ادعاه بنفسه، وشهد بكونه حقيقا به من جاء بعده، كعلى القارى المكى فى المرآة شرح المشكاة.
ويقول السيد محمد عبد الحى الكنانى:
«وقد ظفرت» فى مصر بكراسة من تأليف السيوطى عدد فيها تآليفه إلى سنة 904 قبل موته بسبع سنين اوصل فيها عدد مؤلفاته إلى 538، فعدد ما له فى علم التفسير 73، وفى الحديث 205، والمصطلح 32، والفقه 71، وأصول الفقه، والدين والتصوف 20، واللغة والنحو والتصريف 66، والمعانى والبيان والبديع 6 والكتب الجامعة من فنون 8 الطبقات والتاريخ 30، الجميع 37، أ. هـ.
وفى فترة من فترات حياته كان له مثل عليا يجب أن يصل إلى مكانة علمية تماثلها:
فهو يتحدث قائلا: انه لما حج شرب من ماء زمزم لأمور منها.
1 -
أن يصل فى الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقينى.
2 -
وفى الحديث إلى رتبة الحافظ بن حجر.
ولكن السيوطى فيما بعد كتب يقول:
ومن استكمل آلات الاجتهاد ولا يكون مثله الأعلى فى الفقه الشيخ سراج الدين البلقينى وفى الحديث الحافظ بن حجر، وذلك أن من استكمل آلات الاجتهاد يكون قد تربع على القمة فى مختلف الفنون.
ورتبة الاجتهاد قد ادعاها الامام السيوطى فجرت عليه مشاكل وأثارت حوله جدلا واضطر هو أن يدافع ويهاجم، وأن يدخل معركة تتعلق بجدارته وكفاءته كان فى غنى عنها، لقد قال بعضهم- وهو قول باطل- ان من يبلغ رتبة الاجتهاد لا بدّ وأن يكون عالما محققا فى فن المنطق، والسيوطى ليس من أئمة المنطق فهو ليس مجتهدا.
ورغم أن هذه الدعوى باطلة وذلك أن الكثير من أئمة الاجتهاد توفاهم الله قبل أن يترجم المنطق الأرسطى إلى اللغة العربية، وكثير من أئمة الاجتهاد نأوا بأنفسهم عن المنطق بعد أن ترجم ولم يتهمهم أحد بنقص فى اجتهادهم.
ولكن بمجرد أن وجه هذا النقد إلى الامام السيوطى كتب يرد عن نفسه وفى كتابه الجميل:
«صون المنطق والكلام» عن: «فنى المنطق والكلام» أخذ يدافع عن نفسه ويعلن أنه اتقن علم المنطق اتقان ائمته وأنه لذلك مستوف شرائط الاجتهاد، ولكن السيوطى لم يدع الاجتهاد فحسب، وأنما ادعى أنه مجدد القرن العاشر.
لقد روى أبو داود وغيره بسند صحيح عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«ان الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» .
والناس من قديم يتنازعون فى شخصية المجدد لكل قرن، ويختلفون على اسمه، وقد أرضى الامام بن كثير أغلب العلماء حين عمم فى الموضوع وجعله شاملا لكثيرين. انه يقول:
وعن ذلك وعن تقدير الامام السيوطى القارى فى شرح المشكاة:
«شيخ شيوخنا السيوطى هو الذى أحيا علم التفسير فى الدر المنثور، وجمع جميع الاحاديث المتفرقة فى جامعه المشهور، وما ترك فنا الا فيه له متن أو شرح مسطور، بل وله زيادات ومخترعات يستحق أن يكون هو المجود فى القرن العاشر كما ادعاه وهو فى دعواه مقبول ومشكور.
ونختم هذا بقول العارف بالله الشيخ الحافظ التيجانى أطال الله فى عمره:
«ولما بلغ العلامة السيوطى أربعين سنة من عمره أخذ فى التجرد للعبادة والانقطاع إلى الله تعالى والاشتغال به صرفا والاعراض عن الدنيا وأهلها كأنه لم يعرف أحدا منهم وشرع فى تحرير مؤلفاته التي سبقت الاشارة إليها وترك الافتاء والتدريس واعتذر عن ذلك فى مؤلف ألفه فى ذلك وسماه بالتنفيس، وأقام فى روضة المقياس فلم يتحول منها إلى أن مات، ولم يفتح طاقات بيته التى على النيل من سكناه، وكان الأمراء والأغنياء يأتون إلى زيارته ويعرضون عليه الأموال النفيسة فيردها وأهدى
إليه القوم خصيا وألف دينار فرد الألف وأخذ الخصى فأعتقه وجعله خادما فى الحجرة النبوية، وقال لقاصد
السلطان: لا تعد تأتينا قط بهدية، فان الله تعالى أغنانا عن مثل ذلك، وكان لا يتردد إلى السلطان، ولا إلى غيره وطلبه مرارا فلم يحضر إليه، وقيل له: ان بعض الأولياء كان يتردد إلى الملوك والامراء فى حوائج الناس فقال: اتباع السلف فى عدم التردد عليهم أسلم لدين المسلم» أ. هـ.
ونأتى الآن إلى السيوطى والتفسير لقد ذكر السيوطى أنه ألف فى التفسير وما يتعلق به 73 رسالة وكتابا، ويقول الامام السيوطى فى مقدمة كتابه:«الدر المنثور» «وبعد: فلما ألفت كتاب ترجمان القرآن وهو التفسير المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم، وتم بحمد الله فى مجلدات فكان ما أوردته فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرج منها رأيت قصور أكثر الهمم عن تحصيله ورغبتهم فى الاقتصار على متون الاحاديث دون الاسناد وتطويله فلخصت منه هذا المختصر مقتصرا فيه على متن الأثر مصدرا بالعزو والتخريج إلى كل كتاب معتبر، وسميته: بالدر المنثور فى التفسير بالماثور» والله أسأل أن يضاعف لمؤلفاته الأجور ويعصمه من الخطأ والزور، بمنه وكرمه أنه البر الغفور».
والدر المنثور هو أجمع كتاب للتفسير بالمأثور، لم يبد فيه الامام السيوطى رأيا، ولم يقل فيه كلمة مفسرة أو جملة شارحة، وأنما التزم التزاما كاملا أن يكون تفسيره جمعا لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الآية وسردا لبعض أقوال الصحابة رضى الله عنهم.
وهو فى جمعه هذا لم يلتزم صحة الاحاديث والنقل، ومن أجل ذلك فان هذا الكتاب الجليل فى حاجة ماسة إلى عمل متقن، فى التحقيق والتخريج، وبيان الصحيح من الاحاديث والحسن منها والضعيف.
ونورد الآن نموذجا يغنى عن غيره:
يقول فى قول الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (سورة الفاتحة)
«أخرج ابن جرير عن ابى حاتم عن ابن عباس فى قوله: «إياك نعبد» ويعنى إياك نوحد وتخاف ونرجو ربنا لا غيرك، «وإياك نستعين» على طاعتك وعلى أمورنا كلها، وأخرج وكيع والفرياني عن ابن رزين قال سمعت عليا قرأ هذا الحرف كان قرشيا عربيا فصيحا «إياك نعبد وإياك نستعين» اهدنا، برفعهما جميعا.
وأخرج الخطيب فى تاريخه عن أبى رزين أن عليا قرأ: إياك نعبد وإياك نستعين «فهمز ومد وشد» وأخرج أبو القاسم البغوى والماوردى معا فى معرفة الصحابة والطبرانى فى الأوسط وأبو نعيم فى الدلائل عن انس بن مالك عن أبى طلحة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة فلقى العدو فسمعته يقول:
«يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين» قال: فلقد رأيت الرجال تصدع تضربها الملائكة من بين يديها ومن خلفها»