الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ فَضْلِ الْمَدِينَةِ، وَدُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيهَا بِالْبَرَكَةِ، وَبَيَانِ تَحْرِيمِهَا، وَتَحْرِيمِ صَيْدِهَا، وَشَجَرِهَا، وَبَيَانِ حُدُودِ حَرَمِهَا
(1360)
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيَّ -، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ» .
(000)
وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: ابْنَ الْمُخْتَارِ -. (ح)، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ. . ح، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ كُلُّهُمْ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى هُوَ الْمَازِنِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا حَدِيثُ وُهَيْبٍ فَكَرِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ: بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ، وَأَمَّا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ فَفِي رِوَايَتِهِمَا مِثْلَ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ.
(1361)
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ - يَعْنِي: ابْنَ مُضَرَ -، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
454 - قوله: (إن إبراهيم حرم مكة) تقدم من حديث ابن عباس "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض" ومن حديث أبي شريح "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس" ولا منافاة في نسبة التحريم إلى الله وفي نسبته إلى إبراهيم عليه السلام، لأن نسبة التحريم إلى إبراهيم عليه السلام من حيث أنه مبلغه؛ إذ الحاكم بالشرائع والأحكام كلها هو الله تعالى، والأنبياء يبلغونها، فهي تضاف إلى الله من حيث أنه الحاكم بها، وتضاف إلى الرسل من حيث أنها تسمع منهم وتبين على ألسنتهم، فالمعنى أنه أظهر تحريمها مبلغا عن الله بعد أن كان مهجورًا، لا أنه ابتدأه. وقيل في الجمع بين معنى الحديثين أن الله قضى يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة، أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس، وكانت قبل ذلك عند الله حرامًا (دعوت في صاعها ومدها) أي دعوت بالبركة فيما يكال فيها بالصاع والمد من الحبوب والتمور والثمار، فيكفي منها في المدينة ما لا يكفي في غيرها (بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة) استدل به على تفضيل المدينة على مكة. ولا دليل فيه، إذ غاية ما فيه أن البركة في ثمار المدينة وحبوبها أكثر من ثمار مكة وحبوبها، ولا يلزم منه تفضيل المدينة على مكة، إذ المفضول قد يفضل على الفاضل في بعض الجزئيات.
455 -
قوله: (ففي روايتهما "مثل ما دعا به إبراهيم") والراجح رواية وهيب والدراوردي: "بمثلي ما دعا به إبراهيم" بتثنية المثل، ويؤيده حديث رقم (466 و 473).
456 -
قوله: (ما بين لابتيها) أي المدينة، تثنية لابة بتخفيف الباء المفتوحة، وهي الحرة، وهي الأرض ذات=
اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا» ، يُرِيدُ الْمَدِينَةَ.
(000)
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، «أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ
الْحَكَمِ خَطَبَ النَّاسَ، فَذَكَرَ مَكَّةَ وَأَهْلَهَا، وَحُرْمَتَهَا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَدِينَةَ وَأَهْلَهَا، وَحُرْمَتَهَا، فَنَادَاهُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، فَقَالَ: مَا لِي أَسْمَعُكَ ذَكَرْتَ مَكَّةَ وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا، وَلَمْ تَذْكُرِ الْمَدِينَةَ، وَأَهْلَهَا، وَحُرْمَتَهَا وَقَدْ حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا وَذَلِكَ عِنْدَنَا فِي أَدِيمٍ خَوْلَانِيٍّ إِنْ شِئْتَ أَقْرَأْتُكَهُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ مَرْوَانُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ ذَلِكَ» ..
(1362)
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ كِلَاهُمَا، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ، مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا» .
(1363)
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا، وَقَالَ: الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أَبْدَلَ اللهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا، أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
= الحجارة السود كأنها أحرقت بالنار، والمدينة بين حرتين: حرة في جهة الشرق، وتسمى بحرة واقم، وحرة في جهة الغرب وتسمى بحرة الوبرة، وتعرفان عند العامة بالحرة الشرقية والغربية، ففي هذا الحديث تحديد لحرم المدينة من جهتي الشرق والغرب. وقد دل الدليل على أن معظم الحرتين داخلتان في حرم المدينة.
457 -
قوله: (وذلك عندنا في أديم خولاني) أي إن تحريم المدينة مكتوب عندنا في أديم، وهو الجلد المدبوغ، خولاني، من صنع خولان، وهي كورة من كور اليمن. وأيضًا قرية كانت بقرب دمشق، وخربت، وإليها ينسب أبو مسلم الخولاني. يريد بذكر ذلك قوة ضبط تحريم المدينة، وما جرى له من الاهتمام البالغ، إذ لم يقتصر على البيان الشفهي، بل استكتبه في الجلد.
458 -
قوله: (لا يقطع عضاهها) بكسر العين المهملة، وهي كل شجر عظيم له شوك كالطلح والعوسج، واحدها عضاهة وعضهة وعضه وعضة بحذف الهاء الأصلية كما يحذف من الشفة (ولا يصاد صيدها) ذهب أكثر أهل العلم إلى تحريم صيد المدينة وقطع شجرها، وأن من فعل شيئًا مما حرم عليه: فيها أثم، ولا جزاء عليه. وقال جماعة: عليه الجزاء وهو كما في حرم مكة. وقيل: الجزاء في المدينة أخذ السلب [المذكور في حديث سعد برقم 461] وقال أبو حنيفة: لا يحرم صيد المدينة ولا قطع شجرها. وهذا الحديث وما شابهه يرد عليه.
459 -
قوله: (المدينة خير لهم) قال ذلك في ناس يتركون المدينة إلى بعض بلاد الرخاء كالشام وغيره، كما سيجيء، وهؤلاء الناس هم المرادون بضمير "لهم"، أي المدينة خير لأولئك التاركين لها من تلك البلاد التي ينتقلون إليها، ويتركون المدينة لأجلها. فلا دليل في الحديث على تفضيل المدينة على مكة، كما لا يخفى (لا يدعها) أي لا يتركها (رغبة عنها) أي معرضًا عنها ومستاء لها، فالذي خرج عنها لضرورة أو شدة زمان أو فتنة فليس بمراد في هذا الحديث (لأوائها) أي شدة جوعها (وجهدها) بفتح الجيم وقد تضم، أي مشقتها مما يجد فيه من شدة الحر وكربة =
(000)
وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إِلَّا أَذَابَهُ اللهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ، أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ.
(1364)
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعًا، عَنِ الْعَقَدِيِّ. قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ، فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا أَوْ يَخْبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ فَكَلَّمُوهُ
أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ، أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ».
(1365)
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ
= الغربة وأذية من فيها من أهل البدعة لأهل السنة (شفيعًا أو شهيدًا) أو بمعنى الواو، أو للتقسيم، أي شفيعًا لعامتهم وشهيدًا لخاصتهم.
460 -
قوله: (إلا أذابه الله في النار) هذا يفيد أنه يعذبه في الآخرة، وقد ورد عدة أحاديث تفيد تعذيبه مطلقًا، أي من غير قيد في الدنيا أو الآخرة، والأغلب أنه يعذبه في الدنيا والآخرة كلتيهما، يعني من أرادها في الدنيا بسوء فلا يمهله الله، ولا يمكن له سلطانا، بل يذهبه عن قرب، كما انقضى شأن من حاربها أيام بني معاوية مثل مسلم بن عقبة، فإنه عوجل عن قرب، فأهلك في منصرفه من المدينة، ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله على إثر ذلك وغيرهما ممن صنع صنيعهما. قاله القاضي عياض على سبيل الاحتمال في معنى الحديث.
461 -
قوله: (ركب إلى قصره بالعقيق) أي بوادي العقيق في غرب المدينة (أو يخبط) وفي نسخة: (يخبطه) من الخبط، وهو إسقاط ورق الشجر بعصا ونحوها (فسلبه) أي أخذ ما كان عليه من اللباس ونحوه سوى ما يستر العورة، وذلك زجرًا له عن معاودة هذا الفعل (فلما رجع سعد) أي إلى المدينة (نفلنيه) بتشديد الفاء، أي جعله لي نفَلًا - بالتحريك - أو أعطانيه نفلًا، أي غنيمة، وذلك بإذنه لكل من رأى صائدًا أو قاطع شجر أن يأخذ سلبه. قال النووي: هذا الحديث صريح في الدلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجماهير في تحريم صيد المدينة وشجرها، كما سبق، وخالف فيه أبو حنيفة - كما قدمناه عنه - وقد ذكر مسلم في صحيحه تحريمها مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وأبي سعيد وأبي هريرة وعبد الله بن عبيد ورافع بن خديج وسهل بن حنيف، وذكر غيره من رواية غيرهم أيضًا فلا يلتفت إلى من خالف هذه الأحاديث الصحيحة المستفيضة، وفي هذا الحديث دلالة لقول الشافعي القديم أن من صاد في حرم المدينة أو قطع من شجرها أخذ سلبه، وبهذا قال سعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم. قال القاضي عياض: ولم يقل يه أحد بعد الصحابة إلا الشافعي في قوله القديم، وخالفه أئمة الأمصار. قلت - قائله النووي - ولا تضر مخالفتهم إذا كانت السنة معه. وهذا القول القديم هو المختار، لثبوت الحديث فيه، وعمل الصحابة على وفقه، ولم يثبت له دافع. . . إلخ اهـ.
462 -
قوله: (وقال في الحديث: ثم أقبل) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى المدينة. هذا الذي يقتضيه سياق هذا الحديث في صحيح البخاري وغيره (هذا جبل يحبنا) حبًّا حقيقيًّا مثل ما يحب أهل الحياة والشعور، إذ لا مانع من =
ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي طَلْحَةَ: الْتَمِسْ لِي غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كُلَّمَا نَزَلَ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ، قَالَ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ» .
(000)
وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا.
(1366)
وَحَدَّثَنَاهُ حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ:«قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَحَرَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي: هَذِهِ شَدِيدَةٌ، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» . قَالَ: فَقَالَ: ابْنُ أَنَسٍ، أَوْ آوَى مُحْدِثًا.
(1367)
حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ قَالَ:«سَأَلْتُ أَنَسًا أَحَرَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، هِيَ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
= ذلك عند الله، وقد خلق الله حب رسوله صلى الله عليه وسلم في الجذع الذي كاد يتكىء عليه عند الحطبة، حتى إنه صلى الله عليه وسلم حين تركه إلى المنبر كان يئن من فراقه مثل أنين الصبي، وقد ثبت علميا وجود الحب في الناميات مثل الشجر والزرع فما المانع من وجود الحب في الجمادات (ونحبه) نحن المسلمين. وحب الإنسان للجمادات معروف لا غرابة فيه. ومن حب المسلمين لجبل أحد أنه قلما يأتي رجل من المسلمين إلى المدينة إلا ويزور جبل أحد، ليست المقابر فقط، بل معظم ما يوجد فيه من الآثار (فلما أشرف على المدينة) أي اطلع عليها بحيث رأى بيوتها ومساكنها (أحرم ما بين جبليها) الظاهر أن المراد بالجبلين جبل أحد في الشمال، وجبل غير في الجنوب. فهذا تحديد لحرم المدينة من جهة الشمال والجنوب، وما ورد من قوله:"ما بين لابتيها" فهو تحديد لحرم المدينة من جهة الشرق والغرب.
463 -
قوله: (فمن أحدث فيها) أي أظهر (حدثا) بفتحتين أي منكرًا أو بدعة، سواء كان هذا المنكر من حيث العادة والعرف، مثل الفتنة والخصام والجناية، أو من حيث الشرع، مثل البدع والفواحش وآلاتها من الدشوش والتليفزيونات (صرفًا ولا عدلًا) كلاهما بفتح الأول وسكون الثاني، والصرف: الفريضة، والعدل: النافلة. وقيل: بالعكس. وقيل: الصرف: التوبة، والعدل: الفدية (أو آوى محدثا) أي ضم مبتدعًا أو جانيا وحماه ومكنه وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين أن يقتص منه. هذا إذا قرىء قوله:"محدثًا" بكسر الدال. وقد قرىء بفتح الدال، وهو الأمر المبتدع نفسه، ويكون معنى الإيواء فيه الرضا به والصبر عليه، فإنه إذا رضي ببدعته وأقر فاعله عليها ولم ينكرها فقد آواه.
464 -
قوله: (لا يختلى) بصيغة المجهول من الاختلاء، أي لا يجز ولا يقطع (خلاها) بالفتح مقصورًا: الرطب من الكلأ والنبات، فإذا يبس فهو حشيش وهشيم.
(1368)
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ» .
(1369)
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّامِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ» .
(1370)
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ جَمِيعًا، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَأُهُ إِلَّا كِتَابَ اللهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ (قَالَ: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ) فَقَدْ كَذَبَ، فِيهَا أَسْنَانُ الْإِبِلِ، وَأَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ، وَفِيهَا: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا،
466 - قوله: (اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة) أي مثليه، والضعف بالكسر: المثل. قال الجوهري: ضعف الشيء مثله، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله. انتهى. وقال في القاموس: ضعف الشيء بالكسر، مثله، وضعفاه مثلاه، أو الضعف: المثل إلى ما زاد. انتهى.
467 -
قوله: (من زعم أن عندنا شيئًا نقرأه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة. . . فقد كذب) قاله علي رضي الله عنه ردًّا على ما زعمته جماعة الشيعة من أن عد أهل البيت ولا سيما عليًّا رضي الله عنه أشياء من الوحي خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بها، ولم يطلع غيرهم عليها (في قراب سيفه) القراب بكسر القاف، هو الغلاف الذي يجعل فيه السيف بغمده (فيها أسنان الإبل. . . إلخ) هذا بيان لما كان في تلك الصحيفة، وقد ظهر بذلك أن تلك الصحيفة لم تكن تشتمل على سر يختص بأهل البيت، بل كان فيها أمور وأحكام تعم جميع المسلمين، ولا تخص أهل البيت. وقوله:"فيها أسنان الإبل" معناه أن في تلك الصحيفة بيان أسنان الإبل التي تعطي دية أو صدقة (وأشياء من الجراحات) أي بيان دية الجراحات (المدينة حرم ما بين غير) بفتح العين وسكون الياء: جبل معروف بجنوب المدينة بجوار ذي الحليفة في شرقه ممتد في الطول شرقًا وغربا (إلى ثور) بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو بلفظ الثور فحل البقر: جبل صغير مدور مثل الخيمة خلف جبل أحد، ملتصق به، ومعنى جعله حد حرم المدينة أن جبل أحد كله داخل في حرم المدينة، وجبل ثور هذا غير جبل ثور الذي بمكة، والذي اختفى في غاره النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه عند الهجرة. وقد خفي علم جبل ثور المدينة على بعض أهل العلم فأنكروه. والصحيح إثباته، فالذي علم حجة على من لم يعلم. وهذا الحديث يفيد تحديد حرم المدينة من جهة الجنوب والشمال، فإن جبل عير في جهة جنوب المدينة، وجبل ثور في شمالها وراء جبل أحد (ذمة المسلمين) أي عهدهم وأمانهم (واحدة) أي إنها كالشيء الواحد لا يختلف باختلاف المراتب، ولا يجوز نقضها لتفرد العاقد بها. فإذا أمن الكافر واحد من المسلمين حرم على غيره التعرض له (يسعى بها) أي يتولاها ويلي أمرها (أدناهم) أي أدنى المسلمين مرتبة. والمعنى أن ذمة المسلمين واحدة سواء صدرت من واحد أو أكثر، شريف أو وضيع، فإذا أمن أحد من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمة لم يكن لأحد نقضه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة والحر والعبد، لأن المسلمين كنفس واحدة، (ومن ادعى) أي انتسب (إلى غير أبيه) المعروف (أو انتمى) أي انتسب =
وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا». وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ، وَزُهَيْرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ.
(000)
وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ جَمِيعًا، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ إِلَى آخِرِهِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ:«فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ» ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
(000)
وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، وَوَكِيعٍ إِلَّا قَوْلَهُ: مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ، وَذِكْرَ اللَّعْنَةِ لَهُ.
(1371)
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«الْمَدِينَةُ حَرَمٌ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ» .
(000)
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَزَادَ: وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ.
(1372)
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ تَرْتَعُ بِالْمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتُهَا، قَالَ
= (إلى غير مواليه) الذين أعتقوه (فعليه لعنة الله. . . إلخ) قال النووي: هذا صريح في غلظ تحريم انتماء الإنسان إلى غير أبيه، أو انتماء العتيق إلى ولاء غير مواليه، لما فيه من كفر النعمة وتضييع حقوق الإرث والولاء والعقل وغير ذلك، مع ما فيه من قطيعة الرحم والعقوق.
468 -
قوله: (فمن أخفر مسلمًا) بالخاء المعجمة والفاء، أي نقض عهد مسلم وأمانه، فتعرض لكافر أمنه مسلم. قال أهل اللغة: يقال: أخفرت الرجل إذا نقضت عهده، وخفرته بغير همز، إذا أمنته، فالهمزة في أخفر للإزالة والسلب، نحو أشكيته، أي أزلت شكايته، فمعنى "أخفر مسلمًا" أزال خفرته، أي عهده وأمانه.
(. . .) قوله: (من تولى غير مواليه) أي اتخذهم أولياء، ونسب ولاء عتقه إليهم.
471 -
قوله: (لو رأيت الظباء) جمع ظبي وهو الغزال (ترتع بالمدينة) أي ترعى بها، وقيل: تسعى وتبسط بها =
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ».
(000)
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:«حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَوْ وَجَدْتُ الظِّبَاءَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا مَا ذَعَرْتُهَا وَجَعَلَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حَوْلَ الْمَدِينَةِ حِمًى» .
(1373)
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاؤُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ، وَخَلِيلُكَ، وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ، وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ
مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ، قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ، فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ».
(000)
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يُؤْتَى بِأَوَّلِ الثَّمَرِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَفِي ثِمَارِنَا، وَفِي مُدِّنَا، وَفِي صَاعِنَا بَرَكَةً مَعَ بَرَكَةٍ، ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنَ الْوِلْدَانِ» .
= (ما ذعرتها) أي ما أفزعتها ولا خوفتها بالصيحة عليها أو بطردها وتنفيرها.
472 -
قوله: (وجعل اثنى عشر ميلًا، حول المدينة، حمى) الحمى بكسر الحاء مقصورًا، هو ما يحميه السلطان من الأرض، فيكون محظورًا على غيره أن يصيد أو يرعى فيها أو يقطع شجرها ونباتها. فهو هنا بمعنى الحرم. وقد روى أبو داود من حديث عدي بن زيد ما يؤيد هذا المعنى. قال عدي: حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريدًا بريدًا، لا يخبط شجره ولا يعضد إلا ما يساق به الجمل. ولكنه حديث ضعيف، في إسناده سليمان بن كنانة، لم يعرفه أبو حاتم الرازي، ولم يذكره البخاري في تأريخه. وفي إسناده أيضًا عبد الله بن أبي سفيان، وهو في معنى المجهول، وقال في التقريب: إنه مقبول. ومعنى جعله "اثنى عشر ميلا حمى" أنه جعل الحمى بريدا في بريد - والبريد اثنا عشر ميلا - أي ستة أميال من جهة قبلتها، وستة أميال من جهة شاميها. وكذلك في المشرق والمغرب، فصار من القبلة إلى الشمال بريدا، ومن المشرق إلى المغرب بريدا، قال مالك: هذا حرم الشجر، أما حرم الصيد فهو ما بين لابتيها. والظاهر أنه لا فرق بينهما. فإن ما بين عير وثور بريدا، وما بين نقطة أحد الغربية ونقطته الشرقية بريدا، والخطان اللذان يخرجان من هاتين النقطتين يحددان ما بين اللابتين، وهذه حدود حرم المدينة. ومعناه أن حد حرم الشجر وحرم الصيد واحد لا فرق بينهما، وإنما اختلف التعبير فقط.
473 -
قوله: (جاءوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم) إيثارًا له على أنفسهم، ورغبة منهم في دعائه صلى الله عليه وسلم (بارك لنا في ثمرنا) يالنماء والزيادة والبقاء (وبارك لنا في مدينتنا) من جهة سعتها وسعة أهلها (وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا) وقد استجاب الله دعاءه، فيكفي من ذلك في المدينة ما لا يكفي في غيره (أصغر وليد) أي مولود (له) يعني أصغر طفل من أهل بيته، وفي الحديث التالي "ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان" وللترمذي والموطأ "أصغر وليد يراه" وهو يفيد أنه كان يعطيه من يحضر، سواء كان من أهل بيته أو غيرهم.