الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صفات القاضي في الإسلام
(1)
لكل حكومة تشريع وقضاء وتنفيذ، فبالتشريع يكون لها قوانين تميّز الباطل من الحق، والفاسد من الصالح، وبالقضاء تفصل بين المتنازعين إذا اشتبه على أحدهما الحق، أو غلبته أهواؤه على أن ينتهك حرم الحق، وبالتنفيذ تتم الفائدة من وضع القوانين، والفصل بين المتنازعين.
ومصدر التشريع في الحكومات الإسلامية هو الخالق -جلَّ شأنه-؛ فإن السلطة القضائية إنما تستمد أحكامها من الكتاب والسنّة، ومن الأصول التي يرجع إليها المجتهد في تقرير أحكام الوقائع إن لم يجدها في نص آية أو حديث.
والقضاء هو: الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام.
وللقاضي صفات هي شروط في صحة ولايته، وهي: الإسلام، والعقل، والذكورة، والعلم، والعدالة.
والمراد من العقل: النباهة، وقوة التفكير.
وشرط الذكورة لا يختلف فيه أهل العلم في القديم أو الحديث، ومن شواهده: ما جاء في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: "لن يفلح
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء التاسع والعاشر من المجلد التاسع عشر.
قومٌ وَلَّوا أمرهم امرأة".
ونسبوا إلى ابن جرير الطبري: أنه يجيز أن تكون المرأة قاضية، ونسبوا إلى الإمام أبي حنيفة: أنه يجيز قضاءها فيما تشهد فيه.
أما ما نسب إلى ابن جرير، فلم يصح نقله عنه، وهو -مع عدم ثبوت نقله عنه- مخالف للإجماع.
وأما ما نسب إلى الإمام أبي حنيفة، فمحمول على أنه يصح أن تقضي في واقعة على وجه التحكيم، لا على أنها تقلَّد منصب القضاء.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "الأحكام": "ونقل عن محمد ابن جرير الطبري إمام الدين: أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه، ولعله كما نقل عن أبي حنيفة: أنها تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة على الحكم، إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم، أو الاستنابة في القضية الواحدة؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "لن يفلح قومٌ ولَّوا أمرهم امرأة"، وهذا هو الظن بأبي حنيفة، وابن جرير. وقد روي أن عمر بن الخطاب قدم امرأة على حسبة السوق، ولم يصح، فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة".
وأما العلم: فشرطُ القاضي في أصل الشريعة: أن يكون بالغاً رتبة الاجتهاد، ولما قلَّ في علماء الشريعة من يدرك هذه المرتبة لأسباب نتعرض لها في غير هذا المقام، جازت ولاية المتابع لمذهب إمام من أئمة الاجتهاد؛ كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهذا الجواز من قبيل أحكام الضرورات؛ حتى لا تتعطل الأحكام، ومن المتابعين لأحد المذاهب
من له قدرة على النظر في أدلة الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، فلا يعدل عنه إلا من قصر باعه عن تمييز الأدلة الصحيحة من الأدلة الواهية.
وأما العدالة: فعدَّها طائفة من أهل العلم في شرط صحة القضاء، وقالوا: من لا تجوز شهادته لا تصح ولايته، ومقتضى بطلان ولاية غير العدل: عدمُ نفاذ حكمه.
والحق -فيما يظهر-: أن القاضي العدل تحمل أحكامه على أنها موافقة لوجه الحق، وتنفذ، إلا إذا تبين أنها مخالفة له، وغير العدل تقر أحكامه إذا تبين أنها صواب.
ونظر بعضهم إلى صفة العدالة من ناحية السياسة الشرعية، وقالوا: إن لم يوجد في البلد عدول، أقيم للقضاء عليهم أقلهم فسقاً، ترجيحاً لمصلحة فصل الخصومات، وقطع المنازعات، على مفسدة إبقاء الناس في هرج وفتن تنتهك بها الدماء والأعراض والأموال.