الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدّين والفلسفة والمعجزات
(1)
يبحث الإنسان عن حقائق الكائنات، ويتعرف أحوالها، ويتدبر وجوه اختلافها: في الصفات، والطبائع، والآثار، ينظر فيها متفرقة أو متجمعة، باتصال أو امتزاج. ويسمو بعد هذا إلى البحث عن مصدرها، والتفكير في مصيرها، وما ينتهي إليه نظره يرسم له حدوداً، أو يصيغه في صورة قانون. وذلك ما يسمّى: علماً، أو فلسفة.
ولما لم تكن العقول متساوية في حدة النظر، ولا في رعاية قوانين البحث، اختلف ما ترسمه للأشياء من حدود، وما تقرره لها من أحكام.
فمنها ما يقطع بصحته، ومنها ما لا يتعدى درجة الظن، ومنها ما هو ظاهر الفساد.
وإذا لاحظت أن بعض العقول قد تخرج في البحث إلى ما لا سبيل لها أن تعرفه من طريق التجربة أو الاستدلال، ظهر لك ناحية من النواحي التي تخبط فيها العقول خبط عشواء، وإن بلغت في العبقرية الذروة، ودرست علم المنطق كتاباً بعد كتاب.
أما الدين، فهو وضع إلهي يراد به: هداية الإنسان إلى السيرة المرضية
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الخامس من المجلد السادس.
في الدنيا، والفوز بالسعادة في الأخرى. فهو يهدي إلى معرفة مباع الكون، وما يجب أن يكون له من صفات، وما يدخل تحت سلطان قدرته من الأفعال، ويهدي إلى معرفة مصير الخليقة؛ من الفناء، ثم البعث، ثم الحساب، ثم إلى مستقر خالد في دار نعيم أو عذاب، ويهذب صلة العباد بالخالق، ويصلح الصلات بين الأفراد والجماعات، ويتوسل إلى هذه المقاصد بإقامة الحجة، وإلقاء الحكمة، وضرب الأمثال، وإيراد القصص العامرة بما فيه عبرة.
يصل الدين إلى الناس على أيدي بشر أمثالهم، ولكن الله اصطفاهم، وزكى أنفسهم، وأنار بصائرهم، فكانوا مستعدين لتلقي الوحي منه.
أولئك البشر المصطفون هم الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، وقضت حكمته تعالى أن تكون رسالاتهم مؤيدة بالآيات البينات؛ لتتم بها الحجة، وتنجح معها الدعوة، وبهذه الآيات صارت أقوال الأنبياء عليهم السلام مقطوعاً بصحتها، وأفعالهم مشهوداً بحكمتها، فالدين الحق لا يتخلف عنه الصدق في قول، ولا تفارقه الحكمة في موطن.
وإذا حدثناك عن الدين بعد هذا، فإنما نحدثك عن دين الإسلام، ومسايرته للعلم الصحيح؛ إذ في استطاعتنا أن نقيم على ذلك الحجة، وندفع من حوله كل شبهة.
نجد فيمن يمشون في الفلسفة على غير سبيل طائفةً يعتقدون أن الكائنات مرتبطة في نفسها بأسباب معينة يترتب عليها أثرها حتماً، ولا يمكن انقطاع هذه الأسباب عن آثارها المعروفة بحال، وهذه العقيدة يحملها الطبيعي البحت، ولا تستقر في نفس تؤمن بأن جميع الكائنات تستند إلى
مبدع حكيم، فعَّال لما يريد.
وإذا أخذت في مناظرة صاحب هذه الدعوى، لم يقل في الاستدلال عليها أكثر من أنه لم يشهد الأسباب منفردة عن مسبباتها، ولا المسببات قائمة بدون أسبابها، وبهذه الشبهة ينكر أن يكون إبراهيم عليه السلام ألقي في النار ولم تحرقه، وينكر أن عيسى عليه السلام ولد من غير أب، وينكر أن تكون عصا موسى عليه السلام قد انقلبت ثعباناً، إلى ما يماثل هذا من الآيات البينات.
ومن الواضح أن دعواهم باطلة، وشبهتم داحضة، ولا سبيل لهم إلى إثبات أن تخلف المسببات عن أسبابها المعروفة عادة من قبيل المحال؛ فإن عدم مشاهدة انقطاع المسببات عما عرف من أسبابها لا يستلزم ارتباطهما في نفس الأمر ارتباطاً يحيل العقل انفكاكه.
أليس من الممكن أن يجعل القادر الحكيم للأمر سبباً آخر، أو يحدث مانعاً يبطل به تأثير السبب المعروف؟ ومن هنا صح الاعتقاد بالمعجزات التي دلت النصوص المحكمات على وقوعها.
فندعو شباننا الباحثين عن طرق السعادة وراحة الضمير أن يفرقوا بين ما لا يمكن وقوعه؛ مثل: وجود شخص بعينه في مكانين في زمن واحد، ومثل: كون جزء الشيء أكبر من ذلك الشيء، ومثل: رجحان أحد شيئين متساوين من غير مرجح، ويين ما يمكن وقوعه، ولا يستطيع العقل أن يخرجه من دائرة الإمكان، ولكنه يقع على وجه لم تشهده الأبصار من قبل. فالأول موضع الإنكار الحق، ومثلُه لا ترد به الشريعة السماوية في حال. والثاني موضع الغرابة، ووروده في الدين سائغ، بل محقق، وكثير من شؤون اليوم الآخر
داخل في هذا القبيل.
وقد أظهر العلم الحديث من غرائب المخترعات ما لو وصف لقصير النظر من قبل؛ لأنكره متخيلاً أنه من قبيل المستحيل.