الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السّياسة الرشيدة في الإسلام
(1)
أتى على العالم حين من الدهر وهو يتخبط في جهل وشقاء، ويتنفس من نار البغي الطاغية على أنحائه الصعداء، حتى نهض صاحب الرسالة الأعظم - صلوات الله عليه - بعزم لا يحوم عليه كلال، وهمة لا تقع إلا على أشرف غرض؛ فأخذ يضع مكان الباطل حقاً، ويبذر في منابت الآراء السخيفة حكمة بالغة، وما لبثت الأمم أن تقلدت آداباً أصفى من كواكب الجوزاء، وتمتعت بسياسة يتجلى بها العدل في أحسن رُواء، وأرفع سناء.
وضع الإسلام للسياسة نظاماً يقطع دابر الاستبداد، ولا يبقي للحيف في فصل القضايا أو الخلل في إدارة الشؤون منفذاً.
أوصى الرعاة بأن لا ينفردوا عن الرعية بالرأي في آية:
{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159].
وآية:
{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38].
ثم التفت إلى الأمة، وعهد إليها بالرقابة عليهم، وإسدائهم النصيحة فيما تراه غير واقع على وجه الاستقامة، فقال تعالى:
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء السابع من المجلد الخامس.
ولم يكن الأمراء الراشدون -احتراماً لهذا القانون الإلهي- يكرهون من الناس، أو يحجرون عليهم البحث في الشؤون العامة، ومجادلتهم فيها بلهجة ناصح أمين، وهذه صحف التاريخ حافلة بقصص الذين كانوا يقفون للخليفة عمر بن الخطاب -وهو يخطب على منبر المسجد الجامع-، فينكرون عليه عزل عامل اعتقدوا أمانته، أو يجادلونه في رأي عزم على أن يجعله قانوناً نافذاً، فلا يكون منه سوى أن يقول لمن نطق على بينة:"أصبت"، ويرد على من أخطأ في المناقشة رداً جميلاً.
وإن شئت مثلاً من سيرة الأمراء الذين تقلبوا في فنون من أبهة الملك، ولبسوا من عظمته بروداً ضافية؛ فقد حضر القاضي منذر بن سعيد مجلس الخليفة الناصر بمدينة الزهراء، فتلا الرئيس عثمان بن إدريس أبياتاً تمضمض فيها بشيء من إطراء الخليفة حتى اهتز لها طرباً، وكان منذر بن سعيد ينكر على الناصر إفراطه في تشييد المباني وزخرفتها، فأطرق لحظة، ثم قال:
يا باني الزهراء مستغرقاً
…
أوقاته فيها أما تمهل
لله ما أحسنها رونقاً
…
لو لم تكن زهرتها تذبل
فما زاد الناصر على أن قال: "إذا هبَّ عليها نسيم التذكار، وسقيت بماء الخشوع، لا تذبل إن شاء الله"، فقال منذر:"اللهم اشهد؛ فإني قد بثثت ما عندي".
في مقدرة ذلك الخليفة أن يفصل منذر بن سعيد عن وظائفه، أو يبعث به إلى المنفى غير آسف عليه، ويجعل عذره في ذلك العقاب خُطَبه التي كان
يلقيها على منبر الجامع، ويتصدى فيها لنقد بعض أعمال الدولة، ولكنه أمير نفذت بصيرته إلى روح الشريعة الغراء، ودرس تاريخ الخلفاء قبله عن عبرة، فعرف أن لا غنى للدولة عن رجال يجمعون إلى العلم شجاعة، وإلى الشجاعة حكمة، حتى يمتطوا منصب الدعوة إلى الإصلاح بحق، ويكوّنوا الصلة التي يظهر بها أولو الأمر ويقية الشعب في مظهر أمة تولي وجهها شطر غاية واحدة، ثم لا يغيب عن مثل ذلك الخليفة العادل أن الدولة لا تحرز مجداً خالداً وسمعة فاخرة، إلا أن تعيش في ظلالها أقوام حرة، وفي مقدمتهم علماء يجدون المجال للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسيحاً.
يصفون بعض الأمم بمحررة الشعوب، ويلقبون عاصمة بلادها بمطلع الحرية، إلا أن ناشر لواء الحرية بحق، ومعلم البشر كيف يتمتعون بالحقوق على سواء، مَنْ وضعَ لطاعة الرؤساء حداً فاصلاً، فقال:"إنما الطاعة في المعروف"، وجعل الناس في موقف القضاء أكفاء، فقال - صلوات الله عليه -:"أيها الناس! إنما ضلَّ من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها".
كم ظهر في بلاد العرب من سيد بلغ في الرياسة أن أحزر لقب ملك؛ كآل جفنة، وآل غسان، وربما وجد من بينهم من لا يقل في قوته النفسية الفطرية عن الفاروق رضي الله عنه، فما بالهم لم يأخذوا في السياسة بنزعته، ويرموا إلى أغراضها عن قوس حكمته؟!.
لا عجب أن يمتطي ابن خطاب تلك السياسة الفائقة، ويجول بها بين الأمم جولته التي رفعت الستار عن أبصارهم، حتى شهدوا الفرق بين سيطرة
الدول المستبدة وسيرة الخليفة الذي ينام في زاوية من المسجد متوسداً إحدى ذراعيه.
إن هو إلا الإسلام، أقام له أساسها، وأنار سراجها، فبنى أعماله على أساس راسخ، واستمد آراءه من سراج باهر، فكانت صحف آثاره أبدع عند عشاق السياسة القيمة من مناظر الروضة الغناء.
تدرب الخلفاء العادلون على مذاهب السياسة وفنون الحرب بما كانوا يتلقونه من حضرة الرسول عليه الصلاة والسلام من الحكم السامية؛ كحديث: "الحرب خدعه" أو ما يشهدونه من التدابير المحكمة؛ كوسيلة التكتم في الأمر الجارية عند الدول لهذا العهد، وهي أن يبعث الرئيس الأعلى إلى الرئيس الأدنى، أو يناوله رسالة مختومة، ويأمره أن لا يفك ختامها إلا في محل أو وقت يسميه له، وقد جاء في "صحيح البخاري" وغيره: أن حضرة صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام ناول عبد الله بن جحش- وهو أمير نجد- كتاباً، وقال له:"لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا"، فلما بلغ عبد الله المكان، قرأ الكتاب، وأخبر الجند بما في ضمنه من الأمر.
إن اختلاف الأمم في عاداتها وحاجاتها، يستدعي أن تكون سياستها وأنظمتها مختلفة، كما يقتضي أن يكون المدبرون لأحكام الأمة وتراتيبها المدنية ممن وقفوا على روحها، وأحاطوا خبرة بمزاجها، حتى لا يضعوا عليها من الأوامر والنواهي ما يجعل سيرها بطيئاً، أو يردها على عقبها خاسرة، وكذلك الإسلام يقيم السياسة على رعاية العادات، ويسير بها على ما يطابق المصالح، ولهذا فصّل بعض أحكام لا يختلف أمرها باختلاف المواطن؛ كآية:
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179].
وحديث: "البينة على المدعي، واليمين على المدعي عليه"، ودل على كثير منها بأصول عامة يستنبطها الراسخ في العلم بمقاصد الشريعة، البصير بما يترتب على الوقائع من آثار المقاصد والمصالح.
وإن شريعة تقوم على قواعد: "الضرر يزال. المشقة تجلب التيسير. العادة محكمة"، ويقول أحد العظماء من فقهائها:"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من المعاملات والسياسات" لا يحق لأحد أن يرميها بمجافاة الإصلاح والبعد عما تقتضيه طبائع العمران، إلا أن يفوته العلم بحقائقها، أو يحمله الزيغ الجامد على مناوءتها.