الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حالة الأمة في هذا العصر
(1)
قام النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة الحق، واحتمل في سبيلها أذى كثيراً، وشر الله له أسباب الهجرة، فهاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وبهذه الهجرة المباركة أخذت الدعوة حريتها كاملة، وأخذ الدين الحق ينتقل على طريق الحجة من وطن إلى وطن، ومن جماعة إلى جماعة، حتى أخرج خير أمة أخرجت للناس.
وسيحدثكم عن الهجرة وشيء من آثارها حضرات الخطباء والشعراء من بعدي، أما كلمتي، فإنما أتحدث فيها عن حالة الأمة الإسلامية في هذا العصر من ناحية تمسكها بهدى الله الذي رفعت الهجرة لواءه، أو انصرافها عنه، حتى لا يكون حديثنا في هذا الاحتفال مقصوراً على ما أثمرته الهجرة من ظهور الإسلام وعزة المسلمين، أو على ما يؤخذ منها من عبر ينتفع بها في الأخلاق والسير في الحياة، بل ينبغي أن ندخل في هذه الذكرى ما يثير الأسف، ويهز العزائم، ويدفع النفوس إلى أن تجاهد في سبيل إعلاء الحق بكل ما أوتيت من قوة، فإذا ابتهجنا في ذكرى الهجرة بانتشار الإسلام على وجهه الصحيح، وفوزه على بقية الأديان من نحو اليهودية والنصرانية والمجوسية، كان علينا أن نفكر في حاضرنا، وكيف نعمل لمستقبلنا، فأقول:
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثامن من المجلد السادس عشر.
أخرجت هداية الإسلام أمة هي خير الأمم في كل ناحية من نواحي الكمال الإنساني؛ إيماناً صادقاً، وخلقاً سمحاً، وأدباً سنياً، وعملاً صالحاً، ورفع راية دولة هي أرشد الدول سياسة، وأعدلها حكماً، وأنفذها بصيرة، وأحكمها نظاماً.
يشهد بهذا التاريخُ الصادق لعهد الخلفاء الراشدين، ومن اقتدى بسيرتهم من الأمراء، فكنت ترى أمة تتمتع بحياة آمنة زاهرة، على رأسها دولة كبيرة الهمة، فسيحة الصدر، تطلق عنان الحرية للناصحين، وتخفض جناحها للمستضعفين، فتأخذ بالتسامح في معاملة المخالفين، وتعتصم باليقظة والحزم في كبح جماح الباغين.
وإذا أرانا التاريخ أو المشاهدة ضعفاً أو انحطاطاً في أمة أو دولة إسلامية، فإنما نجده في النواحي التي انحرفت فيها عن معالم الدين الحق، ويكون ضعفها أو انحطاطها على قدر انحرافها عن هذه المعالم.
ينحرف الناس عن هدى الله لأهواء طاغية، أو لقلة العلم بما أرشدت إليه الشريعة، أو حذرت منه، وهاتان العلتان انتشرتا في الأمة، فشربتا دمها، وأذابتا لحمها، وأوهنتا عظامها، حتى كاد اليأس يحوم بنفوس حكمائها ودعاة إصلاحها.
نشأ في أوطاننا فريق عرفوا جانباً من هداية الله، ولكن لبستهم الشهوات، فذهبت بهم في الخلاعة والبطالة إلى مكان بعيد. ونشأ في أوطاننا فريق يحملون أذهاناً راكدة تروج فيها المزاعم السخيفة، والأساطير المنبوذة، فيحسبونها علماً نافعاً، ويطرحونها في المجالس، ولا يشعرون بسخافتها وخروجها عن دائرة التفكير الصحيح.
ونشأ في أوطاننا فريق رزقوا أذهاناً تتقلب يميناً وشمالاً، ولكنها أذهان قد تحسب الشبهة حجة، والخيال حقيقة، فأنكروا جانباً من أصول الشريعة ونصائحها، وأخذوا يتأولون نصوصها، ويرتكبون في تأويلها طرقاً تأباها بلاغة القرآن وحكمة التشريع، ولا فرق بين هؤلاء وبين الملحدين علانية إلا هذا التأويل الذي هو كالقناع الشفاف لا يحجب ما وراءه.
ونشأ في أوطاننا فريق نظروا إلى ما برع فيه الغربيون من علوم ومبتكرات، أو نظروا إلى أنهم المسيطرون على كثير من الشعوب الشرقية، فأكبروهم، وبالغوا في إكبارهم حتى خيل إليهم أنهم لا يقولون إلا صواباً، ولا يعملون إلا حسناً، ولم يتريثوا أن أصبحوا يحاكونهم في كثير من عاداتهم، وإن نهى عنها الدين الحنيف، ويقلدونهم في آرائهم، وإن كانت عارية من كل دليل، أو ما يشبه الدليل.
ونشأ في أوطاننا فريق لم يدرسوا علوم الشريعة، أو لم يدرسوها بحق، ولكنهم درسوا علوماً دراسة كافية وعالية، وخُيِّل إليهم أن بلوغهم درجة الأساتذة في تلك العلوم يخولهم أن يخوضوا في مسائل الدين، ويظهروا بآراء لا يرجعون فيها إلى استدلال معقول، وإنما هي آراء تخرج من بين شهوات كامنة، أو أذواق غير صافية.
ولا ننسى أن نذكر في سياق هذه الدعايات دعاية غزيرة المدد، كثيرة الأعوان، هي الدعاية التي يسمونها:"التبشير"، وهذه الدعاية -وإن عجزت عن تحويل أبناء المسلمين إلى دين النصرانية- قد وصلت إلى شيء من أغراضها، وهو زلزلة عقائد بعضهم، وإيقاعهم في إلحاد.
نذكر هذه الفرق كنموذج لمظاهر الفساد الذي طرأ على حالتنا الاجتماعية
الإسلامية، وأقول في أسف: إن كلاً منها يدعو إلى نزعته، ويستهوي النشء بزخرف القول ونحوه من وسائل التغرير، فسرت تلك الدعايات في الأمة سريان الأوبئة الجارفة، ولم يقم التعليم بالمدارس ولا بالمعاهد الدينية بما يدفع شرها، فبلغت الحالة إلى ما نراه اليوم بأعيننا، ونسمعه بآذاننا، والأسف يمزق أكبادنا.
يوجد هذا الشر في مقالات تنشر في الصحف، ومحاضرات تلقى في النوادي، ووسائل تصدر في أسفار منمقة، وشُبه لا تتورع عن أن تظهر على كراسي التعليم، ومحاورات في المجالس، وليس لهذه المعاول غرض إلا تقويض صرح الهداية، وصرف النفوس عن طريق إصلاحها.
يجري هذا بين بيوتنا ونحن في غفلة عنه، وإذا شعرنا، لم يكن لشعورنا به من أثر سوى التحدث به، وتبادل عبارات الأسف لكارثته.
وليست هذه الأمراض الفكرية أو الخلقية خاصة بشعب إسلامي دون بعض، بل أصابت الشعوب الإسلامية في الشرق والغرب، والشمال والجنوب.
تلكم علل التطور المحزن، وطالما قلَّبنا النظر لعلنا نظفر بعلاج يستأصلها، أو يقف بها -في الأقل- عند حد، فلا نرى إلا مساعي أفراد وجماعات صغيرة لا تزيد على خطب تلقى، أو مقالات تحرر، وكنا نود لو أن رجال الدولة يعنون بالنظر إلى مكافحة هذا الخطر نظراً عميقاً متواصلاً، نصحاً لله ولرسوله وللمؤمنين، وتحقيقاً للمادة من الدستور التي تنص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام.
ولا ننكر أن قسماً كبيراً من تبعة هذا التطور ملقى على أعناق علماء الدين، ولكنه تطور استغلظ، وضرب بعروقه في أرضنا، فلا يمكن اقتلاعه منها إلا
بعزيمة نافذة، وجهاد متواصل، ونفقات غير قليلة، وذلك ما لا يتم إلا تحت إشراف دولة مقتنعة بأن الإسلام حق، وأن كل سياسة لا تقوم على رعاية شريعته السمحة، والاستقاء من مواردها الصافية، سياسة لا تأتي بخير، ولا تستحق أن تقابل بالحمد.
ولا نريد من هذا بخسَ حق الجماعات والعظماء من رجال الإصلاح، وتثبيط عزائمهم عن معالجة هذه الأمراض الشائعة، بل نريد لفت أنظار رجال الدول الإسلامية؛ لعلهم يبسطون أيديهم إلى الإصلاح بحق، ونضع أمام دعاة الإصلاح غاية ليس إدراكها بمتعذر، ولكنها تستدعي مجهوداً كبيراً، ووقتا غير قصير، هي: أن يعملوا على أن تكون الثقافة الإسلامية الصحيحة هي السائدة في الأمة، وبهذا تكون الأمة بمن فيها من رجال الدولة سائرة في سياستها وسائر شؤونها الاجتماعية على ما يلائم هذه الثقافة التي هي مطلع كل عزة وسعادة.