الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
8 - فقه أعمال القلوب
قال الله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)} [الحج: 32].
وقال الله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)} [النور: 52].
الأوامر تنزل في كل لحظة من ذات الله تبارك وتعالى، والأعمال تصدر من ذات الإنسان، فإذا تطابقت الأوامر والأعمال، فلهذا الإنسان السعادة في الدنيا والآخرة، وإذا خالفت أعمال الإنسان أوامر الرب، شقي هذا الإنسان في الدنيا والآخرة.
والأعمال التي تصدر من الإنسان نوعان:
أعمال القلوب .. وأعمال الجوارح.
وأعمال القلوب من أصول الإيمان وقواعد الدين:
كالإيمان والتوحيد .. ومحبة الله ورسوله .. والتوكل على الله .. وإخلاص الدين له .. واليقين على ذاته وأسمائه وصفاته .. والخوف منه .. والرجاء له .. والخشية منه .. والخشوع له .. والتذلل والتضرع بين يديه .. والصبر على حكمه، والاستعانة به ونحو ذلك.
فهذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق، والناس فيها على ثلاث درجات كما هم في أعمال الأبدان على ثلاث درجات:
ظالم لنفسه .. ومقتصد .. وسابق بالخيرات.
فالظالم لنفسه: هو العاصي بترك مأمور، أو فعل محظور.
والمقتصد: المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات.
والسابق بالخيرات: المتقرب إلى ربه بما يقدر عليه من فعل واجب ومستحب، التارك للمحرم والمكروه، الذاكر لربه في كل حين.
وأعمال القلوب، وأعمال الجوارح، كلاهما مطلوب، لكن الأول أساسي للثاني، والثاني مظهره وعلامته، لكنه لا يقبل بدونه.
وإنما خص الله أعمال القلوب بالتحصيل دون أعمال الجوارح، لأن أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب، فلولا إرادة القلب لم تحصل أفعال الجوارح ولهذا قال سبحانه:{أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)} [العاديات: 9 - 11].
وجعل الله القلوب الأصل في المدح كما قال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)} [الأنفال: 2].
وجعلها الأصل في الذم كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283].
وأعظم المخلوقات، وأنزهها وأطهرها، وأنورها وأشرفها، وأعلاها ذاتًا وقدرًا، وأكرمها وأوسعها، عرش الرحمن جل جلاله، ولذلك صلح لاستوائه عليه.
وكل ما كان أقرب إلى العرش كان أنور وأنزه وأشرف مما بعد عنه، ولهذا كانت جنة الفردوس أعلى الجنان، وأشرفها وأنورها وأجلها، لقربها من عرش الرحمن إذ هو سقفها.
وكل ما بعد عنه كان أظلم وأضيق، ولهذا كان أسفل سافلين شر الأمكنة، وأضيقها وأبعدها من كل خير، وهي النار.
وقد خلق الله عز وجل القلوب، وجعلها محلاً لمعرفته ومحبته وإرادته، فهي عرش المثل الأعلى الذي هو معرفة الله ومحبته وإرادته كما قال سبحانه:{لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60)} [النحل: 60].
والقلب إن لم يكن أطهر الأشياء وأنزهها وأطيبها، لم يصلح لاستواء المثل الأعلى عليه معرفة ومحبة وإرادة، وإلا استوى عليه مثل الدنيا الأسفل ومحبتها
وإرادتها، حتى تعود القلوب على قلبين:
قلب هو عرش الرحمن: ففيه النور والحياة، والفرح والسرور، والبهجة وذخائر الخير.
وقلب هو عرش الشيطان: فهناك الضيق والظلمة، والموت والحزن، والهم والغم.
والنور الذي يدخل القلب إنما هو من آثار المثل الأعلى، فلذلك ينفسح وينشرح، وإذا لم تكن فيه معرفة الله ومحبته فحظه الظلمة والضيق.
والتوحيد والإيمان والإخلاص شجرة في القلب، فروعها الأعمال الصالحة، وثمرها طيب الحياة في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة.
والشرك والكذب والرياء شجرة في القلب فروعها الأعمال السيئة، وثمرها في الدنيا الخوف والهم والغم، وفي الآخرة عذاب الجحيم.
فشجرة الإيمان أصلها ثابت في قلب المؤمن علمًا واعتقادًا، وفرعها من الكلم الطيب، والعمل الصالح، والأخلاق المرضية، والآداب الحسنة، في السماء دائمًا، يصعد إلى الله منه من الأعمال والأقوال التي تخرجها شجرة الإيمان، ما ينتفع به المؤمن، وينفع غيره كما قال سبحانه:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)} [إبراهيم: 24، 25].
وأما شجرة الكفر فهي شجرة خبيثة المأكل والمطعم كشجرة الحنظل ونحوها، لا عروق تمسكها، ولا ثمرة صالحة تنتجها.
كذلك كلمة الكفر والمعاصي ليس لها ثبوت نافع في القلب، ولا تثمر إلا كل قول خبيث، وعمل خبيث، يضر صاحبه ولا ينفعه، ولا يصعد إلى الله منه عمل صالح كما قال سبحانه:{وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)} [إبراهيم: 26].
والقلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها.
والقلوب آنية الله في أرضه، وأحبها إليه ألينها وأرقها وأصفاها.
وإذا زهدت القلوب في موائد الدنيا، قعدت على موائد الآخرة، وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد الغالية.
ولا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا، وإذا أحب الله عبدًا اصطنعه لنفسه، واستخلصه لعبادته، فشغل همه به، ولسانه بذكره، وجوارحه بخدمته، وصرف قلبه عما سواه.
والقلب يعمل، والبدن يعمل، والقلب يمرض كما يمرض البدن، وشفاؤه بالتوبة والحمية .. والقلب يصدأ كما تصدأ المرآة، وجلاؤه بالذكر .. والقلب يعرى كما يعرى الجسم، وزينته بالتقوى ..
والقلب يجوع ويظمأ كما يجوع البدن ويظمأ، وطعامه وشرابه العلم بالله والمعرفة، والمحبة والتوكل، والإنابة والعبادة.
والوصول إلى المطلوب المحبوب موقوف على ثلاثة أمور:
هجر العوائد .. وقطع العلائق .. وإزالة العوائق.
فالعوائد: ما ألفه الناس واعتادوه من الرسوم والعادات التي جعلوها بمنزلة الشرع المتبع، بل هي عند بعضهم أعظم من الشرع، وهذه الرسوم قد استولت على طوائف من بني آدم من الملوك والولاة والفقهاء والعامة والخاصة.
ينكرون على من خالفها، وربما كفروه أو بدعوه، أو ضللوه أو قتلوه، واتخذها الناس سننًا، وهُجر لأجلها الكتاب والسنة.
وأما العلائق: فهي كل ما تعلق به القلب من دون الله من ملاذ الدنيا وشهواتها ورياساتها، وصحبة الناس، والتعلق بهم.
ولا سبيل إلى قطعها إلا بقوة التعلق بالمطلوب الأعلى، فإن النفس لا تترك مألوفها ومحبوبها إلا لمحبوب هو أحب إليها منه.
وأما العوائق: فهي أنواع المخالفات التي تعوق القلب عن سيره إلى الله وهي ثلاثة: الشرك، والبدعة، والمعصية.
والإيمان مبني على أصلين:
أحدهما: تصديق الخبر عن الله ورسوله، وبذل الجهد في رد الشبهات التي توحيها شياطين الجن والإنس في معارضته.
الثاني: طاعة أمر الله ورسوله، ومجاهدة النفس في دفع الشهوات التي تحول بين العبد وبين كمال الطاعة.
فالشبهات والشهوات أصل فساد العبد وشقائه في معاشه ومعاده.
كما أن الأصلين الأولين: تصديق الخبر، وطاعة الأمر، أصل فلاح العبد وسعادته في معاشه ومعاده.
وكل عبد له قوتان:
الأولى: قوة الإدراك والنظر، وما يتبعها من العلم والمعرفة والكلام.
الثانية: قوة الإرادة والحب، وما يتبعهما من النية والعزم والعمل.
فالشبهات تؤثر فسادًا في القوة العلمية النظرية ما لم يداوها بدفعها.
والشهوات تؤثر فسادًا في القوة الإرادية العملية ما لم يداوها بإخراجها.
ومن تمام حكمة الله تعالى أنه يبتلي هذه النفوس بالشقاء والتعب في تحصيل مراداتها وشهواتها، فلا تتفرغ للخوض في الباطل إلا قليلاً، ولو تفرغت هذه النفوس لكانت أئمة تدعو إلى النار.
وهذا حال من تفرغ منها كما هو مشاهد بالعيان، فإن داء الأولين والآخرين أمران:
اتباع الشهوات المانعة من متابعة الأمر .. والخوض بالشبهات المانعة من الانقياد للأمر.
وهذا شأن النفوس الباطلة التي لم تخلق لنعيم الآخرة، ولا تزال ساعية في نيل شهواتها، فإذا نالتها فإنما هي في خوض بالباطل الذي لا يجدي عليها إلا الضرر العاجل والآجل، فاحذر هؤلاء ومجالسهم: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ
الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)} [الأنعام: 68].
ومن رزقه الله قلبًا سليمًا، رأى الحق حقًا واتبعه، ورأى الباطل باطلاً واجتنبه.
فإذا رأى الناس متوكلين على تجارتهم، وصحة أبدانهم، توكل على الله:{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3].
وإذا رآهم يذلون أنفسهم في طلب الرزق اشتغل بما لربه عليه، لعلمه أن رزقه سيأتيه:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)} [هود: 6].
وإذا رآهم يتحاسدون في دنياهم ترك ذلك لهم، لعلمه أن نصيبه من الرزق سيصل إليه، ولن يأخذه غيره:{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)} [الزخرف: 32].
وإذا رأى الناس يطلبون العزة والمكانة عند المخلوق بالمال والجاه والمناصب، طلب المكانة عند ربه بالتقوى كما قال سبحانه:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)} [الحجرات: 13].
وإذا رأى الناس يركضون وراء شهواتهم، أجهد نفسه في دفع الهوى حتى تستقر على طاعة الله عز وجل:{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)} [النازعات: 40، 41].
وإذا رأى الخلق كل له محبوب، فإذا وصل إلى القبر فارقه محبوبه، جعل محبوبه حسناته التي لا تفارقه:{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)} [الكهف: 46].