المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الباب الخامسكتاب التوحيد

- ‌1 - فقه التوحيد

- ‌2 - خطر الجهل

- ‌3 - خطر الكفر

- ‌4 - خطر الشرك

- ‌5 - خطر النفاق

- ‌6 - فقه التوفيق والخذلان

- ‌7 - فقه حمل الأمانة

- ‌8 - حكمة إهباط آدم إلى الأرض

- ‌الباب السادسفقه القلوب

- ‌1 - خلق القلب

- ‌2 - منزلة القلب

- ‌3 - صلاح القلب

- ‌4 - حياة القلب

- ‌5 - فتوحات القلب

- ‌6 - أقسام القلوب

- ‌7 - غذاء القلوب

- ‌8 - فقه أعمال القلوب

- ‌9 - صفات القلب السليم

- ‌10 - فقه سكينة القلب

- ‌11 - فقه طمأنينة القلب

- ‌12 - فقه سرور القلب

- ‌13 - فقه خشوع القلب

- ‌14 - فقه حياء القلب

- ‌15 - أسباب مرض القلب والبدن

- ‌16 - مفسدات القلب

- ‌17 - مداخل الشيطان إلى القلب

- ‌18 - علامات مرض القلب وصحته

- ‌19 - فقه أمراض القلوب وعلاجها

- ‌20 - أدوية أمراض القلوب

- ‌1 - علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه

- ‌2 - علاج مرض القلب من وسوسة الشيطان

- ‌3 - شفاء القلوب والأبدان

- ‌البَابُ السَّابعفقه العلم والعمل

- ‌1 - أهل التكليف

- ‌2 - وظيفة العقل البشري

- ‌3 - فقه النية

- ‌4 - العلوم الممنوحة والممنوعة

- ‌5 - أقسام العلم

- ‌1 - العلم بالله وأسمائه وصفاته

- ‌2 - العلم بأوامر الله

- ‌6 - فقه القرآن الكريم

- ‌7 - فقه السنة النبوية

- ‌8 - قيمة العلم والعلماء

- ‌9 - فقه العلم والعمل

- ‌10 - فقه الإفتاء

- ‌الباب الثامنقوة الإيمان والأعمال الصالحة

- ‌1 - فقه قوة الإيمان والأعمال الصالحة

- ‌2 - قوة التوحيد

- ‌3 - قوة الإيمان

- ‌4 - قوة الإخلاص

- ‌5 - قوة العلم

- ‌6 - قوة طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

- ‌7 - قوة ذكر الله عز وجل

- ‌8 - قوة الدعاء

- ‌9 - قوة العبادات

- ‌10 - قوة الجهاد في سبيل الله

- ‌11 - قوة المعاملات

- ‌12 - قوة المعاشرات

- ‌13 - قوة الآداب

- ‌14 - قوة الأخلاق

- ‌15 - قوة القرآن الكريم

- ‌الباب التاسعفقه العبودية

- ‌1 - فقه حقيقة العبودية

- ‌2 - فقه الإرادة

- ‌3 - فقه الرغبة

- ‌4 - فقه الشوق

- ‌5 - فقه الهمة

- ‌6 - فقه الطريق إلى الله

- ‌7 - فقه السير إلى الله

- ‌8 - فقه المحبة

- ‌9 - فقه التعظيم

- ‌10 - فقه الإنابة

- ‌11 - فقه الاستقامة

- ‌12 - فقه الإخلاص

- ‌13 - فقه التوكل

- ‌14 - فقه الاستعانة

- ‌15 - فقه الذكر

- ‌16 - فقه التبتل

- ‌17 - فقه الصدق

- ‌18 - فقه التقوى

- ‌19 - فقه الغنى

- ‌20 - فقه الفقر

- ‌21 - فقه الصبر

- ‌22 - فقه الشكر

- ‌23 - فقه التواضع

- ‌24 - فقه الذل

- ‌25 - فقه الخوف

- ‌26 - فقه الرجاء

- ‌27 - فقه المراقبة

- ‌28 - فقه المحاسبة

- ‌29 - فقه المشاهدة

- ‌30 - فقه الرعاية

- ‌31 - فقه الذوق

- ‌32 - فقه الصفاء

- ‌33 - فقه السر

- ‌34 - فقه القبض

- ‌35 - فقه البسط

- ‌36 - فقه الحزن

- ‌37 - فقه الإشفاق

- ‌38 - فقه الخشية

- ‌39 - فقه الغيرة

- ‌40 - فقه الثقة بالله

- ‌41 - فقه التفويض

- ‌42 - فقه التسليم

- ‌43 - فقه الرضا

- ‌44 - فقه الزهد

- ‌45 - فقه الورع

الفصل: ‌29 - فقه المشاهدة

‌29 - فقه المشاهدة

قال الله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)} [ق: 37].

وقال الله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)} [لقمان: 10،11].

كلام الله تبارك وتعالى لا ينتفع به إلا من كان له قلب حي واع، وأصغى بسمعه كله نحو المتكلم، وأحضر قلبه وذهنه عند المكلِّم له وهو الشهيد، كالمبصر لا يدرك حقيقة المرئي إلا إذا كانت له قوة مبصرة، وحدق بها نحو المرئي، ولم يكن قلبه مشغولاً بغير ذلك.

والمشاهدة: قوة اليقين، ومزيد العلم، وارتفاع الحجب بين القلب وبين الرب.

فيرى العبد حقيقة أسماء الله وصفاته، وأفعاله وكماله، وجماله وجلاله، وأنه ليس كمثله شيء في كماله، وكثرة أوصافه ونعوته وأسمائه.

وكل من كان بصفات الله أعرف، ولها أثبت، كان أكمل شهوداً، وكل من كان بها أعرف، كان بالله أعلم، وله أعبد.

ولا سبيل للبشر إلى شهود الذات الإلهية في هذه الدنيا البتة، وإنما إليهم شهود المخلوقات والصفات والأفعال.

وأما ذات الرب جل جلاله فلا يراها أحد في الآخرة إلا المؤمنون كما قال سبحانه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} [القيامة: 22،23].

وأما الكفار فلا يرون الله في الآخرة كما قال سبحانه: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)} [المطففين: 15].

والمعاينة: هي الرؤية بالعين، ورؤية الله في هذه الدار ممتنعة.

ص: 2007

والمعاينة ثلاث درجات:

إحداها: معاينة الأبصار، وهي الرؤية بالعين، برؤية الشيء عياناً ومشاهدة بانطباع صورة المرئي في القوة الباصرة.

الثانية: معاينة عين القلب، وهي معرفة عين الشيء على نعته، وقد جعل سبحانه القلب يبصر ويعمي كما تبصر العين وتعمى كما قال سبحانه:

{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)} [الحج: 46].

الثالثة: معاينة عين الروح، وهي التي تعاين الحق عياناً محضاً برؤية الحق من الباطل، وقوة اليقين.

وأول شواهد السائر إلى الله والدار الآخرة أن يقوم بقلبه شاهد من الدنيا وحقارتها، وفنائها، وخسة شركائها، ويرى أهلها صرعى حولها، أضحكتهم قليلاً، وأبكتهم كثيراً، وعذبتهم بأنواع العذاب.

فإذا قام بالعبد هذا الشاهد منها ترحل عنها، وسافر في طلب الدار الآخرة.

فيرى الآخرة ودوامها فأهلها لا يرتحلون منها، ولا يظعنون عنها، فهي دار القرار، ثم يقوم بقلبه شاهد من النار وتوقدها واضطرامها، وبعد قعرها، وشدة حرها، وصراخ أهلها، فيشاهدهم وقد سيقوا إليها سود الوجوه، زرق العيون، والسلاسل والأغلال في أعناقهم.

ويراهم يسبحون في النار على وجوههم، يأكلون فيها الزقوم، ويشربون الحميم، ويفترشون النار، قطعت لهم ثياب من نار:{لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)}

[فاطر: 36].

فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد انخلع من الذنوب والمعاصي، واتباع الشهوات، ولبس ثياب الخوف والحذر، وهانت عليه كل مصيبة تصيبه في غير دينه وقلبه.

وبحسب قوة هذا الشاهد يكون بعده من المعاصي والمخالفات، وتذوب من قلبه تلك الفضلات والمواد المهلكة، فيجد القلب لذة العافية وسرورها.

ص: 2008

فيقوم بقلبه بعد ذلك شاهد من الجنة، وما أعد الله لأهلها فيها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فضلاً عما وصفه الله لعباده من النعيم المقيم، المشتمل على المطاعم والمشارب، والملابس والقصور، والبهجة والسرور.

فيقوم بقلبه شاهد دار قد جعل الله النعيم المقيم الدائم بحذافيره فيها، تربتها المسك، وحصباؤها الدر والياقوت، وبناؤها من الذهب والفضة، وشرابها أحلى من العسل، وأطيب من المسك، وأبرد من الثلج.

ويرى الحور العين التي غلب نورهن ضوء الشمس، والحور العين اللاتي كأمثال اللؤلؤ المكنون، وأمثال الياقوت والمرجان.

ويرى الولدان المخلدون الذين كاللؤلؤ المنثور، وهم يخدمون أولياء الله في الجنة، ويرى أهل الجنة يأكلون من ألوان الفواكه في الجنة، فاكهة لذيذة دائمة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش مرفوعة، يأكلون لحم طير مما يشتهون، ويشربون من عسل مصفى، وماء غير آسن، ولبن لم يتغير طعمه، وخمر لذة للشاربين، ويراهم على الأرائك متكئين، على سرر متقابلين، وفي جنة يحبرون، وفيها من كل ما يشتهون:{وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71)} [الزخرف: 71].

فإذا انضم إلى هذا الشاهد شاهد يوم المزيد، والنظر إلى وجه الرب جل جلاله، وسماع كلامه، والفوز برضوانه.

فإذا انضم هذا الشاهد على الشواهد التي قبله، فهناك يسير القلب إلى ربه أسرع من سير الرياح في مهابها، وفوق ذلك شاهد آخر تضمحل فيه هذه الشواهد، ويغيب به العبد عنها كلها، وهو شاهد جلال الرب وجماله وكماله، وعزه وسلطانه، وقيوميته وعلوه.

فإذا شاهده العبد شاهد بقلبه قيوماً قاهراً فوق عباده، مستوياً على عرشه، متفرداً بتدبير مملكته، آمراً ناهياً، يرسل الرسل، وينزل الكتب، ويرضي ويغضب،

ص: 2009

ويثيب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويحب ويبغض، ويحيي ويميت.

يعطي من سأل .. ويرحم المسترحمين .. ويغفر للمذنبين .. ويجيب الداعين.

أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء .. وأقوى من كل شيء .. وأعز من كل أحد .. وأحكم من كل أحد:{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)} [يس: 82].

فلو جمعت قوة الخلائق كلهم، ثم جمعت تلك القوى في واحد منهم، ثم كانوا كلهم على تلك القوة، ثم نسبت تلك القوى إلى قوة الجبار سبحانه لكانت أقل من قوة البعوضة بالنسبة لقوة الأسد.

ولو قدر جمال الخلق كلهم، وجعل في واحد منهم، ثم كانوا كلهم بذلك الجمال، ثم نسب إلى جمال الرب تعالى، لكان دون سراج ضعيف بالنسبة إلى عين الشمس.

ولو كان علم الأولين والآخرين على رجل منهم، ثم كان كل الخلق على تلك الصفة، ثم نسب إلى علم الرب تعالى، لكان ذلك بالنسبة إلى علم الرب كنقرة عصفور في البحر.

وهكذا سائر أسمائه وصفاته كسمعه وبصره، وسائر نعوت كماله، فإنه يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، فلا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل سبحانه.

سواء عنده السر والعلانية .. والغيب والشهادة .. يرى دبيب النملة السوداء .. على الصخرة الصماء .. في الليلة الظلماء.

يضع سبحانه السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، ويقبض سماواته بيده اليمنى، ويقبض الأرضين بيده الأخرى.

ولو أن الخلق كلهم من السماوات والأرض، والجبال والأشجار، والملائكة والروح، والإنس والجن، وسائر الخلق كلهم قاموا صفاً واحداً ما أحاطوا بالله جل جلاله، والله بكل شيء محيط، وكل نور في العالم من نوره.

ص: 2010

«حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» أخرجه مسلم (1).

فسبحان من بيده الملك، وهو على كل شيء قدير.

وسبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة.

فإذا قام بالعبد هذا الشاهد، اضمحلت فيه الشواهد المتقدمة من غير أن تعدم، بل تصير الغلبة والقهر لهذا الشاهد، وتندرج فيه الشواهد كلها.

ومن هذا شاهده وسلوكه فله سلوك وسير خاص، ليس لغيره ممن هو عن هذا في غفلة أو معرفة مجملة.

وصاحب هذا الشاهد سائر إلى الله في يقظته ومنامه، وحركته وسكونه، له شأن، وللناس شأن.

وكل ما يقوم بقلوب عابديه ومحبيه سبحانه هو من هذا الشاهد، وهو الباعث لهم على العبادة والمحبة، والخشية والإنابة، وتفاوتهم فيه لا يحصر.

وأعظم الناس حظاً في ذلك معترف بأنه لا يحصي ثناء عليه سبحانه، وأنه فوق ما يثني عليه المثنون، وفوق ما يحمده الحامدون:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)} [الزمر: 67].

وكل قلب متلوث بالخبائث والأخلاق الرديئة، والصفات الذميمة، متعلق بالمرادات السافلة، حرام عليه أن يقوم به هذا الشاهد.

ومَنْ منَّ الله عليه فلا تزال شواهد الصفات قائمة بقلبه.

إن قام بقلبه شاهد الربوبية والقيومية رأى أن الأمر كله لله، ليس لأحد معه من الأمر شيء:{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)} [فاطر: 2].

(1) أخرجه مسلم برقم (179).

ص: 2011

وقال سبحانه: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)} [يونس: 107].

وإن قام بقلبه شاهد من الإلهية رأى في ذلك الشاهد الأمر والنهي، والأنبياء والكتب، والشرائع، والمحبة والرضا، والثواب والعقاب.

ورأى الأمر نازلاً ممن هو مستو على عرشه، وأعمال العباد صاعدة إليه، ومعروضة عليه.

يجزي على الإحسان إحساناً، ويضاعف الأجور والحسنات، ويكسو وجوه أوليائه نضرة وسروراً، وكل ما لم يكن على وفق أمره وشرعه من الأقوال والأعمال يجعله هباءً منثوراً كما قال سبحانه:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)} [الفرقان: 23].

وإن قام بقلبه شاهد من الرحمة رأى الوجود كله قائماً بهذه الصفة، قد وسع من هي صفته كل شيء رحمة وعلماً، وبلغت رحمته إلى حيث بلغ علمه.

فاستوى جل جلاله على عرشه بأوسع صفاته وهي الرحمة، لتسع كل شيء كما وسع عرشه كل شيء كما قال سبحانه:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5].

وإن قام بقلبه شاهد العزة والكبرياء والعظمة والجبروت، فله شأن آخر، فيرى ربه مستوياً على عرشه، عزيزاً في ملكه لا يضام، له الكبرياء في السماوات والأرض، الذي تفرد بالعظمة والجبروت:{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23)} [الحشر: 23].

وهكذا يرى بقلبه شواهد جميع الأسماء الحسنى والصفات العلا، فيطمئن قلبه، ويزيد إيمانه، ويقوى يقينه، فيسهل عليه امتثال أوامر الله، ويقبل على طاعة مولاه.

وإن قام بقلبه شاهد الخلق والأمر في هذا الكون الكبير، رأى الخلاق العليم خالق كل شيء، وبيده ملك كل شيء، فالعرش شيء، والكرسي شيء، والجنة

ص: 2012

شيء، والنار شيء، والله خالق كل شيء، وبيده أمر كل شيء.

والسماوات شيء، والملائكة شيء، والشمس شيء، والقمر شيء، والنجوم شيء، والله خالق كل شيء، وهو رب كل شيء.

والسحب شيء، والهواء شيء، والرياح شيء، والعواصف شيء، والله خالق كل شيء.

والأرض شيء، والجبال شيء، والبحار شيء، والنبات شيء، والمعادن شيء، والله خالق كل شيء.

والإنس شيء، والجن شيء، والحيوانات شيء، والطيور شيء، والأسماك شيء، والذرات شيء، والأنفاس شيء، والله خالق كل شيء.

والحياة شيء، والموت شيء، والصحة شيء، والمرض شيء، والغنى شيء، والفقر شيء، والأمن شيء، والخوف شيء، والله خالق كل شيء.

والأبيض شيء، والأسود شيء، والماء شيء، والحجر شيء، والفرح شيء، والحزن شيء، والله خالق كل شيء.

والقائم على كل شيء، وعلى كل نفس، وعلى كل ذرة.

{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64)} [الزمر: 62 - 64].

لا يوجد شيء، ولا يحيا شيء، ولا يموت شيء، ولا يزيد شيء، ولا ينقص شيء، ولا يرتفع شيء، ولا ينخفض شيء إلا بأمره وإذنه، وتقديره وتدبيره سبحانه.

يرى كل شيء .. ويسمع كل شيء .. ويعلم كل شيء .. محيط بكل شيء .. رقيب على كل شيء .. قادر على كل شيء .. بصير بكل شيء .. لا يعزب عنه شيء .. ولا يخفى عليه شيء: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ

ص: 2013

وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)} [الأنعام: 102،103].

فسبحان العزيز الجبار .. العليم الخبير .. الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض .. ويعلم ما في البر والبحر.

يعلم مكاييل البحار .. وعدد ذرات الرمال .. وعدد ورق الأشجار .. وعدد الملائكة والإنس والجان .. وعدد الكلمات والأنفاس .. وعدد الأقوال والأفعال .. وعدد الحركات والسكنات {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)} [الطلاق: 12].

ألا ما أعظم قدرة الملك العزيز الجبار، وما أوسع ملكه، وما أعظم خلقه.

إن الإنسان الذي ينظر في ملكوت السماوات والأرض، وما فيهما من المخلوقات ليأخذه العجب من عظمتها وجمالها، وكمالها وكثرتها، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها ومدبرها؟

إننا لو نظرنا وتدبرنا في خلق واحد من أضعف المخلوقات وأصغرها، وقد ملأ الله به الكون كله، وهو عالم الذرات، الذي أعطى الله كل ذرة منه:

أمر الإيجاد .. وأمر البقاء .. وأمر النفع والضر .. وأمر الحركة والسكون .. وأمر الصعود والهبوط.

فكم عدد الذرات التي خلقها الله في العالم؟.

وكم عدد الأوامر التي تتعلق بتدبيرها؟

إن ذرات غرفة واحدة لا تساوي شيئاً بالنسبة لذرات القصر، وذرات القصر لا تساوي شيئاً بالنسبة لذرات المدينة، وذرات المدينة لا تساوي شيئاً بالنسبة لذرات الدولة، وذرات الدولة لا تساوي شيئاً بالنسبة لذرات القارة، وذرات القارة الواحدة لا تساوي شيئاً بالنسبة لذرات القارات السبع.

وذرات الأرض كلها لا تساوي شيئاً بالنسبة للذرات الموجودة في الجو بين السماء والأرض.

ص: 2014

وذرات الجو والأرض لا تساوي شيئاً بالنسبة لذرات السماوات السبع.

وذرات السماوات السبع والأرضين السبع لا تساوي شيئاً بالنسبة لذرات الجنة والنار.

وذرات العالم العلوي والعالم السفلي، وذرات الدنيا والآخرة لا تساوي شيئاً بالنسبة لذرات الكرسي.

وذرات الكرسي لا تساوي شيئاً بالنسبة لذرات العرش، فسبحان الله الذي خلق هذه الذرات، وأحصى أعدادها، وعلم مكانها، وكل هذه الذرات لا تساوي شيئاً بالنسبة لما في خزائن الله من الذرات:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)} [الحجر: 21].

وكل ذرة من هذه الذرات التي لا يحصيها إلا الذي خلقها لها أمر من الله بالإيجاد، وأمر بالبقاء، وأمر بالتحريك والتسكين، ولا يخفى على الله منها ذرة في الأرض ولا في السماء.

سبحانه: {عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)} [سبأ: 3].

ولا يند من هذه الذرات شيء، بل جميعها في ملك الله، وفي قبضة الله كما قال لقمان لابنه:{يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)} [لقمان: 16].

فهذا الكون كله ما نبصره وما لا نبصره، كله ملك رب العالمين.

أرأيت أعظم من هذا الملك، وأوسع من هذا العلم؟

{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)} [الأنعام: 59].

فهذه عظمة العزيز الجبار وقدرته في خلق واحد من مخلوقاته وهي الذرات التي أكثر الناس غافل عنها.

ص: 2015

فكيف بعظمة خلق الكائنات الأخرى كالعرش والكرسي .. والسماوات والأرض .. والجبال والبحار .. والشمس والقمر .. والكواكب والنجوم .. والجماد والنبات ..

والإنسان والحيوان؟ وكيف بعظمة الخلاق العليم الذي خلقها؟

{هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)} [لقمان: 11].

هو سبحانه الذي له الخلق كله، والأمر كله، ظاهره وباطنه، كبيره وصغيره، وأوله وآخره.

يحيي ويميت .. ويخلق ويرزق .. ويعطي ويمنع .. ويعز ويذل .. ويعافي ويسقم .. ويرفع ويضع .. بيده وحده النفع والضر .. والخلق والأمر .. والتصريف والتدبير .. والتحريك والتسكين .. والأمن والخوف .. واليسر والعسر .. والإكرام والإهانة.

وله ملك السماوات والأرض وما فيهن: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)} [المائدة: 120].

خلق سبحانه الدنيا والآخرة، والجنة والنار، والنعيم والعذاب، والثواب والعقاب، وخلق كل شيء فقدره تقديراً، فأين من يشاهد؟ وأين من يرى؟ وأين من يبصر؟ وأين من يعلم؟

فسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

ماذا بيد الله؟ وماذا بأيدينا؟

وماذا علمنا؟ وماذا جهلنا؟

وماذا قدمنا؟ وماذا أخرنا؟

{يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)} [الانفطار: 6 - 8].

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ

ص: 2016