المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الباب الخامسكتاب التوحيد

- ‌1 - فقه التوحيد

- ‌2 - خطر الجهل

- ‌3 - خطر الكفر

- ‌4 - خطر الشرك

- ‌5 - خطر النفاق

- ‌6 - فقه التوفيق والخذلان

- ‌7 - فقه حمل الأمانة

- ‌8 - حكمة إهباط آدم إلى الأرض

- ‌الباب السادسفقه القلوب

- ‌1 - خلق القلب

- ‌2 - منزلة القلب

- ‌3 - صلاح القلب

- ‌4 - حياة القلب

- ‌5 - فتوحات القلب

- ‌6 - أقسام القلوب

- ‌7 - غذاء القلوب

- ‌8 - فقه أعمال القلوب

- ‌9 - صفات القلب السليم

- ‌10 - فقه سكينة القلب

- ‌11 - فقه طمأنينة القلب

- ‌12 - فقه سرور القلب

- ‌13 - فقه خشوع القلب

- ‌14 - فقه حياء القلب

- ‌15 - أسباب مرض القلب والبدن

- ‌16 - مفسدات القلب

- ‌17 - مداخل الشيطان إلى القلب

- ‌18 - علامات مرض القلب وصحته

- ‌19 - فقه أمراض القلوب وعلاجها

- ‌20 - أدوية أمراض القلوب

- ‌1 - علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه

- ‌2 - علاج مرض القلب من وسوسة الشيطان

- ‌3 - شفاء القلوب والأبدان

- ‌البَابُ السَّابعفقه العلم والعمل

- ‌1 - أهل التكليف

- ‌2 - وظيفة العقل البشري

- ‌3 - فقه النية

- ‌4 - العلوم الممنوحة والممنوعة

- ‌5 - أقسام العلم

- ‌1 - العلم بالله وأسمائه وصفاته

- ‌2 - العلم بأوامر الله

- ‌6 - فقه القرآن الكريم

- ‌7 - فقه السنة النبوية

- ‌8 - قيمة العلم والعلماء

- ‌9 - فقه العلم والعمل

- ‌10 - فقه الإفتاء

- ‌الباب الثامنقوة الإيمان والأعمال الصالحة

- ‌1 - فقه قوة الإيمان والأعمال الصالحة

- ‌2 - قوة التوحيد

- ‌3 - قوة الإيمان

- ‌4 - قوة الإخلاص

- ‌5 - قوة العلم

- ‌6 - قوة طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

- ‌7 - قوة ذكر الله عز وجل

- ‌8 - قوة الدعاء

- ‌9 - قوة العبادات

- ‌10 - قوة الجهاد في سبيل الله

- ‌11 - قوة المعاملات

- ‌12 - قوة المعاشرات

- ‌13 - قوة الآداب

- ‌14 - قوة الأخلاق

- ‌15 - قوة القرآن الكريم

- ‌الباب التاسعفقه العبودية

- ‌1 - فقه حقيقة العبودية

- ‌2 - فقه الإرادة

- ‌3 - فقه الرغبة

- ‌4 - فقه الشوق

- ‌5 - فقه الهمة

- ‌6 - فقه الطريق إلى الله

- ‌7 - فقه السير إلى الله

- ‌8 - فقه المحبة

- ‌9 - فقه التعظيم

- ‌10 - فقه الإنابة

- ‌11 - فقه الاستقامة

- ‌12 - فقه الإخلاص

- ‌13 - فقه التوكل

- ‌14 - فقه الاستعانة

- ‌15 - فقه الذكر

- ‌16 - فقه التبتل

- ‌17 - فقه الصدق

- ‌18 - فقه التقوى

- ‌19 - فقه الغنى

- ‌20 - فقه الفقر

- ‌21 - فقه الصبر

- ‌22 - فقه الشكر

- ‌23 - فقه التواضع

- ‌24 - فقه الذل

- ‌25 - فقه الخوف

- ‌26 - فقه الرجاء

- ‌27 - فقه المراقبة

- ‌28 - فقه المحاسبة

- ‌29 - فقه المشاهدة

- ‌30 - فقه الرعاية

- ‌31 - فقه الذوق

- ‌32 - فقه الصفاء

- ‌33 - فقه السر

- ‌34 - فقه القبض

- ‌35 - فقه البسط

- ‌36 - فقه الحزن

- ‌37 - فقه الإشفاق

- ‌38 - فقه الخشية

- ‌39 - فقه الغيرة

- ‌40 - فقه الثقة بالله

- ‌41 - فقه التفويض

- ‌42 - فقه التسليم

- ‌43 - فقه الرضا

- ‌44 - فقه الزهد

- ‌45 - فقه الورع

الفصل: ‌21 - فقه الصبر

‌21 - فقه الصبر

قال الله تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [العصر: 1 - 3].

وقال الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)} [البقرة: 155 - 157].

وقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)} [آل عمران: 200].

الإيمان نصفان، نصف صبر، ونصف شكر، ومدار سعادة الدنيا والآخرة عليهما.

فلله على كل عبد عبودية في حال العافية، وعبودية في حال البلاء، فعليه أن يحسن صحبة العافية بالشكر، وصحبة البلاء بالصبر.

وساحة العافية أوسع للصبر من ساحة البلاء، لكن بعد نزول البلاء فليس للعبد أوسع من الصبر، وأما قبله فالعافية أوسع له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ وَمَا أعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» متفق عليه (1).

والصبر: هو حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن ما لا يحمد.

وحقيقة الصبر:

هو خلق فاضل من أخلاق النفس، يمتنع به الإنسان من فعل ما لا يحسن فعله، والوقوف مع البلاء بحسن الأدب، والثبات على أحكام الكتاب والسنة.

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (1469)، واللفظ له، ومسلم برقم (1053).

ص: 1926

وحدُّ الصبر: أن لا يعترض على التقدير، فأما إظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر.

والشكوى نوعان:

أحدهما: الشكوى إلى الله، فهذا لا ينافي الصبر كما قال يعقوب صلى الله عليه وسلم:{إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86].

الثاني: شكوى المبتلى بلسان الحال أو المقال، فهذه لا تجامع الصبر؛ بل تضاده وتبطله، وفرق كبير بين شكوى الرب، والشكوى إليه.

والصبر والجزع ضدان كما قال سبحانه عن أهل النار: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21)} [إبراهيم: 21].

والنفس مطية العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار، والصبر لها بمنزلة الخطام، والزمام للمطية، فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت في كل مذهب، ففسدت وأفسدت.

وقد خلق الله عز وجل في كل نفس قوتين:

قوة الإقدام .. وقوة الإحجام.

فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكاً عما يضره.

فرحم الله عبداً جعل لنفسه خطاماً وزماماً، فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وصرفها بزمامها عن معاصي الله.

فالصبر عن محارم الله، وعلى طاعة الله، وعلى أقدار الله، أيسر من الصبر على عذاب الله وعقابه.

والصبر نوعان:

صبر محمود .. وصبر مذموم.

فالمذموم كالصبر على التعب والألم والشدائد للوصول إلى ما حرم الله من الفواحش، والكبائر، وسائر المحرمات.

ص: 1927

والمحمود كالصبر على أنواع الطاعات، والصبر عن ما نهى الله عنه من الأقوال والأعمال، والصبر على أقدار الله.

وهذا النوع متعلقاته كثيرة، وله ارتباط بمقامات الدين من أولها إلى آخرها، وله مراتب وأسماء بحسب متعلقه:

فإن كان صبراً عن شهوة الفرج المحرمة سمي عفة، وضدها الفجور والزنى والعهر.

وإن كان صبراً عن شهوة البطن، أو تناول ما لا يجمل منه سمي عفة، وإن كان عن فضول العيش سمي زهداً، وإن كان على قدر من العيش يكفيه سمي قناعة، وإن كان صبراً عن إجابة داعي الغضب سمي حلماً.

وإن كان صبراً عن إجابة داعي العجلة سمي وقاراً.

وإن كان صبراً عن إجابة داعي الفرار والهروب سمي شجاعة.

وإن كان صبراً عن إجابة داعي الانتقام سمي عفواً وصفحاً.

وإن كان صبراً عن إجابة داعي الإمساك والبخل سمي جوداً.

فللصبر عند كل فعل وترك اسم يخصه بحسب متعلقه، والاسم الجامع لذلك كله الصبر.

والصبر والتصبر والاصطبار أسماء تختلف معانيها بحسب حال العبد مع نفسه ومع غيره.

فإن حبس نفسه ومنعها من إجابة داعي ما لا يحسن إن كان خلقاً له وملكة سمي صبراً، وإن كان بتكلف وتجرع لمرارته سمي تصبراً، وإذا تكلفه العبد صار سجية له، ومن يتصبر يصبره الله.

وأما المصابرة فهي مقاومة الخصم في ميدان الصبر.

فالصبر حال الصابر في نفسه .. والمصابرة حاله في الصبر مع خصمه كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)} [آل عمران: 200].

ص: 1928

وأما الاصطبار فهو أبلغ من التصبر، فالتصبر مبدأ الاصطبار، كما أن التكسب مقدمة الاكتساب، فلا يزال التصبر يتكرر حتى يصير اصطباراً.

وينقسم الصبر باعتبار محله إلى قسمين:

بدني .. ونفسي .. وكل منهما نوعان: اختياري واضطراري.

فهذه أربعة أقسام:

فالصبر البدني: إما اختياري كتعاطي الأعمال الشاقة على البدن اختياراً كحمل الأشياء الثقيلة ونحوها.

وإما اضطراري كالصبر على ألم الضرب والمرض، والجراحات، والحر والبرد ونحو ذلك.

أما الصبر النفسي فهو إما اختياري كصبر النفس عما لا يحسن فعله شرعاً ولا عقلاً كالفواحش والرذائل ونحوها.

وإما اضطراري كصبر النفس عن محبوبها قهراً إذا حيل بينها وبينه.

وهذه الأقسام مختصة بنوع الإنسان دون الملائكة والبهائم .. أما الملائكة فلكمالها، وأما البهائم فلنقصانها، فإنها تشارك الإنسان في نوعين منها، وهما صبر البدن والنفس الاضطراريين، ويمتاز الإنسان عنها بالنوعين الاختياريين.

أما الجن فهم مكلفون بالصبر على الأوامر، والصبر عن النواهي كما كلفنا نحن بذلك.

لكن ما كان من لوازم النفس كالحب والبغض، والإيمان والكفر، والموالاة والمعاداة، فنحن وهم مستوون فيه.

وما كان من لوازم البدن كغسل الجنابة، وغسل الأعضاء في الوضوء، والاستنجاء وغسل الحيض، ونحو ذلك، فلا تجب مساواتهم لنا في تكلفه، وإن تعلق بهم ذلك على وجه يناسب خلقتهم وحياتهم.

وأما الملائكة فلم يبتلوا بهوى يحارب عقولهم، ولا بشهوة تزاحم عبادتهم، بل العبادة والطاعة لهم كالنفس لنا.

ص: 1929

فلا يتصور في حقهم الصبر الذي حقيقته ثبات باعث الدين والعقل في مقابلة باعث الشهوة والهوى، وإن كان لهم صبر يليق بهم، وهو ثباتهم وإقامتهم على ما خلقوا له من غير منازعة هوى أو شهوة أو طبع.

والمخلوقات ثلاثة أقسام:

فقد خلق الله الملائكة عقولاً بلا شهوات .. وخلق البهائم شهوات بلا عقول .. وخلق الإنسان وجعل له عقلاً وشهوة.

والإنسان إذا غلب باعث الهوى والشهوة صبره التحق بالبهائم.

وقد خلق الله عز وجل الإنسان في ابتداء أمره ناقصاً، لم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه، ثم تظهر فيه شهوة اللعب، ثم شهوة النكاح، ثم بعد ذلك يستعد لقوة الصبر.

وعند أول سن التمييز يلوح عليه إشراق نور الهداية، وينمو ذلك على التدريج إلى سن البلوغ، كما يبدو خيط الفجر ثم يتزايد ظهوره.

وكل هداية قاصرة غير مستقلة بإدراك مصالح الآخرة ومضارها، بل غايتها تعلقها ببعض مصالح الدنيا ومفاسدها.

فإذا طلعت عليه شمس النبوة والرسالة، وأشرق عليه نورها، رأى في ضوئها تفاصيل مصالح الدارين ومفاسدهما، فتلمح العواقب، ولبس لامة الحرب، وبدأت في قلبه الحرب بين داعي الطبع والهوى، وداعي العقل والهدى.

والمنصور من نصره الله .. والمخذول من خذله الله .. ولا تضع الحرب أوزارها حتى ينزل في إحدى المنزلتين، ويصير إلى ما خلق له في إحدى الدارين.

وباعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال:

الأول: أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين على داعي الهوى، وهذا إنما يصل إليه بدوام الصبر، وأهل هذه الرتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة، وهم الذين نالوا معية الله مع الصابرين، وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده، وخصهم الله بهدايته دون غيرهم.

ص: 1930

الثانية: أن تكون القوة والغلبة لداعي الهوى على داعي الهدى، فيستسلم اليائس للشيطان وجنده، فيقودونه حيث شاؤوا، فإما أن يصير من جندهم وأتباعهم، وهذه حال العاجز الضعيف، وإما أن يصير الشيطان من جنده، وهذه حال الفاجر القوي المتسلط، والمبتدع الداعي المتبوع، وهؤلاء هم الذين غلبت عليهم شقوتهم، واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، فلهم النار يوم القيامة:{تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108)} [المؤمنون: 104 - 108].

وإنما صاروا إلى هذه الحال لما أفلسوا من الصبر والإيمان والتقوى.

وأصحاب هذه الحال أنواع شتى:

فمنهم المحارب لله ورسوله، الساعي في إبطال ما جاء عن الله ورسوله، يصد عن سبيل الله ويبغيها عوجاً.

ومنهم المعرض عن ما جاء به الرسول، المقبل على دنياه وشهواتها فقط.

ومنهم المنافق ذو الوجهين، الذي يأكل بالكفر والإسلام.

ومنهم الماجن المتلاعب، الذي قطع أنفاسه بالمجون واللهو واللعب.

ومنهم من يقول ليس الله محتاجاً إلى صلاتي وصيامي وعبادتي، وأنا لا أنجو بعملي، والله غفور رحيم.

ومنهم من يقول ترك المعاصي استهانة بعفو الله ومغفرته.

ومنهم من يقول ماذا تقع طاعتي في جنب ما قد عملت من الكبائر.

ومنهم من يرعى في وادي المعاصي، ويقول سوف أتوب.

إلى غير ذلك من أصناف الجاهلين المفترين، الذين صارت عقولهم في أيدي شهواتهم، فعقله مع الشيطان كالأسير في يد الكافر، يستعمله في رعي الخنازير، وعصر الخمر.

ص: 1931

وهو بقهره عقله وتسليمه إلى أعدائه بمنزلة رجل قهر مسلماً، وباعه للكفار وسلمه إليهم، وجعله أسيراً عندهم.

فإنه لما أذل سلطان الله الذي أعزه به ورفع به قدره، وسلمه في يد أبغض أعدائه إليه وجعله أسيراً له، سلط الله عليه من كان حقه هو أن يتسلط عليه، فجعله تحت قهره وسلطانه، يسخره حيث شاء ويسخر منه، فصار بمنزلة من سلم نفسه إلى أعدى عدو له يسومه سوء العذاب، فلما ترك مقاومته واستسلم له سلط عليه عقوبة له كما قال سبحانه عن الشيطان:{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)} [النحل: 99، 100].

والله عز وجل لم يجعل له سلطاناً على العباد، وإنما هم سلطوه على أنفسهم بطاعته، ودخولهم في جنده وحزبه، فصار سلطانه عليهم، بأن تمكن منهم وتلاعب بهم، مع ضعفه وكونه لا يملك سلطان الحجة، وإنما دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان.

الحالة الثالثة: أن تكون الحرب سجالاً ودولاً بين الجندين، فتارة له .. وتارة عليه.

وهذه حال أكثر المؤمنين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، عسى الله أن يتوب عليهم.

وهذه الأحوال الثلاث هي أحوال الناس في الصحة والمرض، فمن الناس من تقهر قوته داءه، فيكون السلطان للقوة.

ومنهم من يقهر داؤه قوته، فيكون السلطان للداء.

ومنهم الحرب بين دائه وقوته سجالاً، فهو متردد بين الصحة والمرض.

وتكون الأحوال يوم القيامة موازنة لهذه الأحوال الثلاث سواء بسواء.

فمن الناس من يدخل الجنة، ولا يدخل النار.

ومنهم من يدخل النار، ولا يدخل الجنة.

ص: 1932

ومنهم من يدخل النار، فإذا تطهر من الذنوب دخل الجنة.

والصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام:

أحدها: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها.

الثاني: صبر عن المنهيات والمخالفات حتى لا يقع فيها.

الثالث: صبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها.

وهذا كله متعلق بطرفين:

طرف من جهة الرب سبحانه .. وطرف من جهة العبد.

فأما الذي من جهة الرب، فالله تعالى له على عبده حكمان:

حكم كوني قدري .. وحكم شرعي ديني.

فالكوني متعلق بخلقه، والشرعي متعلق بأمره، وهو سبحانه له الخلق والأمر.

وحكم الله الديني الشرعي الطلبي نوعان:

فالمطلوب إن كان محبوباً لله سبحانه فالمطلوب فعله سواء كان واجباً أو مستحباً، ولا يتم ذلك إلا بالصبر.

وإن كان المطلوب مبغوضاً له فالمطلوب تركه سواء كان محرماً أو مكروهاً، وذلك كذلك لا يتم إلا بالصبر.

فهذا حكم الله الديني الشرعي، فمرجع الدين كله إلى هذه الثلاث:

فعل المأمور .. وترك المحظور .. والصبر على المقدور.

وأما الذي من جهة العبد، فإنه لا ينفك عن هذه الثلاث ما دام مكلفاً، ولا تسقط عنه هذه الثلاث حتى يسقط عنه التكليف، فكما لا تستوي السنبلة إلا على ساقها، فكذلك عبودية الأمر والنهي والقدر لا تقوم ولا تستوي إلا على ساق الصبر.

وأكمل أنواع الصبر الصبر المتعلق بالتكليف، وهو الأمر والنهي، فهو أفضل من الصبر على مجرد القدر.

فإن هذا الصبر يأتي به البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فلا بدَّ لكل أحد من

ص: 1933

الصبر على القدر اختياراً أو اضطراراً.

وأما الصبر على الأوامر والنواهي فصبر الرسل وأتباعهم، وأعظمهم اتباعاً أصبرهم في ذلك.

وكل صبر في محله وموضعه أفضل.

فالصبر عن الحرام في موضعه أفضل .. والصبر على الطاعة في محلها أفضل .. والطاعات ترفع الدرجات .. والمصائب تحط السيئات.

والصبر قسمان:

قسم مذموم .. وقسم محمود.

فالمذموم: الصبر عن الله وعن إرادته ومحبته وسير القلب إليه، وهذا يتضمن تعطيل كمال العبد بالكلية، وهذا كما أنه أقبح الصبر فهو أعظمه وأبلغه، فإنه لا صبر أبلغ من صبر من يصبر عن محبوبه الذي لا حياة له بدونه البتة.

فالصبر عن الله جفاء، ولا جفاء أعظم ممن صبر عن معبوده وإلهه ومولاه الذي لا مولى له سواه.

وأما الصبر المحمود فنوعان:

صبر بالله .. وصبر لله.

فالأول: كقوله سبحانه: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل: 127].

والثاني: كقوله سبحانه: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48].

فيصبر مستعيناً بالله من أجل مرضاة الله.

وكل إنسان لا بدَّ أن يصبر على بعض ما يكره إما اختياراً وإما اضطراراً.

فالكريم يصبر اختياراً لعلمه بحسن عاقبة الصبر، وأنه يحمد عليه، ويذم على الجزع، وأن المقدر لا حيلة في دفعه، وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله.

فإذا كان آخر الأمر الصبر، فما أحسن أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره.

وأما اللئيم فإنه يصبر اضطراراً، فالكريم يصبر في طاعة الرحمن، واللئيم يصبر

ص: 1934

في طاعة الشيطان.

فاللئام أصبر الناس في طاعة أهوائهم وتحصيل شهواتهم، وأقل الناس صبراً في طاعة ربهم.

فيصبر اللئيم على البذل في معصية الرحمن وطاعة الشيطان أتم صبر، ولا يصبر على البذل في طاعة الله في أيسر شيء.

ويصبر على تحمل المشاق في مرضاة الشيطان، ولا يصبر على أدنى المشاق في مرضاة الله.

والإنسان لا يستغني عن الصبر في حال من الأحوال.

فإنه بين أمر يجب عليه امتثاله .. ونهي يجب عليه اجتنابه .. وقدر يجري عليه .. ونعم يجب شكر المنعم عليها .. وإذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه فالصبر لازم له إلى الممات.

وكل ما يلقاه العبد في هذه الدار لا يخلو من أمرين:

أحدهما: يوافق هواه ومراده .. والآخر يخالف هواه ومراده.

وهو محتاج إلى الصبر في كل منهما.

أما النوع الموافق لغرضه كالصحة والسلامة والجاه والمال، وأنواع الملاذ المباحة، وهو أحوج شيء إلى الصبر فيها، حتى لا يركن إليها ولا يغتر بها، ولا تحمله على البطر والأشر، والفرح المذموم، الذي لا يحب الله أهله.

وحتى لا ينهمك في نيلها، ويبالغ في استقصائها، فإنها تنقلب إلى أضدادها، فمن بالغ في الأكل والشرب والجماع انقلب ذلك إلى ضده، فاعتل وحرم الأكل والشرب والجماع.

وعليه أن يصبر على أداء حق الله فيها، ولا يضيعه فيسلبها، وأن يصبر عن صرفها في الحرام، فلا يمكِّن نفسه من كل ما تريده منها، فإنها توقعه في الحرام ولا بدّ.

والبلاء يصبر عليه المؤمن والكافر، ولا يصبر على العافية إلا الصديقون، وإنما كان الصبر على السراء شديداً؛ لأنه مقرون بالقدرة.

ص: 1935

ولذا حذر الله عباده من فتنة المال والأزواج والأولاد بقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9)} [المنافقون: 9].

وقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)} [التغابن: 14].

وليس المراد بالعداوة هنا عداوة البغضاء والمحادة، بل إنما هي عداوة المحبة الصادة للآباء عن الهجرة والجهاد، وتعلم العلم، والصدقة، وغير ذلك من أمور الدين، وأعمال البر المختلفة.

وأما النوع الثاني المخالف للهوى فلا يخلو:

إما أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصي .. أو لا يرتبط أوله باختياره كالمصائب، أو يرتبط أوله باختياره، ولكن لا اختيار له في إزالته بعد الدخول فيه.

فأما ما يرتبط باختياره وهو جميع أفعاله:

فأما الطاعة فالعبد محتاج إلى الصبر عليها؛ لأن النفس بطبعها تنفر عن كثير من العبودية؛ لما في طبعها من الكسل وإيثار الراحة، والميل إلى الشهوات، ومخالطة أهل الغفلة والشح والبخل.

فلا يكاد العبد يفعلها مع هذه الأمور، وإن فعلها مع ذلك كان متكلفاً، فيحتاج العبد هاهنا إلى الصبر على الطاعات قبل الشروع فيها بتصحيح النية والإخلاص، وتجنب دواعي الرياء والسمعة، وعقد العزم على إعطاء العبادة حقها.

ويصبر بعد الشروع فيها عن دواعي التقصير والتفريط فيها، وعلى حضور القلب بين يدي المعبود، وأن لا ينساه في أمره.

فليس الشأن في فعل المأمور فقط، بل الشأن كل الشأن أن لا ينسى الآمر حال الإتيان بأمره، بل يكون مستصحباً لذكره في أمره.

ص: 1936

فلا يعطله حضوره مع الله بقلبه عن قيام جوارحه بعبوديته، ولا يعطله قيام الجوارح بالعبودية .. عن حضور قلبه بين يديه سبحانه.

وأما الصبر بعد الفراغ من العمل، فأن يصبر عن الإتيان بما يبطل أعماله كما قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)} [البقرة: 264].

وكذلك يصبر عن رؤية الطاعة والعجب بها، والتكبر والتعظم بها، فهذا أضر عليه من كثير من المعاصي الظاهرة.

ويصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية.

فلا يظن العبد أن بساط الصبر يطوى بعد الفراغ من العمل.

وأما الصبر عن المعاصي الظاهرة والباطنة فأمره ظاهر، وأعظم ما يعين عليه قطع المألوفات .. ومفارقة الأعوان عليها .. وقطع العوائد.

فإذا انضافت الشهوات إلى العادات تظاهر جندان من جند الشيطان، فلا يقوى باعث الدين على قهرهما مع ضعفه.

القسم الثاني: ما لا يدخل تحت اختيار العبد، وليس للعبد حيلة في دفعه كالمصائب التي لا صنع للعبد فيها كموت من يعز عليه، وسرقة ماله ونحو ذلك وهو نوعان:

ما لا صنع للآدمي فيه .. وما أصابه من جهة الآدمي.

فالأول للعبد فيه أربع مقامات:

أحدها: مقام العجز والجزع، والشكوى والتسخط، وهذا ما لا يفعله إلا أقل الناس عقلاً وديناً ومروءة.

الثاني: مقام الصبر.

الثالث: مقام الرضا به، وهو أعلى من مقام الصبر.

ص: 1937

الرابع: مقام الشكر، وهو أعلى من مقام الرضا، فإنه يشهد البلية نعمة، فيشكر المبتلى عليها.

وأما النوع الثاني، وهو ما أصابه من قبل الناس فله فيه ما سبق، ويضاف إليها أربعة أخر:

أحدها: مقام العفو والصفح.

الثاني: مقام سلامة القلب من إرادة التشفي والانتقام، وفراغه من ألم مطالعة الجناية في كل وقت.

الثالث: شهود القدر، وأنه وإن كان ظالماً بإيصال هذا الأذى إليك، فالذي قدره عليك وأجراه على يد هذا الظالم ليس بظالم.

وأذى الناس مثل الحر والبرد لا حيلة في دفعه، فالكل جار بقدر الله وإن اختلفت طرقه وأسبابه.

الرابع: مقام الإحسان إلى المسيء، ومقابلة إساءته بإحسانك، وفي هذا المقام من الفوائد والمصالح ما لا يعلمه إلا الله.

القسم الثالث: ما يكون وروده باختياره، فإذا تمكن منه لم يكن له اختيار ولا حيلة في دفعه كالتعرض لأسباب الأمراض والآلام التي لا حيلة في دفعها بعد مباشرة أسبابها كشرب المسكرات، وتناول المخدرات، وأكل السموم ونحو ذلك.

فهذا كان فرضه الصبر عنه في أوله، فلما فاته بقي فرضه الصبر عليه في آخره، وأن لا يطيع داعي نفسه وهواه.

والدواء النافع لهذا الداء وغيره الصبر والتقوى كما قال سبحانه: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)} [آل عمران: 186].

فإذا صبر لله تعالى، وندم على ما تعاطاه من السبب المحظور، أثيب على صبره؛ لأنه جهاد منه لنفسه، وهو عمل صالح يؤجر عليه.

وأما عقوبته على ما تولد منه فإنه يستحق العقوبة على السبب وما تولد منه كما

ص: 1938

يعاقب السكران على سكره، وعلى ما جناه في حال سكره.

والله تبارك وتعالى يعاقب على الأسباب المحرمة، وعلى ما تولد منها، كما يثيب على الأسباب المأمور بها، وعلى ما تولد منها كما قال سبحانه:{لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25)} [النحل: 25].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» أخرجه مسلم (1).

ومشقة الصبر تكون بحسب قوة الداعي إلى الفعل، وسهولته على العبد، فإذا اجتمع في الفعل هذان الأمران كان الصبر عنه أشق شيء على الصابر.

وإن فقدا معاً سهل الصبر عنه، وإن وجد أحدهما دون الآخر سهل الصبر من وجه، وصعب من وجه.

فمن لا داعي له مثلاً إلى القتل والسرقة والزنى، ولا هو سهل عليه، فصبره عنه من أيسر شيء وأسهله عليه، ومن اشتد داعيه إلى ذلك وسهل عليه، فصبره عنه أشق شيء عليه.

ولهذا كان صبر السلطان عن الظلم .. وصبر الشاب عن الفاحشة .. وصبر الغني عن اللذات والشهوات عند الله بمكان.

ولذلك استحق السبعة أن يظلهم الله في ظل عرشه لكمال صبرهم ومشقته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقال: إِنِّي أخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ،

(1) أخرجه مسلم برقم (2674).

ص: 1939

وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» متفق عليه (1).

ولهذا كانت عقوبة الشيخ الزاني، والملك الكذاب، والفقير المختال أشد العقوبة؛ لسهولة الصبر عن هذه الأشياء المحرمة عليهم، لضعف دواعيها في حقهم، فتركهم الصبر عنها مع سهولته عليهم دليل على تمردهم على الله، وشدة عتوهم عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ (قال أبُو مُعَاوِيَةَ: وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ) وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» أخرجه مسلم (2).

ولهذا كان الصبر عن معاصي اللسان والفرج من أصعب أنواع الصبر، لشدة الداعي إليهما وسهولتهما.

فإن معاصي اللسان فاكهة الإنسان كالغيبة والنميمة، والكذب والمراء، والثناء على النفس، والطعن على من يبغضه، والثناء على من يحبه ونحو ذلك.

فتتفق قوة الداعي، وتيسر حركة اللسان، فيضعف الصبر.

ولهذا تجد الرجل يقوم الليل، ويصوم النهار، ومع ذلك يطلق لسانه في الغيبة والنميمة، ويتفكه في أعراض الخلق.

وكثير من نجده يتورع عن الدقائق من الحرام، ولا يبالي بارتكاب الفرج الحرام لقوة الداعي إليهما وسهولتهما.

ولهذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: «الْفَمُ وَالْفَرْجُ» أخرجه الترمذي وابن ماجه (3).

وقد أمر الله عز وجل بالصبر وعلق الفلاح به فقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)} [آل عمران: 200].

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (1423)، واللفظ له، ومسلم برقم (1031).

(2)

أخرجه مسلم برقم (107).

(3)

حسن: أخرجه الترمذي برقم (2004)، وهذا لفظه، صحيح سنن الترمذي رقم (1630).

وأخرجه ابن ماجه برقم (4246)، صحيح سنن ابن ماجه رقم (3424).

ص: 1940

وأخبر سبحانه أن الإمامة في الدين تنال بالصبر واليقين كما قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)} [السجدة: 24].

وبين سبحانه مضاعفة أجر الصابر على غيره بقوله: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)} [الزمر: 10].

ووعد الله الصابرين بثلاث خصال كل واحدة خير من الدنيا وما فيها فقال سبحانه: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)} [البقرة: 155 - 157].

وبين سبحانه أن المغفرة والأجر الكبير إنما تحصل بالصبر والعمل الصالح فأخبر سبحانه أن كل أحد خاسر: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)} [هود: 11].

وجعل سبحانه الصبر سبب محبته ومعيته، ونصره وعونه، وحسن جزائه، وكفى بذلك شرفاً وفضلاً.

فقال سبحانه: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)} [آل عمران: 146].

وقال سبحانه: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)} [الأنفال: 46].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» متفق عليه (1).

والأمور المنافية للصبر:

الشكوى إلى المخلوق، فإذا شكى العبد ربه إلى مخلوق مثله فقد شكى من يرحمه إلى من لا يرحمه.

أما الشكوى إلى الله فهي محمودة مشروعة كما قال أيوب صلى الله عليه وسلم: {وَأَيُّوبَ إِذْ

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (5641)، واللفظ له، ومسلم برقم (2573).

ص: 1941

نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)} [الأنبياء: 83].

وأما إخبار المخلوق بالحال فإن كان للاستعانة به فيما يقدر عليه، والتوصل إلى زوال ضرره، لم يقدح ذلك في الصبر، كإخبار المريض للطبيب بما يؤلمه ويشكو منه، وإخبار المظلوم لمن ينتصر به، وإخبار المبتلى ببلائه لمن كان يرجو أن يكون فرجه على يديه.

والأنين على قسمين:

أنين شكوى فيكره .. وأنين استراحة وتفريج فلا يكره.

وأما الشكوى فهي نوعان:

شكوى بلسان المقال .. وشكوى بلسان الحال، ولعلها أعظمها، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أنعم عليه ربه أن يظهر نعمة الله عليه، وأعظم من ذلك من يشتكي ربه وهو بخير، فهذا أمقت الخلق عند ربه.

ومما ينافي الصبر شق الثياب عند المصيبة، ولطم الوجه، وحلق الشعر، وضرب إحدى اليدين بالأخرى، والدعاء بالويل.

ولا ينافي الصبر والبكاء، والحزن عند المصيبة كما قال الله عن يعقوب صلى الله عليه وسلم:{وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)} [يوسف: 84].

وَاشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأتَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بنِ أبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِاللهِ بنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ، فَقَالَ:«أقَدْ قَضَى؟» قَالُوا: لا، يَا رَسُولَ اللهِ! فَبَكَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.

فَلَمَّا رَأى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، بَكَوْا. فَقَالَ:«ألا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا (وَأشَارَ إِلَى لِسَانِهِ) أوْ يَرْحَمُ» . متفق عليه (1).

ومما يقدح في الصبر إظهار المصيبة، والتحدث بها، وكتمانها رأس الصبر،

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (1304)، ومسلم برقم (924) واللفظ له.

ص: 1942

ويضاد الصبر الهلع، وهو الجزع عند حصول المصيبة، والمنع عند ورود النعمة كما قال سبحانه:{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)} [المعارج:19 - 21].

والصبر ألوان:

صبر على التكاليف والأوامر من عبادة ودعوة وجهاد .. وصبر على النعماء والبأساء .. وصبر على حماقات الناس وجهالاتهم

وصبر على البلاء والفتن.

والمؤمنون يصبرون على كل ذلك ابتغاء وجه ربهم، لا تحرجاً من أن يقول الناس جزعوا، ولا تجملاً ليقول الناس صبروا، ولا رجاء في نفع من وراء الصبر، ولا دفعاً لضر يأتي به الجزع، وقد وعد الله هؤلاء بقوله:{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)} [الزمر: 10].

والصبر منصور أبداً، فإن كان صاحبه محقاً كان منصوراً، له العاقبة الحسنى في الدنيا والآخرة، وإن كان مبطلاً لم يكن له عاقبة.

والصبر ثلاثة أنواع:

صبر على طاعة الله .. وصبر عن معصية الله .. وصبر على أقدار الله المؤلمة.

فالأولان صبر على ما يتعلق بكسب الإنسان، والثالث صبر على مالا كسب للعبد فيه، فصبر يوسف صلى الله عليه وسلم عن مطاوعة امرأة العزيز على ما تريد منه أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب، وبيعه، وتفريقهم بينه وبين أبيه.

فهذه أمور جرت عليه بغير اختياره، لا كسب له فيها، وليس للعبد فيها حيلة غير الصبر.

وأما صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضى، ومحاربة للنفس وشهواتها، لا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة.

فإنه كان شاباً عزباً غريباً مملوكاً، والمرأة جميلة، وذات منصب وهي سيدته، وقد غاب الرقيب، وهي الداعية له إلى نفسها، ومع هذه الدواعي صبر اختياراً وإيثاراً لما عند الله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ

ص: 1943

لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)} [يوسف: 24].

والصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل، فإنّ فعل الطاعة أحب إلى الله من ترك المعصية، وعدم الطاعة أبغض إليه وأكره من وجود المعصية.

والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وهو على ثلاثة أنواع: صبر بالله، وصبر لله، وصبر مع الله.

فالأول: الاستعانة بالله ورؤيته أنه هو المصبر، وأن صبر العبد بربه لا بنفسه كما قال سبحانه:{وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل: 127].

والثاني: الصبر لله وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله، وإرادة وجهه، والتقرب إليه، لا لإظهار قوة النفس، أو طلب حمد الخلق ونحو ذلك، فإن الصبر عمل، والعمل لا بدَّ أن يكون خالصاً لله.

والثالث: الصبر مع الله، وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه، ومع أحكامه الدينية، صابراً نفسه معها، سائراً بسيرها، مقيماً بإقامتها، يتوجه معها أينما توجهت، وينزل معها حيث نزلت، قد جعل نفسه وقفاً على محاب ربه وأوامره.

وهذا أشد أنواع الصبر وأصعبها، وهو صبر الصديقين، فالصبر من النفس إلى الله صعب شديد، والصبر مع الله أشد وهو الثبات مع الله، وتلاقي بلائه بالرحب والسعة، والثبات على أحكام الكتاب والسنة حتى يلقى ربه.

والصبر أكبر عون للعباد على جميع الأمور كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)} [البقرة: 153].

والذي يعين على الصبر أمور أهمها:

الأول: معرفة العبد ما في الطاعات من زيادة الإيمان وصلاح القلوب.

الثاني: معرفة العبد ما في المحرمات والمعاصي من الضرر والرذائل، وما توجبه من العقوبات في الدنيا والآخرة.

الثالث: معرفة العبد ما في أقدار الله من البركة والحكمة والرحمة، وما لمن قام

ص: 1944

بالصبر عليها من الأجور كما قال سبحانه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)} [الزمر: 10].

الرابع: معرفة العبد أن محبة الله معه كلما اتقى وصبر كما قال سبحانه: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)} [الأنفال: 46].

ومن كان الله معه فكل شيء معه، فكيف لا يجاهد المسلم نفسه على الصبر وهذه أجوره وبركاته ومنافعه؟

فبالصبر يسهل على العبد القيام بالطاعات، وأداء حقوق الله، وأداء حقوق عباده، وترك ما تنهاه نفسه من المحرمات، وبذلك يهون عليه الصبر عن جميع الشهوات، وجميع الشدائد في الأقدار والأوامر.

والصبر على ثلاث درجات:

الدرجة الأولى: الصبر عن المعصية بمطالعة الوعيد، إبقاء على الإيمان، وحذراً من الحرام، وأحسن منها الصبر عن المعصية حياءً.

فالإبقاء على الإيمان يبعث على ترك المعصية؛ لأنها لا بدَّ أن تنقصه أو تذهب بهجته، أو تطفئ نوره، أو تضعف قوته.

وأما الحذر من الحرام فهو الصبر عن كثير من المباح حذراً من أن يسوقه إلى الحرام والشبهات.

والحياء يبعث عليه قوة المعرفة بالله، ومشاهدة معاني الأسماء والصفات.

وأحسن من ذلك أن يكون الباعث عليه وازع الحب، فيترك معصيته محبة له، وصاحب الحياء أحسن حالاً من أهل الخوف؛ لأن في الحياء من الله ما يدل على مراقبته، وحضور القلب معه، ولأن فيه من تعظيم الله وإجلاله سبحانه ما ليس في وازع الخوف.

فَمَنْ وازعه الخوف قلبه حاضر مع العقوبة، ومن وازعه الحياء قلبه حاضر مع الله، والخائف مراع جانب نفسه وحمايتها، والمستحي مراع جانب ربه، وملاحظة عظمته، وكلا المقامين من مقامات أهل الإيمان.

ص: 1945

الدرجة الثانية: الصبر على طاعة الله، بالمحافظة عليها دوماً، ورعايتها إخلاصاً، وتحسينها علماً وعملاً.

وفعل الطاعة أكبر من ترك المعصية، فيكون الصبر عليها آكد، وفوق الصبر عن ترك المعصية، فإن ترك المعصية إنما كان لتكميل الطاعة، والمنهي عنه لما كان يُضعف المأمور به ويُنقصه نهي عنه؛ حماية وصيانة لجانب الأمر.

والصبر في هذه الدرجة بثلاثة أشياء:

دوام الطاعة .. والإخلاص فيه .. ووقوعها على مقتضى العلم.

والطاعة تتخلف من فوات واحد من هذه الثلاثة.

فالعبد إن لم يحافظ عليها دوماً عطلها، وإن حافظ عليها دوماً عرض لها آفتان:

الأولى: ترك الإخلاص، وحفظها من هذه الآفة برعاية الإخلاص.

والثانية: أن لا تكون مطابقة للعلم، فحفظها من هذه الآفة بتجريد المتابعة. الدرجة الثالثة: الصبر في البلاء بملاحظة حسن الجزاء، وانتظار روح الفرج، وتهوين البلية بعد أيادي المنن، وبذكر سوالف النعم، فيعد العبد نعم الله عليه، وأياديه عنده، فإذا عجز عن عدها هان عليه ما هو فيه من البلاء، ورآه بالنسبة إلى أيادي الله ونعمه كقطرة من بحر.

وبذكر سوالف النعم التي أنعم الله بها عليه، فهذا يتعلق بالماضي، وتعداد أيادي المنن يتعلق بالحال، وملاحظة حسن الجزاء وانتظار روح الفرج يتعلق بالمستقبل.

والصبر على طاعة الله والصبر عن معصيته أكمل من الصبر على أقداره والصبر لله أكمل من الصبر بالله، والصبر على طاعة الله والصبر عن معصيته أكمل من الصبر على قضائه وقدره.

فصبر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام على ما نالهم في الله باختيارهم وفعلهم ومقاومة قومهم أكمل من صبر أيوب على ما ناله في الله من ابتلائه وامتحانه بما ليس مسبباً عن فعله.

ص: 1946

وكذلك صبر إسماعيل الذبيح، وصبر أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام على تنفيذ أمر الله أكمل من صبر يعقوب على فقد يوسف عليهما الصلاة والسلام.

ومراتب الصبر أربع:

الأولى: مرتبة الكمال، وهي مرتبة أولي العزائم، وهي الصبر لله وبالله، فيكون العبد في صبره مبتغياً وجه الله، صابراً به، متبرئاً من حوله وقوته، فهذه أقوى المراتب وأرفعها وأفضلها، وفي ذروتها الأنبياء.

الثانية: أن لا يكون فيه صبر لله، ولا صبر بالله، فهذا في أخس المراتب، وهو أردأ الخلق، وهو جدير بكل خذلان، وبكل حرمان.

الثالثة: مرتبة من فيه صبر بالله، فهو مستعين ومتوكل على حول الله وقوته، متبرئ من حوله هو وقوته، ولكن صبره ليس لله فيما هو مراد الله الديني منه.

فهذا ينال مطلوبه ويظفر به ولكن لا عاقبة له، وإنما كانت عاقبته شر العواقب، وفي هذا المقام خفراء الكفار، وأرباب الأحوال الشيطانية، فإن صبرهم بالله لا لله ولا في الله.

وهم من جنس الملوك والرؤساء الظلمة، فإن الحال كالملك يعطاه البر والفاجر، والمؤمن والكافر.

الرابعة: من فيه صبر لله، لكنه ضعيف النصيب من الصبر به، والتوكل عليه، والثقة به، والاعتماد عليه.

فهذا له عاقبة حميدة، ولكنه ضعيف عاجز مخذول في كثير من مطالبه، ونصيبه من الله أقوى من نصيبه بالله.

فهذا حال المؤمن الضعيف، وصابر بالله لا لله حال الفاجر القوي، وصابر لله وبالله حال المؤمن القوي، وهو أحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

وكل عبد لا يخلو قط من أن يكون في نعمة أو بلية.

فإن كان في نعمة ففرضها الشكر والصبر، أما الشكر فقيدها وثباتها، والكفيل بمزيدها.

ص: 1947

وأما الصبر فعن مباشرة الأسباب التي تسلبها، وعلى القيام بالأسباب التي تحفظها، فهو أحوج إلى الصبر فيها من حاجة المبتلي.

وإن كان في بلية ففرضها الصبر والشكر أيضاً.

أما الصبر فظاهر، وأما الشكر فللقيام بحق الله عليه في تلك البلية، فإن لله على العبد عبودية في البلاء كما له عليه عبودية في النعماء، وعليه أن يقوم بعبوديته في هذا وهذا.

والصبر من أجلّ مقامات الدين، وأخص الناس بالله وأولاهم به أشدهم قياماً وتحققاً به، وأكمل الخلق أصبرهم، ولم يتخلف عن أحد كماله الممكن إلا من ضعف صبره، فإن كمال العبد بالعزيمة والثبات، وذلك لا يقوم إلا على ساق الصبر.

والصبر على البلاء يكون بحبس النفس على المكروه، وعقل اللسان عن الشكوى، ومكابدة الغصص في تحمله، وانتظار الفرج عند عاقبته، ويشهد العبد في تضاعيف البلاء لطف صنع الله به، وحسن اختياره له، وبره به، فيحصل له لذة بذلك.

وفوق هذا مرتبة أرفع منه، وهي أن يشهد أن هذا مراد محبوبه، وأنه بمرأى ومسمع منه، وأنه هديته إلى عبده، وخلعته التي خلعها عليه، ليدخل في أذيال التذلل والمسكنة والتضرع لعزته وجلاله.

فيعلم العبد أن حقيقة المحبة هي موافقة المحبوب في محابه، فيحب كل ما يحبه محبوبه، وإن كرهه من حيث الطبع البشري، كما يحب الدواء الكريه لما فيه من الشفاء.

وتبلغ المحبة بالعبد إلى حيث يفنى بمراد محبوبه فيه عن مراده هو منه، فإذا شهد مراد محبوبه أحبه، وإن كان كريهاً إليه.

وتقوى هذه المحبة باستبشاره وعلمه بعاقبة تلك البلوى، وإفضائها إلى غاية النعيم واللذة والسرور.

ص: 1948

والصبر نوعان:

أحدهما: صبر على المقدور كالمصائب.

الثاني: صبر على المشروع وهو نوعان:

صبر على الأوامر

وصبر عن النواهي.

فذاك صبر على الإرادة والفعل .. وهذا صبر عن الإرادة والفعل.

فأما النوع الأول فمشترك بين المؤمن والكافر، لا يثاب عليه بمجرده إن لم يقترن به إيمان واحتساب كما قال صلى الله عليه وسلم لابنته:«مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» متفق عليه (1).

ومن قل يقينه قل صبره .. ومن قل صبره خف واستخف، ولعبت به الأهواء كما تلعب الريح بكل خفيف.

وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه.

فإبراهيم صلى الله عليه وسلم ابتلي بالنار، ومفارقة الأهل والأولاد والدار، فصبر ابتغاء وجه ربه، فأنجاه الله من النار، وجعل في ذريته النبوة والكتاب.

ومن أراد الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة فليوطن نفسه على الصبر على البلاء، والصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، ومن أراد أن يقتدي في دينه فليتبع الأنبياء؛ لأنهم بالله أعرف وله أطوع.

وقد أمرنا الله باتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر رسوله باتباع ملة إبراهيم، وملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم البذل والتضحية بكل شيء من أجل التوحيد والإيمان وإعلاء كلمة الله.

فإبراهيم صلى الله عليه وسلم من أجل الدين بذل نفسه حين سلمها للنيران .. وبذل ماله حين سلمه للضيفان .. وضحى بولده حين بذله للقربان .. وأسكن وترك بواد غير ذي زرع طاعة للرحمن.

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2284)، ومسلم برقم (923)، واللفظ له.

ص: 1949

فإن لم تقدر على متابعة إبراهيم صلى الله عليه وسلم فاجتهد في متابعة ولده الصبي .. كيف انقاد لحكم ربه، مع صغر سنه، فمد عنقه للذبح امتثالاً لأمر ربه.

وأنه لابتلاء عظيم، وبلاء مبين للوالد والولد، يحتاج إلى صبر كالجبال، إنه ابتلاء يهز القلوب، ويرجف له الفؤاد، ولكنه أمر الله، ولا بدَّ من امتثاله.

فمن يطيق أن يذبح ابنه؟ ومن يتحمل مباشرة الذبح؟ ولكن الله يريد صفاء إبراهيم، وهو خليل الرحمن، وقد تعلقت شعبة من شعب قلبه بابنه إسماعيل، فأمره الله أن يذبح من زاحم حبه حب ربه:{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)} [الصافات: 102].

فلما قدَّم إبراهيم طاعة ربه وعزمه على ذبح إسماعيل، وزال ما في القلب من المزاحم بقي الذبح لا فائدة فيه فلهذا قال:{فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111)} [الصافات: 103 - 111].

وإن كنت دون الرجل، فاتبع الموسوم بنقصان العقل والدين، وهي أم الذبيح إسماعيل، هاجر المملوكة امرأة إبراهيم .. وانظر كيف أطاعت ربها وصبرت، فتحملت المحنة في ولادتها، ثم صبرت حين تركها الخليل مع ولدها في مكة، حيث لا ماء ولا زاد ولا أنيس، ثم توجهت إلى ربها ليغيثها، فلما تربت على اليقين على الله، جعل الله خطواتها عبادة إلى يوم القيامة، وهي السعي بين الصفا والمروة.

كما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)} [إبراهيم: 37].

ومن صفات الله تبارك وتعالى الصبر، وأطلق عليه الصبر أعرف الخلق به،

ص: 1950

وأعظمهم تنزيهاً له نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: «لَيْسَ أحَدٌ، أوْ لَيْسَ شَيْءٌ أصْبَرَ عَلَى أذًىً سَمِعَهُ مِنَ الله، إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَداً، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ» متفق عليه (1).

وصبر الله تعالى يفارق صبر المخلوق ولا يماثله من وجوه منها:

أن صبره سبحانه عن قدرة تامة، ومنها أنه لا يخاف الفوت، ومنها أنه لا يلحق بصبره ألم ولا حزن ولا نقص بوجه ما.

والفرق بين الصبر والحلم، أن الصبر ثمرة الحلم وموجبه، فعلى قدر حلم العبد يكون صبره، والحلم في صفات الرب تعالى أوسع من الصبر.

والمخلوق يحلم عن جهل، ويعفو عن عجز، والرب تعالى يحلم مع كمال علمه، ويعفو مع تمام قدرته.

وحلمه وقدرته وعلمه من لوازم ذاته سبحانه، وأما صبره عز وجل فمتعلق بكفر العباد وشركهم ومسبتهم له سبحانه، وأنواع معاصيهم وفجورهم.

فلا يحمله ذلك على تعجيل العقوبة، بل يصبر على عبده، ويمهله ويستصلحه، ويرفق به، ويحلم عليه.

حتى إذا لم يبق فيه موضع للصنيعة، ولا يصلح على الإمهال والرفق والحلم، ولا ينيب إلى ربه، ولا يدخل عليه لا من باب الإحسان والنعم، ولا من باب البلاء والنقم، أخذه أخذ عزيز مقتدر، بعد غاية الإعذار إليه، وبذل النصيحة له، ودعائه إليه من كل باب.

وهذا كله من موجبات صفة حلمه.

ولو أن الناس أعطوا هذا الاسم حقه، لعلموا أن الرب تعالى أحق به من جميع الخلق، كما أنه أحق باسم العليم والرحيم وسائر الأسماء من جميع الخلق.

والتفاوت الذي بين صبره سبحانه وبين صبر الخلق كالتفاوت الذي بين حياتهم وحياته، وعلمه وعلمهم، وكذا سائر صفاته وصبره سبحانه من أعظم مصبور

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (6099) واللفظ له، ومسلم برقم (2804).

ص: 1951

عليه، فإن مقابلة أعظم العظماء وملك الملوك، وأكرم الأكرمين، ومَنْ إحسانه فوق كل إحسان، بالكفر والمعاصي، وغاية القبح، وأعظم الفجور، وأفحش الفواحش، ونسبته إلى مالا يليق به.

والقدح في كماله وأسمائه وصفاته وأفعاله، والإلحاد في آياته، وتكذيب رسله، مقابلتهم بالسب والشتم والأذى.

وتحريق أوليائه وقتلهم وإهانتهم أمر لا يصبر عليه إلا الصبور الذي لا أحد أصبر منه، ولا نسبة لصبر جميع الخلق إلى صبره سبحانه.

وماذا صدر عن العباد من الجهل والسفه؟

{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)} [مريم: 88 - 95].

{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181)} [آل عمران: 181].

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)} [المائدة: 72 - 74].

{وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24)} [الجاثية: 24].

فبحلمه سبحانه صبر عن معاجلة أعدائه بالعقوبة، وكذلك خرور الجبال، وانشقاق الأرض، وتفطير السماء، يحبسها عن ذلك بصبره وحلمه.

ص: 1952

وما يأتي به الكفار والمشركون والفجار في مقابلة العظمة والجلال والإكرام يقتضي البطش والهلاك، ولكن الله غفور حليم يمهلهم لعلهم يرجعون.

وهو سبحانه الذي خلق ما يصبر عليه، وما يرضى به.

فإذا أغضبته معاصي الخلق وكفرهم وشركهم وظلمهم، أرضاه تسبيح ملائكته وعباده المؤمنين، وطاعتهم له، وحمدهم له، فيعيذ رضاه من غضبه.

وكما جعل سبحانه في الأرض من يكفر به، ويجحد توحيده، ويكذب رسله، كذلك جعل فيها من عباده من يؤمن بما كفر به أولئك، ومصدق بما كذبوا به، وبهذا تماسك العالم العلوي والعالم السفلي:{فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89)} [الأنعام: 89].

والله تبارك وتعالى ذو العزة والجبروت، وذو الجلال والإكرام، وذو الملك والكبرياء والعظمة خلق الخلق لعبادته، وأمرهم بما يصلحهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة، ونهاهم عما يضرهم ويشقيهم في الدنيا والآخرة، وقدر عليهم أقداره وأحكامه، وهم لا يستطيعون القيام بما أمرهم، والكف عما نهاهم، وتحمل ما قدر عليهم إلا بالصبر.

وما أمر الله عز وجل بأمر إلا أعان عليه، ونصب له أسباباً تمده وتعين عليه.

ولما كان الصبر مأموراً به، جعل سبحانه له أسباباً تعين عليه، وتوصل إليه، كما أنه ما قدر داءً إلا وقدر له دواءً، وضمن الشفاء باستعماله.

والصبر وإن كان شاقاً كريهاً على النفوس فتحصيله ممكن، وهو يتركب من مفردين:

العلم .. والعمل .. فمنهما تُركب جميع الأدوية التي تداوى بها القلوب والأبدان.

فأما الجزء العلمي: فهو إدراك ما في المأمور من الخير والنفع واللذة والكمال، وإدراك ما في المحظور من الشر والضرر والنقص والهلاك.

فإذا أدرك هذين العلمين كما ينبغي أضاف إليهما العزيمة الصادقة، والهمة

ص: 1953

العالية، والنخوة والمروءة الإنسانية، وضم هذا الجزء إلى هذا الجزء، فمتى فعل ذلك حصل له الصبر، وهانت عليه مشاقه، وحلت مرارته، وانقلب ألمه لذة.

والصبر: مصارعة باعث الدين والعقل لباعث الهوى والنفس.

وكل متصارعين أراد أن يتغلب أحدهما على الآخر فالطريق فيه تقوية من أراد أن تكون الغلبة له، وإضعاف الآخر.

فإذا قوي باعث شهوة الزنى مثلاً، وغلب بحيث لا يملك معها فرجه، أو يملكه ولكن لا يملك قلبه، وشغله ذلك، وبذل كل شيء من أجله.

فإذا عزم على التداوي ومقاومة هذا الداء، فعليه أن يضعفه أولاً بأمور:

أحدها: أن ينظر إلى مادة قوة الشهوة، فيجدها من الأغذية المحركة للشهوة إما بنوعها، أو بكميتها، فيحسم هذه المادة بتقليلها، فإن لم تنحسم فليبادر إلى الصوم، فإنه يضعف مجاري الشهوة ويكسر حدتها.

الثاني: أن يجتنب محرك الطلب وهو النظر، فداعي الإرادة والشهوة إنما يهيج بالنظر، والنظر يحرك القلب بالشهوة، والنظر سهم مسموم من سهام إبليس.

وإذا أطلق العبد نظرة، ونصب قلبه غرضاً، فيوشك أن يقتله بسهم من تلك السهام المسمومة.

الثالث: تسلية النفس بالمباح المعوِّض عن الحرام، فإن كل ما يشتهيه الطبع في ما أباحه الله سبحانه غنية عنه، وهذا هو الدواء النافع في حق أكثر الناس.

فالأول: يشبه قطع العلف عن الدابة الجموح لإضعاف قوتها.

والثاني: يشبه تغييب الشعير عن البهيمة؛ لئلا تتحرك قوتها.

والثالث: يشبه إعطاؤها من الغذاء ما يميل إليه طبعها بحسب الحاجة لتبقى معه القوة.

الرابع: التفكر في المفاسد الدنيوية المتوقعة من قضاء هذا الوطر فإنه لو لم تكن جنة ولا نار، لكان فيه من المفاسد ما ينهي عن إجابة هذا الداعي، ولكن عين الهوى عمياء.

ص: 1954

الخامس: الفكرة في مقابح الصورة التي تدعوه نفسه إليها، إن كانت معروفة بالإجابة له ولغيره.

فيعز نفسه أن يشرب من حوض ترده الكلاب والذئاب والحشرات.

ومن له أدنى مروءة ونخوة يأنف من هذا القبح الذي يغطي كل جمال وملاحة في الوجه والبدن.

فالزنى قبيح وخبيث، وقبحه وخبثه ينتشر على الزاني والزانية.

وإذا أراد الإنسان معرفة ذلك، فلينظر إلى القبح والخبث الذي يعلو وجه أحدهما في كبره، وكيف يقلب الله تلك المحاسن مقابح، حتى تعلو الوحشة والقبح وجهه:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)} [الإسراء: 32].

وأما تقوية باعث الدين فإنه يكون بأمور:

أحدهما: إجلال الله تبارك وتعالى أن يُعصى وهو يرى ويسمع.

وأن يشهد محبته سبحانه، فيترك معصيته محبة له، فإن المحب لمن يحب مطيع، وأفضل الطاعة طاعة المحبين، وأفضل الترك ترك المحبين.

الثاني: مشهد النعمة والإحسان، فالكريم لا يقابل بالإساءة من أحسن إليه، وإنما يفعل هذا لئام الناس، فليمنعه مشهد إحسان الله إليه ونعمته عليه عن معصيته حياءً منه.

فلا يحسن أن تكون نعم الله تنزل عليه، ومعاصيه وقبائحه صاعدة إلى ربه، فملك ينزل بهذا .. وملك يعرج بهذا .. فأقبح بها من مقابلة.

الثالث: مشهد الغضب والانتقام، فإن الرب جل جلاله إذا تمادى العبد في معصيته غضب، وإذا غضب جل جلاله لم يقم لغضبه شيء، فضلاً عن هذا العبد الضعيف.

الرابع: أن يتذكر كم يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة، وما يحدث له بها من كل اسم مذموم شرعاً وعقلاً وعرفاً، وتزول عنه من الأسماء الممدوحة شرعاً وعقلاً وعرفاً.

ص: 1955

ويكفيه أنه فاته اسم الإيمان الذي أدنى مثقال ذرة فيه خير من الدنيا وما فيها، فكيف يبيعه بشهوة تذهب لذتها، وتبقى تبعتها؟.

قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» متفق عليه (1).

فينزع الإيمان عن الزاني كما ينزع القميص، فإن تاب صادقاً رد إليه الإيمان.

الخامس: مشهد القهر والظفر، فإن قهر الشهوة، وغلبة الشيطان، له حلاوة ومسرة عند من ذاق ذلك، وعاقبته أحمد عاقبة.

السادس: مشهد المعية وهو نوعان:

معية عامة .. ومعية خاصة.

فالمعية العامة: اطلاع الرب عليه، وكونه بعينه لا تخفى عليه حاله.

والخاصة كقوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)} [الأنفال: 46].

فهذا المعية الخاصة خير له وأنفع في دنياه وآخرته ممن قضى شهوته ونال وطره على التمام.

فكيف يؤثر عليها لذة منغصة منكدة في يسير من العمر؟

السابع: مشهد العوض، وهو ما وعد الله سبحانه من تعويض من ترك المحارم لأجله، ونهى نفسه عن هواها، وليوازنه بين العوض والمعوض، فأيهما كان أولى بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه.

الثامن: مشهد معاجلة الموت له، واخترام أجله، وهو أن يخاف أن يغافصه الأجل، فيأخذه على غرة لاهياً بشهواته، فيحال بينه وبين ما يشتهي من لذات الآخرة.

التاسع: مشهد البلاء والعافية، فإن البلاء في الحقيقة ليس إلا الذنوب وعواقبها،

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2475) واللفظ له، ومسلم برقم (57).

ص: 1956

والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها.

فأهل البلاء هم أهل المعصية إن عوفيت أبدانهم، وأهل العافية هم أهل الإيمان والطاعة وإن مرضت أبدانهم.

العاشر: أن يُعود العبد باعث الدين مصارعة داعي الهوى ومقاومته على التدريج قليلاً قليلاً حتى يدرك لذة الظفر، فتقوى حينئذٍ همته، ومن ترك المجاهدة بالكلية ضعف فيه باعث الدين، وقوي فيه باعث الشهوة.

الحادي عشر: كف الباطل عن حديث النفس، وإذا مرت به الخواطر نفاها، وقطع العلائق التي تدعوه إلى موافقة الهوى.

وليس المراد، أن لا يكون له هوى، بل المراد أن يصرف هواه إلى ما ينفعه، ويستعمله في تنفيذ مراد الرب تعالى، فإن ذلك يرفع عنه شر استعماله في معاصيه.

فكل شيء في الإنسان يستعمله لله فإن الله يقيه شر استعماله لنفسه وللشيطان، وما لا يستعمله لله، استعمله لنفسه وهواه ولا بد.

فالعلم إن لم يكن لله كان للنفس والهوى، والعمل إن لم يكن له كان للرياء والنفاق.

والمال إن لم ينفق لله أنفق في طاعة الهوى والشيطان.

والقوة إن لم يستعملها لله استعملها في معصيته.

فمن عود نفسه العمل لله لم يكن أشق عليه من العمل لغيره.

ومن عود نفسه العمل لهواه لم يكن أشق عليه من الإخلاص والعمل لله، وهذا جارٍ في جميع أبواب الأعمال.

الثاني عشر: صرف الفكر إلى عجائب آيات الله التي ندب عباده إلى التفكر فيها، وهي آياته المتلوة، وآياته الكونية، فذلك يرفع عنه محادثة الشيطان ووسواسه.

الثالث عشر: التفكر في الدنيا وسرعة زوالها، وقرب انقضائها، فلا يرضى لنفسه

ص: 1957

أن يتزود منها لدار بقائه وخلوده أخس ما فيها وأقله نفعاً إلا ساقط الهمة، دنيء المروءة، ميت القلب، فإن حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده، وتبين له عدم نفعه، فكيف إذا ترك تزود ما ينفعه على زاد يعذب به، ويناله بسببه غاية الألم.

الرابع عشر: تعرضه إلى من القلوب بين إصبعيه، وأزمة الأمور بيديه، فلعله أن يصادف أوقات النفحات، ولا يستوحش من ظاهر الحال.

فالله سبحانه يعامل عبده معاملة من ليس كمثله شيء في أفعاله وصفاته، فإنه ما حَرَمه إلا ليعطيه، ولا أمرضه إلا ليشفيه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا أماته إلا ليحييه، وما أخرج أبويه من الجنة إلا ليعيدهما إليها على أكمل حال.

الخامس عشر: أن يعلم العبد أن فيه جاذبين متضادين هو ممتحن بهما، جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى، وجاذب يجذبه إلى أسفل سافلين.

فكلما انقاد إلى الجاذب الأعلى صعد درجة، حتى ينتهي إلى حيث يليق به من المحل الأعلى.

وكلما انقاد إلى الجاذب الأسفل نزل درجة، حتى ينتهي إلى موضعه من سجين.

وإذا أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أو الأسفل، فلينظر أين روحه في هذا العالم، فإنها إذا فارقت البدن تكون في الرفيق الأعلى الذي كانت تجذبه إليه في الدنيا فهو أولى بها.

وكل مهتم بشيء فهو منجذب إليه وإلى أهله بالطبع.

فالنفوس العلوية تنجذب بذاتها وأعمالها إلى أعلى، والنفوس السافلة إلى أسفل.

السادس عشر: أن يطهر العبد قلبه ويفرغه من إرادات السوء وخواطره، ويبذر فيه بذر الذكر والفكر، والمحبة والإخلاص.

فعند ذلك يقوى الرجاء لإصابة نفحات الرحمن جل جلاله في الأوقات الفاضلة، والأحوال الشريفة.

وفضل الله لا يرده إلا المانع الذي في العبد، فلو زال ذلك المانع لسارع إليها

ص: 1958

الفضل من كل صوب.

السابع عشر: أن يعلم العبد أن الله سبحانه خلقه لبقاء لا فناء له، ولعز لا ذل معه، وأمن لا خوف فيه، وغنى لا فقر معه، ولذة لا ألم معها، وكمال لا نقص فيه.

وامتحنه في هذه الدنيا بالبقاء الذي يسرع إليه الفناء، والعز الذي يقارنه الذل، ويعقبه الذل، والأمن الذي معه الخوف، وبعده الخوف.

وكذلك الغنى واللذة، والفرح والسرور، الذي هنا مشوب بضده، فغلط أكثر الخلق في هذا فطلبوا النعيم والبقاء، والعز والملك، والجاه والشرف في غير محله ففاتهم في محله.

وأكثرهم لم يظفر بما طلبه من ذلك، والذي ظفر به إنما هو متاع قليل زائل.

والله عز وجل أرسل رسله وأنزل كتبه بعبادة الله وحده، والدعوة إلى النعيم المقيم، والملك الكبير في الجنة.

فمن أجابهم حصل له ألذ ما في الدنيا وأطيبه، فكان عيشه فيها أطيب من عيش الملوك فمن دونهم؛ لأن العبد إذا ملك شهوته وغضبه فانقادا معه لداعي الدين فهو الملك حقاً.

لأن صاحب هذا الملك حر، والملك المنقاد لشهواته وغضبه عبد شهوته وغضبه، فهو مسخر مملوك في زي مالك.

الثامن عشر: أن يتخلص من الشر بالبعد عنه، وعن أسبابه ومظانه ويستعين على الخروج عن العوائد بالهرب عن مظان الفتنة.

ولا يعتز بما في مظان الشر من بعض الخير، فإن الشيطان يخدعه بذلك، فإذا قرب منه صاده وألقاه في الشبكة.

والعبد في الدنيا لا يخلو من حالين:

الأولى: ما يوافق هواه من الصحة والمال، والجاه والملاذ.

والعبد في هذا محتاج إلى الصبر؛ لئلا يركن إليها، وينسى حق الله فيها.

ص: 1959

الثانية: ما يخالف هواه، وهو ثلاثة أقسام:

أحدها: الطاعات، فيحتاج العبد على الصبر عليها؛ لأن النفس بطبعها تنفر من العبودية، فمن العبادات ما تكرهه النفس بسبب الكسل كالصلاة، ومنها ما يكره بسبب البخل كالزكاة، ومنها ما يكره بسبب الشهوة كالصيام، ومنها ما يكره بسبب الخوف كالجهاد، ومنها ما يكره بسبب الكسل والبخل كالحج.

ويكون الصبر على الطاعة في ثلاثة أحوال:

حال قبل العبادة، بتصحيح النية والإخلاص، والصبر على شوائب الرياء، وحال في نفس العبادة، وهي أن لا يغفل عن الله تعالى أثناء العبادة.

والثالثة بعد الفراغ من العمل، فيصبر عن إفشائه، والتظاهر به؛ ليسلم من الرياء والسمعة، وعن كل ما يبطله.

الثاني: الصبر عن المعاصي الصغائر والكبائر، فإن كان مما يتيسر فعله كمعاصي اللسان من الغيبة والكذب والمراء، كان الصبر عليه أثقل.

الثالث: ما لا يدخل تحت الاختيار كالمصائب، مثل موت الأحبة، والأمراض، وهلاك الأموال، وسائر أنواع البلاء.

فالصبر على ذلك من أعلى المقامات، ومنه الصبر على أذى الناس كما قال سبحانه:{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)} [آل عمران: 186].

والله سبحانه قادر على أن يحيي الدين كله في العالم كله، ولكن الله جعل ذلك إلينا، لنقوم بالدعوة إلى الله، ونصبر على ذلك، فنحصل على أجر الهداية والدعوة والصبر.

والله قادر على أن يجعل الناس كلهم أغنياء، ولكن الله عز وجل بحكمته ورحمته جعل فينا الغني والفقير، ليحصل الغني على الأجر بالإنفاق، ويحصل الفقير على الأجر بالصبر، وكلاهما على خير.

ص: 1960

والصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله، ومنتهى الصبر أن يكون العبد يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه.

وقد ذكر الله عز وجل في كتابه الصبر الجميل .. والصفح الجميل .. والهجر الجميل ..

فالصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه .. والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه .. والهجر الجميل هو الذي لا أذى معه.

{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)} [البقرة: 155 - 157].

ص: 1961