الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
6 - فقه القرآن الكريم
قال الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)} [النحل: 89].
وقال الله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10)} [الإسراء: 9، 10].
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الْخَلاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ-وَهُوَ التَّعَبُّدُ-اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أنْ يَنْزِعَ إلَى أهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قال: «مَا أنَا بِقَارِئٍ» . قال: «فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قال: «مَا أنَا بِقَارِئ، فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَالَ: «مَا أنَا بِقَارِئٍ» ، فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)} [العلق:1 - 3].
فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها فَقَالَ «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» . فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأخْبَرَهَا الْخَبَرَ:«لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» . فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلا وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أبَداً، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ.
فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أسَدِ بْنِ عَبْدِالْعُزَّى، ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَءاً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخاً كَبِيراً قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ
خَدِيجَةُ: يَاابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَبَرَ مَا رَأى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعٌ، لَيْتَنِي أكُونُ حيّاً إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«أوَمُخْرِجِيَّ هُمْ» . قال: نَعَم ْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إلا عُودِيَ، وَإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الْوَحْيُ. متفق عليه (1).
الله تبارك وتعالى أنزل هذا القرآن في ليلة مباركة كما قال سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)} [الدخان: 3، 4].
والليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن هي والله أعلم الليلة التي بدأ فيها نزوله، وهي ليلة القدر كما قال سبحانه:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)} [القدر: 1].
وليلة القدر إحدى ليالي رمضان الذي أنزل فيه القرآن كما قال سبحانه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185].
والقرآن لم ينزل كله على النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة، كما أنه لم ينزل كله في رمضان، ولكنه بدأ يتصل بهذه الأرض في رمضان، وكانت هذه الليلة موعد ذلك الاتصال المبارك.
وإنها لمباركة حقاً، تلك الليلة التي يفتح الله فيها ذلك الفتح على البشرية، والتي يبدأ فيها استقرار هذا المنهج الإلهي في حياة البشر، والتي يتصل الناس فيها بهذا الكون وخالقه عن طريق هذا القرآن الذي فيه تبيان كل شيء.
ويقيم من خلاله عالماً إنسانياً مستقراً، عالماً طاهراً نظيفاً كريماً، يعيش فيه الإنسان على الأرض موصولاً بالسماء في كل حين.
وأول ما نزل من القرآن قوله سبحانه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)} [العلق: 1 - 3].
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3)، واللفظ له، ومسلم برقم (160).
وآخر ما نزل من القرآن في ثلاثة مواطن:
1 -
قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة بعد العصر عام حجة الوداع.
2 -
ثم أنزل الله إليه في أوسط أيام التشريق سورة النصر؛ إيذاناً بقرب أجل الرسول صلى الله عليه وسلم {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)} [النصر: 1 - 3].
3 -
وقبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بتسع ليال نزل في المدينة قوله سبحانه: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)} [البقرة: 281].
ولقد عاش الذين أُنزل القرآن لهم أول مرة فترة عجيبة في كنف السماء موصولين بالله مباشرة:
يطلعهم كل حين على ما في نفوسهم .. ويشعرهم بأن عينه عليهم .. ويحسبون هم حساب هذه الرقابة .. وحساب هذه الرعاية في كل حركة .. وفي كل هاجسة تخطر في قلوبهم.
ويلجؤون إليه أول ما يلجؤون واثقين أنه قريب مجيب.
ومضى ذلك الجيل مثالاً عجيباً وصورة مضيئة للإسلام، وبقي بعده القرآن كتاباً مفتوحاً يهتدي به من شاء موصولاً بالقلب البشري، يصنع به حين ينفتح له ما لا يصنعه أي أمر آخر، ويحول مشاعره بصورة تحسب أحياناً في الأساطير.
وبقي هذا القرآن العظيم منهجاً واضحاً كاملاً صالحاً لإنشاء حياة إنسانية نموذجية في كل بيئة، وفي كل زمان، حين يعمل به بدون تحريف أو تعطيل.
وقد أنزل الله هذا القرآن في هذه الليلة المباركة أولاً للإنذار والتحذير، فالله يعلم غفلة هذا الإنسان ونسيانه، وحاجته إلى الإنذار والتنبيه.
وهذه الليلة المباركة بنزول القرآن كانت فيصلاً بهذا التنزيل، إذ فيها يفرق كل
أمر حكيم، وقد فرق الله بهذا القرآن في كل أمر، وفصل فيه كل شأن، وتميز الحق من الباطل، ووضعت الحدود، وأقيمت المعالم اللازمة لرحلة البشرية كلها بعد تلك الليلة إلى يوم الدين، وكل ذلك بإرادة الله وأمره.
وكان ذلك كله رحمة بالبشرية إلى يوم الدين، فما أعظم بركة تلك الليلة، وما أعظم القرآن الذي أنزل فيها وما أعظم كرامة هذا الإنسان على ربه:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7)} [الدخان: 3 - 7].
وتتجلى رحمة الله بالبشر كما تتجلى في تنزيل هذا القرآن بهذا اليسر، الذي يجعله سريع اللصوق بالقلوب، سريع الفهم للعقول، ويجعل الاستجابة له تتم بسهولة، كما تتم دورة الدم في العروق، وتحول الكائن البشري إلى إنسان كريم، والمجتمع البشري إلى حلم جميل.
إن تدبر القرآن يزيل الغشاوة عن القلوب، ويفتح المنافذ، ويسكب النور، ويحرك المشاعر، وتستنير به الروح:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)} [محمد: 24].
إن الأقفال التي ركبتها النفس والشيطان من الأموال والأولاد، والشهوات والشبهات، تحول بين القلوب وبين القرآن، تحول بينها وبين النور، تحول بينها وبين الله.
فإن استغلاق القلوب كاستغلاق الأقفال التي لا تسمح بالهواء والنور.
إن المعجزة الكبرى التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم، الذي يوجه العقل البشري إلى آيات الله في الأنفس والآفاق، وما فيهما من إعجاز ظاهر.
فأما ما وقع فعلاً للرسول صلى الله عليه وسلم من خوارق شهدت بها روايات صحيحة، فكانت إكراماً من الله لعبده، لا دليلاً لإثبات رسالته.
وقد جاء القرآن الكريم ليقف بالقلب البشري في مواجهة الكون كله، وما فيه
من آيات الله القائمة الثابتة، ويصله بتلك الآيات في كل لحظة، لا مرة عارضة في زمان محدود، يشهدها جيل من الناس في مكان محدود، وكلها يلتقي فيها الكمال بالجلال والجمال، وتستجيش لها القلوب، وتؤدي إلى الإيمان العميق.
وأجل نعم الله على الإطلاق إنزاله كتابه العظيم على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ولذا حمد الله نفسه، وفي ضمنه إرشاد العباد ليحمدوه على إرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتاب عليهم كما قال سبحانه:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3)} [الكهف: 1 - 3].
وقد وصف الله كتابه العظيم بوصفين يدلان على أنه كامل من جميع الوجوه وهما:
نفي العوج عنه .. وإثبات أنه مقيم مستقيم.
فنفي العوج يقتضي أنه ليس في أخباره كذب، ولا في أوامره ونواهيه ظلم ولا عبث.
وإثبات الاستقامة يقتضي أنه لا يخبر ولا يأمر إلا بأجل الإخبارات، وهي الأخبار التي تملأ القلوب معرفة وإيماناً ورحمةً وعلماً كالإخبار بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومنها الغيوب المتقدمة والمتأخرة، وأن أوامره ونواهيه تزكي النفوس وتطهرها، وتنميها وتكملها؛ لاشتمالها على كمال العدل والقسط والإخلاص، والعبودية لله رب العالمين وحده لا شريك له.
وفي ذكر التبشير ما يقتضي ذكر الأعمال الموجبة للمبشر به، وهو أن هذا القرآن الكريم قد اشتمل على كل عمل صالح موصل لما تستبشر به النفوس وتفرح به الأرواح في الدنيا بالسعادة والطمأنينة، وفي الآخرة بالجنة ورضوان الله.
ومن أراد أن ينتفع بالقرآن الكريم فليأت إليه بقلب سليم، بقلب خالص، بقلب يتقي الله ويخشاه، فالتقوى في القلب هي التي تؤهله للانتفاع بهذا الكتاب، وعندئذ يتفتح القلب عن أسراره وأنواره، ويسكبها في هذا القلب الذي جاء إليه
متقياً: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)} [البقرة: 2].
والناس عادة لا يتركون عاداتهم في وقت واحد، ولا ينقادون لجميع الأحكام في وقت واحد.
لذا فطم القرآن الكفار عن الشرك وأحيا قلوبهم بنور الإيمان أولاً، وغرس في نفوسهم حب الله ورسوله، والإيمان بالبعث والجزاء ثانياً، ورغبهم في الجنة، وحذرهم من النار، ورغبهم في الأعمال الصالحة بالفضائل، ودعاهم إلى أحسن الأخلاق ثالثاً.
ثم انتقل بهم إلى العبادات فبدأهم بالصلاة التي تصل المخلوق بخالقه، ثم ثنى بالصوم، والزكاة التي تربط المخلوق بالمخلوق، ثم ختم بالحج في السنة التاسعة من الهجرة .. وهكذا.
وكذا فعل في العادات المتوارثة عندهم، زجرهم أولاً عن الكبائر والفواحش، ثم نهاهم عن الصغائر تدرجاً، وحرك نفوسهم وعواطفهم وعقولهم للمحاسن والفضائل.
والقرآن العظيم كتاب كريم .. حكيم .. مجيد .. عزيز.
أحسن كتب الله نظاماً .. وأحسنها بياناً .. فيه تبيان كل شيء .. وتفصيل كل شيء.
وفيه ذكر أعلى شيء وأدنى شيء من الأقوال والأعمال والأحوال والأشخاص والمنازل.
يهز القلوب التي تتفتح له، ويرجف من مواعظه وآياته الفؤاد، بل يتأثر منه الصخر الجامد لو تنزل عليه كما قال سبحانه:{لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)} [الحشر: 21].
وقد كانت الكتب السماوية السابقة أمانة في أعناق البشر، ليحفظوها ويعملوا بها، ولكنهم ضيَّعوها، وحرَّفوها، وبدَّلوها وكتموها، ولم يعملوا بها: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا
فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)} [البقرة: 79].
أما القرآن الكريم فقد تكفل الله بحفظه كما قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر: 9].
وسيبقى القرآن إلى يوم القيامة محفوظاً من أي عبث بشري، أو أي تدخل من أي جهة كانت، مهما بذلت من محاولات، ومهما دبر مدبر.
فإن أحداً لن يستطيع أن يمس القرآن بسوء؛ لأن الله حافظه وحاميه.
فمثلاً خط الحفاظ على المنهج والعمل به يتقلص مع مرور الزمن، ومع قلة الوعظ والتذكير، بينما خط حفظ القرآن يعلو ويتضاعف، وإنه لعجيب حقاً أن الخط الإيماني يميل إلى الهبوط، بينما خط حفظ القرآن يعلو ويزداد.
ولكن العجب يزول إذا علمنا أن هناك خطاً يتبع الإرادة البشرية وهو الإيمان، وخطاً يتبع إرادة الله وهو حفظ القرآن.
ولو كان الخطان يتبعان إرادة البشر، لكان من المنطقي أن يسيرا في اتجاه واحد، ومستوى واحد، ولكنهما مفترقان:
أما الخط البشري فيتناقص، وأما الخط الإلهي فيعلو ويزداد.
وقد أنزل الله القرآن تذكرة للعالمين، ليذكر الناس بالصراط المستقيم، ليعلمهم طريق العبادة، والحياة الآمنة الطيبة في الدنيا والآخرة، فالقرآن موجود لكل من أراد أن يتذكر.
فمن أراد الاستقامة وطلبها فالقرآن مذكر له، فإذا أخذت القرآن وبدأت تدرس تعاليمه بهدف الاستقامة هداك الله إلى الصراط المستقيم:{إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28)} [التكوير: 27، 28].
وقد كان المجتمع البشري قبل نزول القرآن مملوءاً بكثير من الأدواء من حروب وقتل وتشريد، وظلم وطغيان، وفساد وفجور، واستعباد وفرقة بين الناس.
القوي يأكل الضعيف .. والدنيا لمن غلب، وما كان لله من الطاعة والعبادة توجهوا به إلى الأصنام والأوثان.
فلما أراد الله شفاء الأمة من هذه الأدواء والأمراض والضلال أرسل الله عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العالمين بهذا القرآن، ليشفي البشرية من أسقامها، وينقذها من الشقاء الذي تعيش فيه كما قال سبحانه:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82].
فشفي الله البشرية بنزول القرآن، واستقر منهج الله في الأرض، وحكم حركة الحياة في أجمل وأحسن قرون البشرية، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.
ثم توالت الرحمات من رب العالمين لتمنع الشقاء عن الأمة، وكان النصر وكانت العزة لمن تمسك بهذا الدين.
فإذا حدثت غفلة وابتعد الناس عن المنهج جاءت داءات جديدة ومصائب ثقيلة، فإذا عاد الناس إلى المنهج وإلى تحكيم كتاب الله وسنة رسوله جاء الشفاء، وزال الوباء، وجاءت الرحمة:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)} [الأعراف: 96].
وكل نبي من الأنبياء أوتي آية ليصدقه من أرسل إليهم، ورآها أولئك كآية الطوفان لنوح، وآية الريح لهود ونحوهما.
ولكن الذي أوتيه محمداً صلى الله عليه وسلم معجزة وآية هو القرآن الكريم، الذي يعطي عطاء لكل جيل، يختلف عن الجيل الذي قبله، وهو صالح لكل زمان ومكان وإنسان، يداوي أمراض المجتمعات أينما كانت، ومهما كانت.
يحمل العلاج لكل الداءات، ويعالج مشاكل البشرية في أنحاء الأرض:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)} [النحل: 89].
والقرآن الكريم كلام الله عز وجل، وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته: فتارة يتجلى سبحانه في جلباب الهيبة والعظمة والجلال فتخضع الأعناق، وتنكسر الكبرياء، وتخضع النفوس، وتخشع الأصوات.
وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال الدالة على كمال الذات فيستنفد به
من قلب العبد قوة الحب كلها، ويصبح فؤاده فارغاً إلا من محبته.
وإذا تجلى سبحانه بصفات الرحمة والبر، واللطف والإحسان، انبعثت قوة الرجاء في العبد فسار إلى ربه، وكلما قوي الرجاء جدَّ في العمل.
وإذا تجلى الرب بصفات العدل والانتقام، والغضب والعقوبة، انقمعت النفس الأمارة بالسوء، وبطلت أو ضعفت قواها من الشهوة والغضب، واللهو واللعب، والحرص على المحرمات.
وإذا تجلى سبحانه بصفات الأمر والنهي، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وشرع الشرائع، انبعثت من النفس قوة الامتثال والطاعة، وتنفيذ أوامره، والتبليغ لها، والتواصي بها.
وإذا تجلى بصفة السمع والبصر والعلم انبعثت من العبد قوة الحياء، فيستحي من ربه أن يراه على ما يكره، أو يسمع منه ما يكره، أو يخفي في سريرته ما يمقته عليه.
فتبقى حركاته وأقواله وأفعاله موزونة بميزان الشرع.
وإذا تجلى سبحانه بصفات الكفاية، والقيام بمصالح العباد، وسوق أرزاقهم، ودفع المصائب عنهم، ونصره لأوليائه، انبعثت من العبد قوة التوكل على ربه، والتفويض إليه، والرضى به.
وإذا تجلى جل جلاله بصفات العز والكبرياء، انبعثت من العبد صفات الذل لعظمة الله، والانكسار لعزته، والخضوع لكبريائه، وخشوع القلب والجوارح لجلاله، فتعلوه السكينة والوقار في قلبه ولسانه وجوارحه.
والله عز وجل يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين:
أحدهما: النظر في مخلوقاته ومفعولاته.
الثاني: التفكر في آياته وتدبرها.
فتلك آياته المشهودة .. وهذه آياته المسموعة المعقولة.
فالنوع الأول كقوله سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)} [آل عمران: 190].
والثاني كقوله سبحانه: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} [النساء: 82].
والوحي روح ونور كما قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)} [الشورى: 52].
والحياة والنور موقوفان على نفخ الرسول الملكي .. ونفخ الرسول البشري.
ومن حصل له نفخ الرسول الملكي، دون نفخ الرسول البشري، حصلت له إحدى الحياتين، وفاتته الأخرى، كما قال سبحانه:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)} [الأنعام: 122].
ولم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام منه بزيادة أو نقصان كما قال سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)} [الإسراء: 82].
وقال سبحانه: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)} [البقرة: 26].
والإنسان إذا قرأ القرآن وكرره من غير فهم وعمل، كان كمن يكرر قراءة كتاب الملك كل يوم عدة مرات، وقد أمره فيه بعمارة مملكته، وهو تاركها أو مشغول بتخريبها، ومقتصر على قراءة كتابه.
فلو ترك القراءة مع المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء والمقت.
فالذي يتلو كتاب الله لمجرد التلاوة ويعطل أحكامه، كمثل الحمار يحمل أسفاراً، فكيف حال من لا يقرؤه ولا يهتم به؟:{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)} [الجمعة: 5].
إن العارف حقاً لا يقرأ القرآن لأجل المزيد من المعلومات فقط.
ولا لأجل الحصول على الثواب الموعود به على كل حرف فقط.
ولا تكون قراءته بقصد الاستمتاع بفصاحته، وتذوق بلاغته فقط.
بل يقرؤه مع ذلك لأجل أن يتلقى كلام رب العالمين، كلام ملك الملوك.
ويقرؤه كقراءة الجندي أو العبد الذي يقرأ كتاب رئيسه أو سيده ليعمل بمقتضاه، وينفذ وصاياه.
ويفرح به أعظم فرح، وبذلك تنفتح له كنوز العلم والمعرفة، وتحصل له بركاته، ويتيسر له العمل به دون إحساس أو تكلف.
بل يستلذه ويتمتع به، ويضحي بكل شيء من أجله، ويظهر أثره على قلبه وروحه وجوارحه.
فالقرآن العظيم بصائر لجميع الناس، وهدى وشفاء ورحمة بمعنى عام وبمعنى خاص.
ولهذا يذكر الله في القرآن هذا وهذا.
فهو هدى للعالمين، وهدى للمتقين .. وشفاء للعالمين، وشفاء للمؤمنين .. وموعظة للعالمين، وموعظة للمتقين.
فهو في نفسه هدى ورحمة، وشفاء وموعظة.
فمن اهتدى به واتعظ واشتفى كان بمنزلة من استعمل الدواء الذي يحصل به الشفاء، فهو دواء له بالفعل.
وإن لم يستعمله فهو دواء له بالقوة.
وكذلك الهدى، فالقرآن هدى بالفعل لمن اهتدى به، وبالقوة لمن لم يهتدِ به، وإنما يهتدي به ويُرحم المتقون الموقنون، فهو هدى لأن من شأنه أن يهدي كما قال سبحانه:{هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)} [آل عمران: 138].
فالله عز وجل هو الهادي، وكتابه هو الهدى الذي: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ
وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)} [المائدة: 16].
ويهدي به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
فالقرآن الكريم هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة.
وما كل أحد يوفق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم، لم يقاومه الداء أبداً.
وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء، الذي لو نزل على الجبال لصدعها أو على الأرض لقطعها كما قال سبحانه:{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)} [الرعد: 31].
فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وشفائه، وسببه، والحمية منه لمن رزقه الله فهماً في كتابه.
أما عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة، فسببه أنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول، واعتقاد الشفاء به، وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان.
فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور، إن لم يتلَقَّ هذا التلقي لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها.
بل لا يزيد المنافقين إلا رجساً إلى رجسهم، ومرضاً إلى مرضهم كما قال سبحانه:{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125)} [التوبة: 124، 125].
فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة.
وإعراض الناس عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن، الذي هو
الشفاء النافع.
وليس ذلك لقصور في الدواء، ولكن لخبث الطبيعة، وفساد المحل، وعدم قبوله.
قال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)} [الإسراء: 82].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْزَلَ الله دَاءً إِلَاّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» أخرجه البخاري (1).
وهذا يعم أدواء القلب والروح والبدن وأدويتها.
ولم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الأدواء من القرآن الكريم.
والله سبحانه جعل للإنسان حياتين:
حياة البدن بالروح، وهذه لازمة للحياة.
وحياة الروح والقلب بالنور، وهذه لازمة للنجاة.
قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)} [الشورى: 52].
فجعل سبحانه وحيه روحاً ونوراً، فمن لم يحييه بهذا الروح فهو ميت، ومن لم يجعل له نوراً منه فهو في الظلمات ما له من نور.
والقرآن كتاب الله أنزله لينذر من كان حياً.
والمقصود بإنزاله تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)} [ص: 29].
ولا شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن،
(1) أخرجه البخاري برقم (5678).
وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته.
فآيات القرآن تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما، وتريه طرقهما وأسبابهما، وغايتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما.
وتضع في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة.
وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتشيد بنيان الدين على جسده، وتريه صورة الدنيا والآخرة، وصورة الجنة والنار في قلبه.
وآيات القرآن تحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره بمواقع العبر، وتشهده عدل الله وإحسانه وفضله.
وآيات الكتاب العزيز تعرف الناس بربهم فيعرفون ذاته، ويعرفون أسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد القدوم عليه من الكرامة وتعرفهم في مقابل ذلك ثلاثة ضدها:
ما يدعو إليه الشيطان .. والطريق الموصلة إليه .. وما للمستجيب لدعوة الشيطان من الإهانة والعذاب في النار.
فهذه الأصول لا بدَّ للعبد من معرفتها ليميز بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه العالم.
فتريه الحق حقاً والباطل باطلاً، وتعطيه فرقاناً ونوراً يفرق به بين الهدى والضلال، والغي والرشاد.
وآيات القرآن نوعان:
خبر .. وطلب.
والخبر نوعان: خبر عن الخالق .. وخبر عن المخلوق.
فالخبر عن الخالق: ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله، ودينه وشرعه، وخلقه وأمره، وثوابه وعقابه.
والخبر عن المخلوق يكون بذكر مخلوقات وأحوال العالم العلوي كخلق السموات والملائكة والكواكب، وذكر مخلوقات وأحوال العالم السفلي كخلق
الأرض والجبال والبحار، وخلق الإنسان والحيوان والنبات والجماد، وذكر مخلوقات وأحوال اليوم الآخر كخلق الجنة والنار، وما فيهما من المخلوقات والمنازل.
والطلب نوعان: طلب فعل .. وطلب ترك.
وهو الدين الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم للناس كافة.
فطلب الفعل يكون بالأمر بفعل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة كالصلاة والزكاة، والذكر والدعاء.
وطلب الترك يكون بالنهي عن ما يبغضه الله ويكرهه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة كالكبائر والمحرمات، كالربا والزنى، وأكل أموال الناس بالباطل، والكذب والنفاق، وسائر المنكرات والمعاصي.
والنفوس البشرية قسمان:
نفوس بليدة جاهلة بعيدة عن عالم الغيب، غارقة في طلب اللذات الجسمانية.
ونفوس شريفة مشرقة بالأنوار الإلهية.
فبعثة الأنبياء والرسل في حق القسم الأول: إنذار وتخويف، فإنهم لما غرقوا في نوم الغفلة ورقدة الجهالة احتاجوا إلى موقظ يوقظهم، وإلى منبه ينبههم.
وأما في حق القسم الثاني: فتذكير وتنبيه؛ لأنه ربما غشيها غواش من عالم الجسم.
فالقرآن إنذار في حق طائفة، وذكرى في حق طائفة أخرى فهو:{وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46)} [المائدة: 46].
و {وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)} [الأعراف: 2].
وقد أنزل الله القرآن المتضمن للعقيدة والشريعة المطلوب اتباعها والتقوى فيها، رجاء أن ينال الناس حين يتبعونها رحمة الله في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه:{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)} [الأنعام: 155].
إن الناس اليوم في الجاهلية الحديثة الماكرة يطلبون حاجات نفوسهم
ومجتمعاتهم وطريقة حياتهم خارج هذا القرآن، كما كان الناس في الجاهلية القديمة يطلبون للإيمان خوارق ومعجزات غير هذا القرآن كما قال سبحانه عنهم:{أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)} [العنكبوت: 51].
فأما هؤلاء فقد كانت تحول جاهليتهم الساذجة وأهواؤهم ومصالحهم الذاتية دون رؤية الآيات الكونية الهائلة، والآيات الشرعية الكاملة في هذا الكتاب العظيم.
وأما أهل الجاهلية الحديثة فيحول بينهم وبين هذا القرآن العظيم غرور العلم البشري الذي فتحه الله عليهم في عالم المادة، وغرور التنظيمات والتشكيلات التي ظهرت مع تجدد الحياة، وتوالي التجارب، وتجدد الحاجات.
كما يحول بينهم وبين هذا القرآن كيد الأعداء من اليهود والنصارى، والصليبيين والمنافقين، الذي لم يكف لحظة واحدة عن حرب هذا الدين وكتابه القويم.
ومحاولة إلهاء أهله عنه، وإبعادهم عن توجيهه المباشر، وذلك بعدما علم هؤلاء الأعداء من تجاربهم الطويلة معه أن لا طاقة لهم بأهل هذا الدين ما داموا عاكفين على هذا الكتاب، عكوف الجيل الأول، لا عكوف التغني بآياته وحياتهم كلها بعيدة عن توجيهاته وسننه وأحكامه.
وهو كيد مطرد لئيم خبيث، ثمرته النهائية هذه الأوضاع التي يعيش فيها الناس اليوم، والتي تسر الشياطين، وتغضب الله رب العالمين.
ويتبع ذلك محاولات أخرى في كل مكان للتعفية على آثار هذا الدين بأساليب ماكرة، ولتدارس قرآن غير قرآنه، يرجع إليه في تنظيم الحياة كلها، ويرد إليه كل اختلاف، كما كان المسلمون يرجعون إلى كتاب الله في جميع أحوالهم.
وذلك بتحكيم القوانين والنظم التي يفترونها، ونبذ أحكام الله، ورفعها من منهج الحياة، فنبذوا كتاب الله، واتبعوا ما أمرتهم به الشياطين، وصفق لذلك المنافقون والمغرورون.
فواعجباً لهؤلاء وأولئك، ألا ما أعظم تلاعب الشيطان بالبشر.
هؤلاء أعرضوا عن الدين وأضلوا .. وأولئك ضلوا وخسروا.
والجميع في شقاء ووبال وسفال: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20)} [سبأ: 20].
فليهنأ من ثبت على دينه، وسار على هدى ربه وسنة رسوله، ففيهما البصائر والهدى والشفاء، والسعادة في الدنيا والآخرة:{قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)} [الأعراف: 203].
ولهذا أمرنا الله بتدبر القرآن، والتفكر في آياته، والعمل بما فيه، والمداومة على تلاوته، وحسن الاستماع له كما قال سبحانه:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)} [الأعراف: 204].
إن الاستماع لهذا القرآن والإنصات له هو الأليق بجلال هذا القول، وبجلال قائله سبحانه.
وإذا قال الملك الجبار الرحمن الرحيم كلاماً يوجه فيه عباده إلى ما ينفعهم ويحذرهم مما يضرهم، ويعرفهم بعظمته وجلاله، ويذكرهم بآلائه ونعمه، أفلا يستمعون وينصتون لعلهم يرحمون؟.
ألا ما أعظم خسارة البشرية حين يعرضون عن هذا القرآن الكريم.
إن الآية الواحدة منه لتصنع أحياناً في النفس حين تستمع له وتنصت أعاجيب من الانفعال والتأثر والاستجابة، والطمأنينة والراحة، ما لا يدركه إلا من ذاق ذلك وعرفه:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)} [الأنفال: 2].
لقد حاول أعداء هذا الدين أن يصرفوا الناس عن هذا القرآن نهائياً منذ نزوله إلى يومنا هذا كما قال سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)} [فصلت: 26].
فلما عجزوا حولوه إلى تراتيل يترنم بها القراء، ويطرب لها المستمعون، ولم
يعد القرآن في حياة الناس هو مصدر التوجيه والاتباع.
فقد صاغ لهم أعداء الدين أبدالاً منه، يتلقون منها التوجيه في شئون الحياة كلها، ويسمون أنفسهم مسلمين، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)} [البقرة: 85].
ولكن القرآن ما يزال يعمل من وراء كيد هؤلاء الأعداء، وسيظل يعمل؛ لأن الله تكفل بحفظه، وسينصر أهله ما حكموه في حياتهم، ويهلك أعداءهم:{فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)} [القلم: 44، 45].
والقرآن الكريم كتاب كامل شامل، أنزله الله ليكون منهج حياة للبشرية إلى يوم القيامة.
ومن يدرك القرآن على حقيقته لا يخطر بباله أن يطلب سواه، أو يطلب تبديل بعض أجزائه.
لكن الذين يجهلون حقيقة القرآن ولا يرجون لقاء الله يطلبون طلباً عجيباً: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)} [يونس: 15].
فالقرآن الذي أنزله خالق الكون كله وما فيه، وخالق الإنسان هو الحق الذي لا حق سواه؛ لأن الله أعلم بما يصلح الإنسان، فما يكون للرسول ولا يحق له ولا لغيره أن يبدله من تلقاء نفسه.
وإنْ هو إلا مبلغ للوحي من ربه ومتبع له، وكل تبديل فيه أو تحريف معصية وراءها عذاب يوم عظيم.
وهذا القرآن العظيم بما فيه من الآيات والمعجزات .. والأخبار والأوامر ..
وتنظيم حياة البشر .. وبيان طبيعة البشر .. وطبيعة الحياة .. وطبيعة الكون وتصريفه وتدبيره .. وأحوال اليوم الآخر وقصص الأنبياء مع أممهم .. كل ذلك لا يمكن أن يكون مفترى من دون الله.
لأن قدرة واحدة هي التي تملك الإتيان به هي قدرة الله عز وجل، القدرة المطلقة التي تحيط بالأوائل والأواخر، والظواهر والبواطن، وتضع المنهج الكامل المبرأ من النقص والقصور، ومن آثار العجز والجهل:{وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37)} [يونس: 37].
إن هذا القرآن يجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة قضايا كونية كبرى، يبين فيها عظمة الخالق وقدرته، وينشئ بها عقيدة قوية صافية، وتصوراً كاملاً للوجود.
كما يجعل فيها منهجاً للتفكير والنظر، وحياة للأرواح والقلوب، ويقظة في المشاعر والحواس، فيتحقق التوحيد، ويزيد الإيمان، وتطمئن القلوب، وتنقاد الجوارح للطاعة والعبادة:{نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)} [الواقعة: 57 - 74].
إن الله عز وجل ينشئ العقيدة بعرض آيات قدرته في خلق الناس، وفي زرعهم الذي تزاوله أيديهم، وفي الماء الذي يشربون، وفي النار التي يوقدون، والموت الذي يشاهدون، ليقف الناس وجهاً لوجه أمام القدرة المطلقة المتصرفة.
فيرون كل وقت عظمة الرب، وكمال قدرته، وجمال صنعه.
إنه لا يكل الناس إلى الخوارق والمعجزات الخاصة المعدودة، إنما يكلهم إلى مألوفات حياتهم التي يشاهدونها كل يوم، ولكنهم يغفلون عنها لطول إلفهم لها، فيغفلون عن مواضع الإعجاز فيها.
فالمشاهدات المألوفة التي يراها الناس كل يوم، النسل والزرع، والماء والنار، والحياة والموت، فأي إنسان لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟.
أي ساكن كهف؟ .. وأي راع للغنم؟ .. وأي عالم ذرة؟ .. وأي عالم طبيعة؟ .. وأي عالم وأي جاهل؟.
أي واحد من هؤلاء وغيرهم على اختلاف مستوياتهم وأفكارهم، لم يشهد نشأة حياة حيوانية، ونشأة حياة نباتية، ومسقط ماء، وموقد نار، ولحظة وفاة.
من هذه المشاهدات والكائنات الهائلة التي يراها الإنسان، ينشئ القرآن العقيدة، وهي في بساطتها تخاطب فطرة كل إنسان، وتواجهه يومياً، فماذا يريد البشر فوق هذا؟:{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6)} [الجاثية: 6].
وهذا القرآن العظيم من أنزله؟ .. ومن أحكمه؟ .. ومن فصّله؟: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)} [هود: 1].
وماذا تضمنت آياته؟.
لقد تضمنت أمهات العقيدة وأصولها التي جاء القرآن يقررها، ويقيم عليها الأمة وهي:{أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)} [هود: 2 - 4].
{أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} فهو توحيد العبودية والطاعة لله سبحانه.
{إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2)} فهي الرسالة وما تضمنته من بشارة ونذارة.
{وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} فهي العودة إلى الله من الشرك والمعصية إلى
التوحيد والطاعة.
{يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} فهو الجزاء للتائبين المستغفرين.
{وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)} فهو الوعيد للمتولين.
{إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} فهي الرجعة إلى الله في الدنيا والآخرة.
{وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)} فهي قدرة الله المطلقة، والسلطان الشامل على الكون وما فيه.
هذا هو الكتاب، وهذه هي الأصول التي يدعو إليها:
إيمان وتوحيد .. وبشارة ونذارة .. وعبادة ودعوة .. واستغفار وتوبة .. وثواب لأهل الطاعة .. وعقاب لأهل المعصية .. وعودة إلى الله القدير ليحكم بين العباد.
وكتاب الله عز وجل حق بذاته، وليس لأحد أن يتلمس للنصوص القرآنية مصداقاً من النظريات التي تسمى علمية حتى ولو كان ظاهر النص يتفق مع النظرية.
فالنظريات العلمية قابلة دائماً للانقلاب رأساً على عقب.
أما القرآن فهو حق صادق بذاته، سواء اهتدى العلم إلى الحقيقة التي يقررها أم لم يهتد.
إن تلمس البعض موافقات من النظريات العلمية للنصوص القرآنية هو هزيمة لجدية الإيمان بهذا القرآن، واليقين بصحة ما فيه، وأنه من لدن حكيم خبير.
وهو هزيمة ناشئة من الفتنة بالعلم، وإعطائه أكثر من مجاله الطبيعي، الذي لا يصدق ولا يوثق به إلا في حدود دائرته.
فلينتبه إلى دبيب الهزيمة في نفسه من يحسب أنه بتطبيق القرآن على العلم يحسب أنه يخدم القرآن، ويخدم العقيدة، ويثبت الإيمان.
إن الإيمان الذي ينتظر كلمة العلم الإنساني المتقلبة ليثبت لهو إيمان يحتاج إلى
إعادة النظر فيه.
إن القرآن هو الأصل، وهو الذي يهدي للتي هي أقوم، والنظريات العلمية توافقه أو تخالفه سواء، وهو الحق بذاته:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} [فصلت: 41، 42].
والقرآن الكريم هو كتاب الله للعالمين إلى يوم القيامة، يهدي للتي هي أقوم في جميع مجالات الحياة كما قال سبحانه:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9].
يهدي للتي هي أقوم في عالم الروح والقلوب بالإيمان بالعقيدة الواضحة التي لا تعقيد فيها ولا غموض، والتي تطلق الروح من عالم الوهم والخرافة، وتطلق الطاقات البشرية للعمل والبناء.
ويهدي للتي هي أقوم في التأليف بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم، متطلعة إلى أعلى وهي مستقرة على الأرض، وإذا العمل عبادة متى توجه به الإنسان إلى الله.
ويهدي هذا القرآن للتي هي أقوم في مجال العبادة بالموازنة بين الأوامر الشرعية والطاقة البشرية.
فلا تشق الأوامر على النفس حتى تمل وتيأس من الوفاء.
ولا تسهل وتترخص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار، ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال.
ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض أفراداً وأزواجاً، وحكومات وشعوباً، ويقيم هذه العلاقات على أصول عادلة ثابتة لا تتأثر بالرأي والهوى، ولا تميل مع المودة والشنآن، ولا تصرفها المصالح والأغراض.
هذه الأصول التي أقامها العليم الخبير لخلقه، وهو أعلم بمن خلق، وأعرف بما
يصلح لهم في كل أرض، وفي كل جيل.
فيهديهم من يملك الهدى وحده للتي هي أقوم في نظام الحكم، ونظام المال، ونظام الاجتماع، والنظام الفردي اللائق بعالم الإنسان.
ويهدي للتي هي أقوم بربط كل إنسان بنفسه وعمله، إن اهتدى فلها، وإن ضل فعليها، وما من نفس تحمل وزر أخرى، إنما يسأل كل أحد عن عمله، ويجزى كل بعمله:{مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)} [الإسراء: 15].
ويهدي القرآن للتي هي أقوم ببناء الأسرة على الوضوح والعفة، فيأمر باختيار الزوجة الصالحة، وإعلان هذا الزواج بين الناس.
وينهى عن الزنا؛ لأن في الزنا قتلاً من نواح شتى:
ففيه إراقة لمادة الحياة في غير موضعها، يتبعه غالباً التخلص من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلق، أو بعد أن يتخلق، أو بعد مولده.
وإذا تُرك الجنين للحياة تُرك في الغالب لحياة شريرة، أو حياة مهينة في المجتمع.
وهو قتل للجماعة التي يفشو فيها، فتضيع الأنساب، وتختلط الدماء، وتزول الثقة في العرض والولد.
وهو قتل للجماعة من جانب آخر، إذ أن سهولة قضاء الشهوة عن طريقه، يجعل الحياة الزوجية نافلة لا ضرورة لها، ويجعل الأسرة تبعة لا داعي لها، والأسرة هي المحضن الصالح للمواليد الناشئة، لا تصح فطرتها ولا تسلم تربيتها إلا فيه.
ولذلك يحذر القرآن من مجرد مقاربة الزنا؛ لأن الزنا تدفع إليه شهوة خفية، فالتحرز من المقاربة أضمن:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)} [الإسراء: 32].
ومن ثم يأخذ الإسلام الطريق على أسبابه الدافعة توقياً للوقوع فيه.
فينهى عن الاختلاط في غير ضرورة، ويحرم الخلوة، وينهى عن التبرج بالزينة.
ويحض على الزواج لمن استطاع، ويوصي بالصوم لمن لا يستطيع.
وينهى عن الحواجز التي تمنع من الزواج كالمغالاة في المهور، وينفي الخوف من العيلة والإملاق بسبب الأولاد.
ويحض على إعانة من يرغب في الزواج، ويوقع أشد العقوبة على جريمة الزنا حين تقع، وعلى رمي المحصنات دون برهان.
وذلك ليحفظ المجتمع من التردي والانحلال، وما من أمة فشت فيها الفاحشة إلا صارت إلى انحلال وهلاك ودمار.
وهو يهدي للتي هي أقوم في حفظ النفوس والأمم.
فالإسلام دين السلام والحياة، وقتل النفس عنده كبيرة تلي الشرك بالله، فالله واهب الحياة، وليس لأحد غير الله أن يسلبها إلا بإذنه، فلا تقتل إلا بالحق.
وهذا الحق الذي يبيح قتل النفس محدود بيِّن لا غموض فيه، وليس متروكاً للرأي، ولا متأثراً بالهوى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلا الله وَأنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمفارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ» متفق عليه (1).
فالأول: القصاص العادل الذي يحفظ حياة الأمة، ويدفع عنها الشر، وإراقة الدماء.
والثاني: دفع للفساد القاتل في انتشار الفاحشة.
والثالث: دفع للفساد الروحي الذي يشيع الفوضى في الجماعة، ويهدد أمنها، ونظامها الذي اختاره الله لها.
فمن قتل بغير واحد من الأسباب الثلاثة، فقد جعل لوليه سلطاناً على القاتل، إن
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (6878)، ومسلم برقم (1676) واللفظ له.
شاء قتله، وإن شاء عفا على الدية، وإن شاء عفا عنه بلا دية:{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33)} [الإسراء: 33].
وهو يهدي للتي هي أقوم بالتثبت من كل خبر، ومن كل ظاهرة، ومن كل حركة قبل الحكم عليها، فالإسلام دين الوضوح والاستقامة، لا يقوم شيء فيه على الظن أو الوهم أو الشبهة:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)} [الإسراء: 36].
وقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)} [الحجرات: 6].
إن القلب والعقل متى استقاما على هذا المنهج العظيم لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم العقيدة، ولم يبق مجال للظن والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتعامل، ولم يبق مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب.
فالإنسان أين كان ومن كان مسئول عن سمعه وبصره وفؤاده أمام واهب السمع والبصر والفؤاد.
فلا يقول الإنسان كلمة ولا يروي حادثة ولا ينقل رواية ولا يحكم حكماً ولا يبرم أمراً إلا وقد تثبت منه؛ لأنه مسئول عنه.
ويهدي للتي هي أقوم في معرفة الرسل، والإيمان بهم، والإيمان بما جاءوا به من كتب من عند الله:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10)} [الإسراء: 9، 10].
فأما الذين لا يهتدون بهدي القرآن فهم متروكون لهوى الإنسان العجول، الجاهل بما ينفعه وما يضره:{وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11)} [الإسراء: 11].
وهذا الكتاب العزيز ينبغي أن يكون هو كتاب الذكر والوعظ: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)} [الأنبياء: 50].
وأن يكون كتاب التعليم كما قال سبحانه: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79)} [آل عمران: 79].
وأن يكون كتاب العمل كما قال سبحانه: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)} [الأنعام: 155].
وأن يكون كتاب الدعوة إلى الله، الذي يعتمد عليه الدعاة إلى الله قبل الاتجاه إلى مصدر سواه.
والذي ينبغي لهم بعد ذلك أن يتعلموا منه كيف يدعون الناس إلى ربهم؟.
وكيف يوقظون القلوب الغافية؟ .. وكيف يحيون الأرواح الخامدة .. وكيف يلينون القلوب القاسية؟.
إن الذي أوحى بهذا القرآن هو الله، خالق هذا الإنسان، العليم بطبيعة تكوينه، فهو يعرض عليه:
تارة النظر في الآيات الكونية .. وتارة النظر في الآيات الشرعية .. وتارة يرغبه في الجنة .. وتارة يحذره من النار .. وتارة يخاطب فطرته .. وتارة يخاطب عقله .. وتارة يذكره بعظمة الله بذكر أسمائه وصفاته .. وتارة يذكره بنعمه وإحسانه إلى عباده .. وتارة يذكره بالموت والحياة: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)} [الأنعام: 19].
وكما أن عليهم أن يتبعوا منهج الله في البدء بالتوحيد، وتقرير ألوهية الله وربوبيته، فإنهم كذلك يجب أن يسلكوا إلى القلوب طريق هذا القرآن في تعريف الناس بربهم الحق، كيفما تنتهي هذه القلوب إلى الدينونة لله وحده، والاعتراف بربوبيته لعباده، والحكم له فيهم.
فهو الذي له الخلق والأمر، وله العبودية والطاعة من جميع خلقه.
والكفار في أنحاء الأرض لا يدركون وظيفة هذا الكتاب، لا يدركون أنه جاء لإنشاء مجتمع عالمي إنساني، وبناء أمة تقود هذا المجتمع العالمي، وأنه الرسالة الخيرة للبشرية من ربها.
وأن الله الذي خلق البشر عليم بما يصلح لهم من المبادئ والشرائع، وإذا كان أكثر المسلمين لا يدركون وظيفة هذا الكتاب، ولا يدركون وظيفتهم في دينهم فكيف تكون حالهم وحال غيرهم؟.
إن مثل آيات هذا الكتاب العظيم كمثل الدواء يعطى منه للمريض جرعات حتى يشفى، ثم ينصح بأطعمة أخرى تصلح للبنية العادية في الظروف العادية:{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)} [البقرة: 106].
والمشركون لا يدركون ذلك، ولذلك يتهمون الرسول صلى الله عليه وسلم بالكذب والافتراء، وهو الصادق الأمين الذي لم يعهدوا عليه كذباً قط:{وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)} [النحل: 101، 102].
فإذا بدل سبحانه آية انتهى أجلها وتحقق مرادها، وأتى بآية أخرى أصلح للحالة الجديدة التي صارت إليها الأمة، فهو العليم الخبير، والشأن له في ملكه وخلقه وأمره:{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)} [الأعراف: 54].
وقد كان كفار مكة يستمعون إلى القرآن، ولكنهم يجاهدون قلوبهم ألا ترق له، ويمانعون فطرتهم أن تتأثر به، فجعل الله بينهم وبين الرسول حجاباً مخفياً لا يظهر للعيون، ولكن تحسه القلوب، فإذا هم لا ينتفعون به، ولا يهتدون بالقرآن الذي يتلوه:{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45)} [الإسراء: 45].
ولقد كان كبراء قريش أذكى من أن يخفى عليهم ما في عقائدهم من تهافت، وما
في الإسلام من تماسك، وما في القرآن من سمو وارتفاع، ولكنه الكبر والجحود والحسد:{قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)} [الأنعام: 33].
ولقد كانوا ينفرون من كلمة التوحيد التي تهدد وضعهم الاجتماعي، والفطرة تدفعهم إلى التسمع والتأثر، والكبرياء تمنعهم من التسليم والانقياد:{وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46)} [الإسراء: 46].
وكما أن الروح من الأسرار التي اختص الله بعلمها، كذلك القرآن كلام الله الذي اختص الله بعلمه وتنزيله، ولا يملك الخلق محاكاته، ولا يملك الإنس والجن- وهما يمثلان الخلق الظاهر والخفي- أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله، ولو تظاهروا وتعاونوا في هذه المحاولة:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)} [الإسراء: 88].
فلا يمكن للبشر ولا للجن ولا لغيرهم أن يأتوا بمثله، وهو كالروح من أمر الله، لا يدرك الخلق سره الشامل الكامل، وإن أدركوا بعض أوصافه وخصائصه وآثاره.
ولقد أنزل الله هذا القرآن ليربي أمة، وينشئ مجتمعاً، ويقيم نظاماً، والتربية تحتاج إلى زمن وإلى تأثر وإلى انفعال، وإلى حركة تترجم التأثر والانفعال إلى واقع.
والنفس البشرية لا تتحول تحولاً كاملاً شاملاً بين يوم وليلة بقراءة كتاب كامل شامل لمنهج الحياة.
إنما تتأثر يوماً بعد يوم بطرف من هذا المنهج، وتتدرج في مراقيه رويداً رويداً، وتعتاد على حمل تكاليفه شيئاً فشيئاً.
فلا تجفل منه كما تجفل لو قدم لها ضخماً ثقيلاً عسيراً.
ومن هنا ندرك جهل الكفار في طلبهم إنزال القرآن جملة واحدة كما قال الله
عنهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)} [الفرقان: 32].
وفي المحسوس المشاهد النفس تنمو في كل يوم بالوجبة المغذية، فتصبح في اليوم التالي أكثر استعداداً للانتفاع بالوجبة التالية، وأشد قابلية لها والتذاذاً بها.
لقد جاء كتاب الله الكريم بمنهاج شامل للحياة كلها، وجاء في الوقت ذاته بمنهاج للتربية يوافق الفطرة البشرية عن علم بها من خالقها، فجاء لذلك منجَّماً وفق الحاجات والاستعدادات التي تستجد وتنمو يوماً بعد يوم.
جاء ليكون كتاب عمل، وليكون منهج تربية، ومنهج حياة، لا ليكون كتاب ثقافة يُقرأ لمجرد اللذة، أو لمجرد المعرفة.
جاء لينفذ حرفاً حرفاً، وكلمة كلمة، وآية آية، وسورة سورة.
جاء لتكون آياته هي الأوامر اليومية التي يتلقاها المسلمون في حينها، ليعملوا بها فور تلقيها في جميع شئون حياتهم.
ولقد حقق القرآن بمنهجه ذاك الجمال والجلال، والعظمة والهيبة في حياة الأمة التي تلقته بالقبول والعمل.
فلما غفل المسلمون عن هذا المنهج، وزحزحوا عنه، وزهدوا بما فيه من البركات والثمرات، وقعوا على جيفة الدنيا، وموائد الشيطان، واتخذوا القرآن كتاب متاع للثقافة، وكتاب تعبد للتلاوة فحسب، وأحياناً تفتتح الجلسات والحفلات بآيات منه، ولم يتخذوه منهج تربية للانطباع والتكيف، ولا منهج حياة للعمل والتنفيذ، فلم ينتفعوا من القرآن بشيء، وحرموا بركته؛ لأنهم خرجوا عن منهجه الذي رسمه العليم الخبير.
فيا ويح هذه الأمة ماذا خسرت، وماذا فقدت حين أعرضت عن مصدر هدايتها وعزتها؟.
إن الله تبارك وتعالى كما أنزل من السماء ماء طهوراً، يغسل وجه الأرض بالماء الطهور، الذي ينشئ الحياة في الموات، ويسقي الأناسي والأنعام، كذلك هو
سبحانه أنزل القرآن لتطهير القلوب والأرواح وإحيائها: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50)} [الفرقان: 48 - 50].
فوا عجباً لهؤلاء البشر، كيف يستبشرون بالماء المحيي للأجسام، ولا يستبشرون بالقرآن المحيي للقلوب؟.
إن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم مهمة شاقة ضخمة، فهو يواجه البشرية كلها، وأكثرها أضله الهوى، وأبى إلا الكفر، ودلائل الإيمان حاضرة أمامه.
والله قادر على أن يبعث في كل قرية نذيراً، فتوزع المهمة، وتخف الشقة، ولكن الله اختار لها عبداً واحداً هو خاتم الرسل.
وكلفه إنذار القرى جميعاً، لتتوحد الرسالة الأخيرة، فلا تتفرق على ألسنة الرسل في القرى المتفرقة، وأعطاه القرآن أعظم الكتب وآخرها، ليجاهدهم به، ويحكمه في حياتهم.
ففيه من القوة والسلطان والتأثير العميق والجاذبية التي لا تقاوم ما كان يهز القلوب هزاً، يجاهدهم بقوة لا يقف لها كيان البشر، ولا يثبت لها جدال أو محال:{وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)} [الفرقان: 51، 52].
والله عز وجل قادر على أن يلوي أعناق الكفار إلى الإيمان كرهاً بآية قاهرة، تقسرهم عليه قسراً:{إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4)} [الشعراء: 4].
لكنه سبحانه لم يشأ أن يجعل مع هذه الرسالة الأخيرة آية قاهرة يراها جيل من الناس، بل جعل آيتها دائمة يراها كل البشر، وهي القرآن الكريم، الذي هو منهج حياة كاملة، ومعجز في كل ناحية.
ذلك أن هذه الرسالة الأخيرة مفتوحة للأمم كلها، وللأجيال كلها، وليست مغلقة على أهل زمان أو أهل مكان.
فناسب أن تكون معجزتها مفتوحة لكل أمة في مشارق الأرض ومغاربها، ومعروضة على كل جيل من أجيال البشرية إلى يوم القيامة:{أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)} [العنكبوت: 51].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنَ الأنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْياً أوْحَاهُ الله إِلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» متفق عليه (1).
فالمعجزات القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها، ثم تبقى بعد ذلك قصة تروى لا واقعاً يُشهد ويُرى.
فأما القرآن فهو كتاب مفتوح، ومنهج مرسوم، يستمد منه أهل كل زمان ما يقوم حياتهم، ويلبي حاجاتهم كاملة، ويقودهم بعدها إلى عالم أفضل، وأفق أعلى، ويعطي لكل طالب بقدر حاجته.
فكيف يليق بالإنسان أن يعرض عن هذا القرآن العظيم؟.
وكيف يجهل عظيم رحمة الله بتنزيل هذا الذكر الحكيم؟.
ألا ما أحوج البشرية إلى كتاب يهديها إلى ربها، وينظم حركة حياتها.
فإذا جاء من ربها ورفضته، وحرمت نفسها منه، وهي أحوج ما تكون إليه، فهذا فعل مستقبح كريه، وأهله جديرون بالعقاب والعذاب، وسيعاقبهم الله؟.
فما أعجب هؤلاء البشر: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6)} [الشعراء: 5، 6].
إنهم يطلبون آية خارقة، ويغفلون عن آيات الله الباهرة:{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8)} [الشعراء: 7، 8].
وفي آيات الكون غنى ووفرة وكفاية، ولكن رحمة الله تقتضي أن يبعث الرسل،
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (4981)، واللفظ له، ومسلم برقم (152).
وينزل الكتب، للتبصير والتنوير، والتبشير والإنذار:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65)} [الحج: 65].
والله سبحانه أنزل الكتاب بالحق، وهو الحق الذي يدعو إلى الحق:{وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31)} [فاطر: 31].
ودلائل الحق في القرآن جلية واضحة، وهو مصدق لما قبله من الكتب السابقة الصادرة من مصدره كالتوراة والإنجيل.
هذا هو الكتاب في ذاته، وقد أورثه الله لهذه الأمة المسلمة، واصطفاها لهذه الوراثة، وأكرمها بذلك، ثم أكرمها بفضله في الجزاء حتى لمن أساء كما قال سبحانه:{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)} [فاطر: 32].
فالفريق الأول: هو الأكثر عدداً ظالم لنفسه، تربو سيئاته على حسناته.
والثاني: وسط مقتصد، حسناته تعادل سيئاته.
والثالث: سابق بالخيرات بإذن الله، تربو حسناته على سيئاته.
ولكن فضل الله شمل الثلاثة جميعاً.
فكلهم جميعاً انتهى إلى الجنة وإلى النعيم، على تفاوت في الدرجات، ذلك هو الفضل الكبير.
وفي الجانب الآخر الكفار، حيث العذاب والقلق والاضطراب:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)} [فاطر: 36].
إنهما صورتان متقابلتان:
صورة الأمن والراحة .. تقابلها صورة القلق والاضطراب.
ونعمة الشكر والدعاء .. تقابلها ضجة الصراخ والنداء.
ومظهر العناية والتكريم .. يقابله مظهر النسيان والتأنيب.
والكتاب الذي أنزله الله: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69)} [يس: 69].
فهو ذكر وقرآن، وهما صفتان لشيء واحد.
ذكرٌ بحسب وظيفته، وقرآنٌ بحسب تلاوته، فهو ذكر لله يشتغل به القلب، وهو قرآن يتلى ويشتغل به اللسان.
وهو منزل ليؤدي وظيفة محددة: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70)} [يس: 70].
ينذر من به حياة فيجدي فيهم الإنذار، فأما الكافرون فهم موتى لا يسمعون النذير، ولو سمعوا ما استجابوا.
ووظيفة القرآن بالنسبة إليهم هي تسجيل الاستحقاق للعذاب، فإن الله لا يعذب أحداً حتى تبلغه الرسالة، ثم يكفر عن بينة، ويهلك بلا حجة ولا معذرة.
والقرآن الكريم كلام الله عز وجل، جعله عربياً حين اختار العرب لحمل هذه الرسالة، ولما يعلمه من صلاحية هذه الأمة، وهذا اللسان لحمل هذه الرسالة ونقلها للعالمين.
ولهذا القرآن عند الله مكانة عظيمة، فهو كتاب الله للبشرية إلى أن تقوم الساعة:{إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4)} [الزخرف: 3، 4].
فهل يشعر القوم الذين جعل الله القرآن بلسانهم بقيمة الهبة الضخمة التي وهبها الله إياهم؟.
وهل يتذكرون قيمة النعمة التي أنعم الله بها عليهم؟.
وقد كان عجيباً وما يزال، أن يعنى الله في عظمته وعلوه وغناه بهذا الفريق من البشر، فينزل لهم كتاباً بلسانهم، يحدثهم بما في نفوسهم، ويصلح أحوالهم، ويبين لهم طريق الهدى.
ثم هم بعد ذلك يهملون ويعرضون، ولكن الله رحيم لم يعاجلهم بالعقوبة وهم مستحقون للإهمال والإعراض:{أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5)} [الزخرف: 5].
والقرآن العظيم كله محكم، مشتمل على غاية الإتقان والإحكام، والعدل والإحسان كما قال سبحانه:{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)} [هود: 1].
وكل القرآن متشابه في الحسن والبلاغة، وتصديق بعضه لبعض كما قال سبحانه:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)} [الزمر: 23].
وآيات القرآن نوعان:
آيات محكمات .. وآيات متشابهات.
فالآيات المحكمات: هي الواضحات الدلالة، ليس فيها شبهة ولا إشكال، وهي أم الكتاب وأصله الذي يرجع إليه كل متشابه، وهي معظمه وأكثره.
ومنه آيات متشابهات، يلتبس معناها على كثير من الأذهان، لكون دلالتها مجملة، أو يتبادر إلى الأفهام غير المراد منها.
فالواجب رد المتشابه إلى المحكم، والخفي إلى الجلي، وبهذا يزول الإشكال والتعارض.
وكل من المحكم والمتشابه من عند الله، وما كان من عند الله فليس فيه تعارض ولا تناقض، بل هو متفق يصدق بعضه بعضاً، ويشهد بعضه لبعض.
والواجب أن نعمل بمحكمه، ونؤمن بمتشابهه:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)} [آل عمران: 7].
وكل من المحكم والمتشابه ابتلاء للعقل، يفهم أشياء ويعمل بها، ولا يفهم أشياء فيجب أن يؤمن بها؛ لأن الله قالها، وعليه الانقياد والتسليم في الحالين.
والقرآن الكريم ذكر يذكر الله به عباده بما يصلحهم في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه:{إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28)} [التكوير: 27، 28].
فالقرآن الكريم يذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله .. ويذكرهم بحقوق الرب على عباده .. ويذكرهم بالمبدأ والمعاد .. ويذكرهم بالخير ليقصدوه .. وبالشر ليجتنبوه .. ويذكرهم بنفوسهم وما تكمل به.
ويذكرهم بالطاعات ليفعلوها .. ويذكرهم بالمعاصي والشرور ليحذروها ..
ويذكرهم بعدوهم وكيف يحترزون منه؟.
ويذكرهم برحمة الله ليسألوه إياها .. ويذكرهم بشدة بطشه ليتقوا غضبه .. ويذكرهم بالنعم ليشكروها .. وبإكرامه لمن أطاعه .. وانتقامه ممن عصى أمره .. وكذب رسله.
وقد بين الله عز وجل في القرآن أصول الأخلاق التي تحقق السعادة في الدنيا والآخرة، وزين بها أفضل خلقه وأحسنهم وأجملهم محمداً صلى الله عليه وسلم، فكان أحسن الناس خَلْقاً وخُلُقاً؛ لأن خلقه القرآن، يتأدب بآدابه، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويعمل بأوامره، ويجتنب نواهيه، ويتخلق بأخلاقه.
وهذه الأخلاق التي وردت في القرآن:
منها ما يتعلق بالفرد والأسرة .. ومنها ما يتعلق بالمجتمع والشعب .. ومنها ما يتعلق بالحاكم والدولة، وهذه الأخلاق موجهة للبشرية قاطبة، لتأخذ بها وتتجمل بها، وتعمل بها، وتدعو إليها، فهي خير أمة أخرجت للناس، وهذه الأخلاق العالية هي التي تميزها عن الناس.
فقد أمر الله سبحانه الفرد بالتحكم في شهواته، وكظم غيظه، وأمر بالصدق والأمانة .. والحلم والعفو .. والرأفة والرحمة .. والعطف والحب .. والثبات والصبر .. والعدل والإحسان .. والتواضع والرفق .. والمبادرة إلى الصالحات ..
والمنافسة في الخيرات، والإحسان وصلة الأرحام.
ونهى الإنسان عن رديء الأخلاق وسيئها:
فنهاه عن الكذب والنفاق .. والرياء والخداع .. والكبر والعجب .. والفخر والاختيال .. والحسد والحقد .. والحرص والطمع .. والتعلق بالدنيا .. وسوء الظن .. وتناقض الأعمال والأقوال .. والسب والاستهزاء .. والسخرية والتعيير .. والقتل بغير حق .. وأكل المحرمات .. وتناول الخبائث .. وظلم العباد.
ونهاه عن الغيبة والنميمة .. وعن الزنا .. وأكل الربا .. وشرب الخمر .. وكل فاحشة .. وكل إثم وبغي .. وكل كسب حرام .. إلخ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)} [النحل: 90].
وفي مجال الأسرة أمر الله عز وجل في القرآن الكريم بالإحسان إلى الوالدين وطاعتهما .. وبين واجبات وحقوق كل من الزوجين .. وبين واجب الوالدين نحو الأولاد .. وواجب الأولاد نحو الوالدين .. وبين المحرمات من النساء .. وكيفية الزواج وشروطه .. وحسن المعاشرة .. وأحكام النفقة .. وأحكام المواريث والوصايا .. وأحكام الطلاق .. وأحكام العدة .. وأصول التربية، وآداب الأكل والنوم والضيافة ونحو ذلك.
أما أصول أخلاق المجتمع، فقد قررها القرآن في أكمل صورة وأحسنها، فقد أمر باحترام الجار .. وإكرام الضيف .. وحسن المعاملات .. وصلة الأرحام .. وأداء الأمانة .. والوفاء بالعهد .. وإصلاح ذات البين .. والإحسان إلى الفقراء .. والرفق بالضعفاء .. والعفو عن المسيء .. والإعراض عن الجاهلين .. إلخ.
ونهى القرآن عن قتل النفس بغير حق، وعن الغدر والخداع، والكذب وشهادة الزور .. وكتمان الحق والجهر بالسوء.
ونهى قبل ذلك عن الشرك وعبادة الأصنام والأوثان والأشخاص.
وحرم السرقة والغش .. والنهب والاختلاس .. وأكل مال اليتيم .. وخيانة
الأمانة .. والظلم والإيذاء .. والتواطؤ على الشر .. والنظر إلى عورات المسلمين .. وفتنة المؤمنين والمؤمنات .. والسب والقذف .. والصد عن سبيل الله .. إلخ.
وكانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم حافلة بالمواقف التي تدل على حسن الخلق، وحسن المعاملة مع الشعوب المسلمة وغير المسلمة في جميع جوانب الحياة؛ لتأليف قلوبهم، وجذبهم بتلك الأخلاق من الرحمة والعفو، والإحسان، والإكرام، والحلم والصبر للدخول في الإسلام، راغبين لا مكرهين.
أما ما يتعلق بالحاكم والدولة، فقد بين الله في القرآن واجبات الحاكم وحقوقه:
فأمر الله في كتابه الحاكم المسلم أن يجعل سياسته حسب مراد الله، ومن هنا كانت السياسة في الإسلام عبادة من العبادات، لها أوامر وسنن وأحكام وآداب.
فأمر الله الحاكم بالحكم بالحق والعدل .. ورغبه في العفو والإحسان .. وأمره بالصبر والرفق .. وإقامة الحدود .. والاهتمام بمصالح المسلمين .. وأداء الحقوق .. والاهتمام بالرعية والنصح لهم .. والعناية بتعليمهم .. وتفقد أحوالهم .. والإحسان إليهم وامتثال أوامر الله في كل حال .. والدعوة إلى الله .. والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله .. والحكم بما أنزل الله.
ونهاه عن الدجل والنفاق .. والخداع والكذب .. والظلم والغش .. واتباع الهوى .. وأكل الأموال بالباطل .. والاستكبار في الأرض .. والحكم بغير ما أنزل الله .. واجتناب كل ما نهى الله عنه: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)} [ص: 26].
فما أحسن هذا الكتاب، وما أعظم الرب الذي أنزله، وما أحسن الآداب والسنن والأحكام التي اشتمل عليها، وما أعظم الأخلاق العالية التي يدعو إليها:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)} [النحل: 89].
وقد بين الله عز وجل في القرآن أصول دعوة الأنبياء بالتفصيل، وبين كيفية عرض الإسلام على الأفراد والأمم والحكام .. وعلى الأقوياء والضعفاء .. وعلى الأغنياء والفقراء وغيرهم.
فذكر قصص الأنبياء مع أممهم، وبين كيف نصر الله رسله وأتباعهم .. وكيف خذل ودمر من عاندهم وآذاهم.
سواء كان حاكماً كفرعون ونمرود .. أو فرداً كقارون .. أو شعباً .. أو قبيلة .. أو أمة .. أو عائلة .. أو قوماً كعاد وثمود وغيرهما.
والقرآن الكريم كما أنه كتاب توحيد وإيمان، كذلك هو كتاب شريعة، وكما أنه كتاب علم وحكمة، كذلك هو كتاب دعاء وعبودية، وكتاب أمر ودعوة، وكما أنه كتاب ذكر، كذلك هو كتاب فكر.
وميادين جهد المسلم على القرآن أربعة:
جهد على ألفاظ القرآن بحسن التلاوة .. وجهد على معانيه بالفكر والاعتبار، وجهد على العمل بالقرآن في جميع شعب الحياة .. وجهد على الدعوة إلى القرآن، وإبلاغه البشرية في أنحاء الأرض كما قال سبحانه:{هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)} [إبراهيم: 52].
والناس في ذلك متفاوتون، وكل له من ذلك نصيب، وأكملهم أعرفهم بكتاب الله، الذي جمع الله فيه علم الأولين والآخرين:{فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6)} [الجاثية: 6].
فما أظلم المعرضين عنه، وما أشد عقوبتهم؟:{وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8)} [الجاثية: 7، 8].
وأنت إذا لاحت لك الحقائق، وتبين النور من الظلام، فكن أسعد الناس بالهدى والنور، وإن جفا ذلك الأغمار، وسخر منه الفجار:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)}
[الكهف: 28].
والقرآن الكريم صفة لله غير مخلوق؛ لأنه كلامه، منه بدأ وإليه يعود.
تكلم به عز وجل، وسمعه جبريل من الله، وبلّغه جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وبلّغه محمد صلى الله عليه وسلم إلى أمته، وعلى أمته أن تبلغه للناس كافة إلى يوم القيامة.
وإذا قرأنا القرآن فالكلام كلام البارئ، والصوت صوت القارئ.
تارة يضيفه الله إلى الرسول الملكي جبريل إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء كما قال سبحانه: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20)} [التكوير: 19، 20].
وتارة يضيفه الله إلى الرسول البشري محمد صلى الله عليه وسلم إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء؛ لأنه هو الذي بلّغه إلى أمته كما قال سبحانه: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41)} [الحاقة: 40، 41].
وتارة يضيفه الله إلى نفسه؛ لأنه هو الذي تكلم به كما قال سبحانه: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)} [التوبة: 6].
والقرآن العظيم فيه تبيان كل شيء، وهو هدى ورحمة، ونور وشفاء.
وعمل القلب عند تلاوة القرآن:
أن يستحضر عظمة المتكلم به وهو الله تبارك وتعالى .. ويفهم عظمة كلامه سبحانه .. ويحضر قلبه ويترك حديث النفس عند تلاوته .. ويتدبر ما يقرأ وهو أمر وراء حضور القلب .. ويفهم من كل آية ما تحمله من أحكام .. ويتخلى عن موانع الفهم .. وأن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن.
فإن سمع أمراً أو نهياً قدر أنه المأمور والمنهي، وإن سمع وعداً أو وعيداً فمثل ذلك.
وإن سمع قصص الأنبياء علم أنه المقصود ليعتبر ويتأثر قلبه بآثار مختلفة حسب الآيات، فيكون له بحسب كل فهم حال من الخوف والرجاء والحزن ونحو ذلك.
ويترقى ويحضر قلبه، وكأنه يقرؤه على الله عز وجل، واقفاً بين يديه، وهو ناظر إليه يستمع منه.
فيكون حاله السؤال والتملق، والتضرع والابتهال، ويشهد بقلبه كأن الله عز وجل يراه ويخاطبه بألطافه، ويناجيه بإنعامه وإحسانه، فمقامه هنا:
الحياء والتعظيم .. والإصغاء والفهم .. والحمد والشكر.
متفكراً في عظمة ربه، وفي آلائه وإحسانه، وفي خلقه وأمره.
يتبرأ من حوله وقوته، ولا يزكي نفسه، فإذا تلا آيات الوعد والمدح للصالحين، فلا يشهد نفسه عند ذلك.
بل يشهد الموقنين الصادقين فيها، ويتشوف إلى أن يلحقه الله بهم.
وإن تلا آيات الوعيد والمقت للعصاة وذم المقصرين، شهد نفسه هناك، وقدر أنه المخاطب خوفاً وإشفاقاً، وسأل الله أن يرحمه ويعفو عنه، فالناس رجلان: تائب وظالم: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)} [الحجرات: 11].
وقد وصف الله القرآن الكريم بأربع صفات كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57)} [يونس: 57].
وقد أنزل الله عز وجل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، فعالج به القلوب المريضة بالشرك والكبر والظلم.
فوحدت ربها .. وآمنت به .. وخضعت له .. واستقامت على دينه.
والطبيب إذا وصل إليه المريض فله معه أربع مراتب:
الأولى: أن ينهاه عن تناول ما يضره، ويأمره بالاحتراز من الأشياء التي بسببها وقع في ذلك المرض، وهذا هو الموعظة.
الثانية: أن يأمره بتناول الأغذية النافعة، بعد أن يسقيه أدوية تزيل عن باطنه تلك الأخلاط الفاسدة، وهكذا الأنبياء يأمرون الناس بالأخلاق الحميدة بعد زوال الأخلاق الذميمة، وهذا هو الشفاء.
الثالثة: حصول الشفاء بعد تناول الغذاء وزوال الأخلاط، وكذا حصول الهدى، لا يمكن إلا بعد حصول النور في القلب، فإذا جاء نور الإيمان، جاء الهدى ونور القرآن، وإذا جاء الهدى ولى الضلال.
الرابعة: الرحمة، وبالرحمة يكون العلاج، ولولا رحمة الله ما قام في الدنيا والآخرة شيء.
فالنفس الزكية البالغة درجات الكمال تفيض أنوارها على أرواح الناقصين، وخص المؤمنين؛ لأن أرواح الكفار والمعاندين لا تستضيء بأنوار أرواح الأنبياء، كما أن الجسم القابل للنور هو الجسم المقابل لقرص الشمس.
وكلام الله عز وجل كله عظيم، وبعضه أفضل من بعض، وذلك أن الكلام له نسبتان:
نسبة إلى المتكلم به وهو الله .. ونسبة إلى المتكلَّم فيه.
فهو يتفاضل باعتبار النسبتين، وباعتبار نفسه أيضاً.
فـ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} [الإخلاص: 1].
و: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)} [المسد: 1].
كلاهما كلام الله، وهما مشتركان في هذه الجهة.
لكنهما يتفاضلان من جهة المتكلَّم فيه، فهذا كلام الله وخبره عن نفسه عز وجل، والثاني كلام الله الذي تكلم به عن بعض خلقه.
وكلام الأنبياء والعلماء والخطباء، بعضه أفضل من بعض، وإن كان المتكلم واحداً، وتفاضل الكلام من جهة المتكلم فيه سواء كان خبراً أو إنشاءً أمر معلوم.
فليس الخبر عن الله وأسمائه وصفاته والثناء عليه كالخبر المتضمن لذكر أبي لهب وفرعون وإبليس، وإن كان كل الكلام عظيماً تكلم به الله.
وكذلك الأمر بالتوحيد والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ونحو ذلك ليس كالأمر بلعق الأصابع وإماطة الأذى عن الطريق ونحو ذلك، وإن كانت كل
الأوامر الشرعية عظيمة أمر الله بها.
والقرآن الكريم أنزله الله هدى للناس: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)} [البقرة: 26].
فمن سمعه وأطاع الله أفلح، ومن سمعه وعصى الله شقي، والله أعلم بمن يصلح لدار كرامته، ومن يصلح لدار إهانته.
فالقرآن الكريم سمعه أبو بكر رضي الله عنه فصار صدّيقاً .. وسمعه مسيلمة فصار كذَّاباً.
وسمعه عمر رضي الله عنه فصار فاروق هذه الأمة .. وسمعه أبو جهل فصار فرعون هذه الأمة .. وسمعه أبو عبيدة رضي الله عنه فصار أمين هذه الأمة .. وسمعه سعد بن معاذ فصار من المهتدين، واهتز لموته عرش الرحمن، وسمعه عبد الله بن أبي فصار أكبر المنافقين.
والله أعلم حيث يجعل رسالته، وهو أعلم بمن يصلح لولايته.
والمعول والمقصود: سمعنا وأطعنا، ليس سمعنا وعصينا، ولا سمعنا فقط:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)} [التغابن: 16].
وكما أن رؤية الأشياء تتم بأمرين: سلامة البصر، ووجود النور الخارجي، فكذلك الاستفادة من الدين تتم بأمرين:
نور الإيمان .. ونور القرآن.
فقارئ القرآن بلا إيمان لا يستفيد منه، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن لا يستفيد، فلا بدَّ من نور الإيمان ونور القرآن لتحصل الهداية والسلامة وقد سمى الله القرآن روحاً إشارة إلى أنه لا حياة للناس إلا بالقرآن.
وسماه نوراً إشارة إلى أنه لا نور في الدنيا والآخرة إلا بالقرآن: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)} [الشورى: 52].
وحقيقة الإيمان: هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل، المتضمن لانقياد
الجوارح.
وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس، فإنه لا يتميز بها المؤمن من الكافر، إنما الشأن في الإيمان بالغيب، الذي لم نره ولم نشاهده، وإنما نؤمن به لخبر الله وخبر رسوله عنه.
فهذا الإيمان الذي يتميز به المسلم عن الكافر؛ لأنه تصديق مجرد لله ورسوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)} [البقرة: 2، 3].
وآيات القرآن الكريم تبصر العبد بحدود الحلال والحرام، وتهديه في ظلم الآراء إلى سواء السبيل، وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل.
وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل، وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق، وتناديه كلما فترت عزماته ليلحق بالركب الكريم.
وتحثه على التزود لمعاده، وتحذره وتخوفه من العذاب الأليم، وتوقفه على ما أعد الله لأوليائه من دار النعيم المطلق، وما أعد لأعدائه من دار العقاب الوبيل.
والقرآن كلام الله عز وجل:
وقد وصف الله كلامه بأنه مجيد، وهو أحق بالمجد من كل كلام، كما أن المتكلم به له المجد كله، فهو سبحانه المجيد، وكلامه مجيد، وعرشه مجيد.
ووصفه بأنه عظيم، وهو أحق بالتعظيم من كل كلام، والمتكلم به هو العظيم الذي له العظمة كلها.
ووصفه بأنه كريم، وهو أحق بالكرم من كل كلام، والمتكلم به هو الكريم الذي لا أكرم منه، وكثرة خير القرآن لا يعلمها إلا من تكلم به:{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78)} [الواقعة: 77، 78].
وقد حفظ الله كتابه، فالشياطين لا يمكنهم التنزل به؛ لأن محله محفوظ أن يصلوا إليه، وهو في نفسه محفوظ أن يقدر الشيطان على الزيادة فيه، والنقصان منه كما قال سبحانه:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر: 9].
فالله تبارك وتعالى حفظ كتابه .. وحفظ محله .. وحفظه من الزيادة والنقصان .. وحفظه من التبديل والتغيير .. وحفظ ألفاظه من التبديل .. وحفظ معانيه من التحريف .. وأقام له من يحفظ حروفه من الزيادة والنقصان .. ويحفظ معانيه من التحريف والتغيير: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} [فصلت: 41، 42].
وكتب الله عز وجل فيها الهدى والنور، والموعظة والبيان والشفاء، والمتقون هم الذين يجدون في كتب الله الهدى والنور والموعظة، وهم الذين تنفتح قلوبهم لما في هذه الكتب من الهدى والنور والموعظة.
أما القلوب القاسية القاسية الغليظة الصلدة، فلا تبلغ إليها الموعظة، ولا تذوق حلاوتها، ولا تسمع لتوجيهاتها، ولا تنتفع من هذا الهدى، ومن هذا النور، بهداية ولا معرفة، ولا تقبل ولا تستجيب.
إن النور موجود، ولكن لا تدركه إلا البصيرة المفتوحة .. وإن الهدى موجود، ولكن لا تدركه إلا الروح المستشرفة .. وإن الموعظة موجودة، ولكن لا يلتقطها إلا القلب الواعي.
وقد بين الله عز وجل في القرآن كل شيء في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدنيا والآخرة، وكل ما يحتاج إليه العباد فهو مبين فيه أتم تبيين كما قال سبحانه:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)} [النحل: 89].
فلما كان القرآن الكريم تبياناً لكل شيء، صار حجة الله على العباد كلهم، فانقطعت به حجة الظالمين، وانتفع به المسلمون، فصار هدى لهم يهتدون به إلى أمر دينهم ودنياهم، ورحمة ينالون بها كل خير في الدنيا والآخرة:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)} [الزمر: 23].