الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
7 - فقه السير إلى الله
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} [التوبة: 119].
وقال الله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)} [الأعراف: 158]
محبة الله تبارك وتعالى تلقي العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه.
والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده إليه.
فهذه محركات القلوب إلى الله:
المحبة .... والخوف .... والرجاء.
وأقواها المحبة، فإن لم يكن عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه فعليه بكثرة ذكر الله؛ لأن كثرة ذكره تعلق القلب به، ومطالعة آلائه ونعمائه تبعثه على التوجه إليه والحياء منه.
وكذلك الخوف: تحركه مطالعة آيات الوعيد، ومعرفة عظمة الله، وهيبة جلاله وكبريائه، ومعرفة أهوال يوم القيامة.
وكذلك الرجاء: يحركه مطالعة حلم الله وعفوه وكرمه، ومعرفة آيات الوعد .. وهكذا.
وإذا تحركت القلوب إلى الله وسارت إليه اعتصمت به، وقلت آفاتها، أو ذهبت عنها بالكلية كما قال سبحانه:{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)} [الرعد: 28].
ولكن العبد إذا عزم على السفر إلى الله تعالى عرضت له الخوادع والقواطع.
فينخدع أولاً بالشهوات والرياسات والملاذ والمناكح ونحوها، فإن وقف معها انقطع عن ربه.
وإن رفضها ولم يقف معها وصدق في سيره وطلبه ابتلي بوطء عقبه، وتقبيل يده، وكثرة الأتباع، والتوسعة له في المجلس، والإشارة إليه بالدعاء، ورجاء بركته ونحو ذلك.
فإن وقف مع ذلك انقطع به عن الله وكان حظه منه.
وإن قطعه ولم يقف معه ابتلي بالكرامات، فإن وقف معها انقطع بها عن الله وكانت حظه.
وإن لم يقف معها ابتلي بالتجريد والتخلي، ولذة الجمعية، وعزة الوحدة، والفراغ من الدنيا.
فإن وقف مع ذلك انقطع به عن المقصود.
وإن لم يقف معه وسار ناظراً إلى مراد الله منه، وما يحبه منه، بحيث يكون عبده الموقوف على محابه ومراضيه أين كانت؟ وكيف كانت؟ تعب بها أو استراح، تنعم أو تألم، أخرجته إلى الناس أو عزلته عنهم.
لا يختار لنفسه غير ما يختار له وليه وسيده، واقف مع أمره ينفذه حسب استطاعته، ونفسه عنده أهون عليه أن يقدم راحتها ولذتها على مرضاة سيده وأمره.
فهذا هو العبد الذي وصل ونفذ، ولم يقطعه عن سيده شيء البتة:{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4)} [الجمعة: 4].
وكل مسلم بالنسبة لأوامر الله مكلف بجهات ثلاث:
من جهة قلبه بالإيمان والتوحيد .. والتسليم والانقياد.
ومن جهة عقله بتقديم أوامر الله عز وجل على أوامر الخلق .. وتقديم ما يحبه الله على ما تحبه النفس.
ومن جهة جسده بالعمل والعبادة.
والإخلاص في العبادة هو أن يؤديها العبد لله؛ لأن الله أمر بها، وإن اشتمل الأمر على حكم تكون علة للامتثال، إلا أن الإخلاص يقتضي أن تكون العلة هي
الأمر الإلهي بذلك.
فإن كانت الحكمة علة فالعبادة باطلة، وإن بقيت مرجحة فجائزة.
فالصدق والإخلاص والمتابعة هذه الأركان الثلاثة هي أركان السير إلى الله، وأصول الطريق التي من لم يبن عليها سلوكه وسيره فهو مقطوع.
وإن ظهر أنه سائر فسيره إما إلى عكس جهة مقصوده، وإما سير المقعد المقيد، وإما سير صاحب الدابة الجموح، كلما مشت خطوة إلى أمام رجعت عشراً إلى خلف.
فإن عدم الإخلاص والمتابعة انعكس سيره إلى خلف، وإن لم يبذل جهده ويوحد طلبه سار سير المقيد.
وإن اجتمعت له الثلاثة فذلك الموفق الذي لا يجارى في مضمار سيره إلى ربه {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4)} [الجمعة: 4].