المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الباب الخامسكتاب التوحيد

- ‌1 - فقه التوحيد

- ‌2 - خطر الجهل

- ‌3 - خطر الكفر

- ‌4 - خطر الشرك

- ‌5 - خطر النفاق

- ‌6 - فقه التوفيق والخذلان

- ‌7 - فقه حمل الأمانة

- ‌8 - حكمة إهباط آدم إلى الأرض

- ‌الباب السادسفقه القلوب

- ‌1 - خلق القلب

- ‌2 - منزلة القلب

- ‌3 - صلاح القلب

- ‌4 - حياة القلب

- ‌5 - فتوحات القلب

- ‌6 - أقسام القلوب

- ‌7 - غذاء القلوب

- ‌8 - فقه أعمال القلوب

- ‌9 - صفات القلب السليم

- ‌10 - فقه سكينة القلب

- ‌11 - فقه طمأنينة القلب

- ‌12 - فقه سرور القلب

- ‌13 - فقه خشوع القلب

- ‌14 - فقه حياء القلب

- ‌15 - أسباب مرض القلب والبدن

- ‌16 - مفسدات القلب

- ‌17 - مداخل الشيطان إلى القلب

- ‌18 - علامات مرض القلب وصحته

- ‌19 - فقه أمراض القلوب وعلاجها

- ‌20 - أدوية أمراض القلوب

- ‌1 - علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه

- ‌2 - علاج مرض القلب من وسوسة الشيطان

- ‌3 - شفاء القلوب والأبدان

- ‌البَابُ السَّابعفقه العلم والعمل

- ‌1 - أهل التكليف

- ‌2 - وظيفة العقل البشري

- ‌3 - فقه النية

- ‌4 - العلوم الممنوحة والممنوعة

- ‌5 - أقسام العلم

- ‌1 - العلم بالله وأسمائه وصفاته

- ‌2 - العلم بأوامر الله

- ‌6 - فقه القرآن الكريم

- ‌7 - فقه السنة النبوية

- ‌8 - قيمة العلم والعلماء

- ‌9 - فقه العلم والعمل

- ‌10 - فقه الإفتاء

- ‌الباب الثامنقوة الإيمان والأعمال الصالحة

- ‌1 - فقه قوة الإيمان والأعمال الصالحة

- ‌2 - قوة التوحيد

- ‌3 - قوة الإيمان

- ‌4 - قوة الإخلاص

- ‌5 - قوة العلم

- ‌6 - قوة طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

- ‌7 - قوة ذكر الله عز وجل

- ‌8 - قوة الدعاء

- ‌9 - قوة العبادات

- ‌10 - قوة الجهاد في سبيل الله

- ‌11 - قوة المعاملات

- ‌12 - قوة المعاشرات

- ‌13 - قوة الآداب

- ‌14 - قوة الأخلاق

- ‌15 - قوة القرآن الكريم

- ‌الباب التاسعفقه العبودية

- ‌1 - فقه حقيقة العبودية

- ‌2 - فقه الإرادة

- ‌3 - فقه الرغبة

- ‌4 - فقه الشوق

- ‌5 - فقه الهمة

- ‌6 - فقه الطريق إلى الله

- ‌7 - فقه السير إلى الله

- ‌8 - فقه المحبة

- ‌9 - فقه التعظيم

- ‌10 - فقه الإنابة

- ‌11 - فقه الاستقامة

- ‌12 - فقه الإخلاص

- ‌13 - فقه التوكل

- ‌14 - فقه الاستعانة

- ‌15 - فقه الذكر

- ‌16 - فقه التبتل

- ‌17 - فقه الصدق

- ‌18 - فقه التقوى

- ‌19 - فقه الغنى

- ‌20 - فقه الفقر

- ‌21 - فقه الصبر

- ‌22 - فقه الشكر

- ‌23 - فقه التواضع

- ‌24 - فقه الذل

- ‌25 - فقه الخوف

- ‌26 - فقه الرجاء

- ‌27 - فقه المراقبة

- ‌28 - فقه المحاسبة

- ‌29 - فقه المشاهدة

- ‌30 - فقه الرعاية

- ‌31 - فقه الذوق

- ‌32 - فقه الصفاء

- ‌33 - فقه السر

- ‌34 - فقه القبض

- ‌35 - فقه البسط

- ‌36 - فقه الحزن

- ‌37 - فقه الإشفاق

- ‌38 - فقه الخشية

- ‌39 - فقه الغيرة

- ‌40 - فقه الثقة بالله

- ‌41 - فقه التفويض

- ‌42 - فقه التسليم

- ‌43 - فقه الرضا

- ‌44 - فقه الزهد

- ‌45 - فقه الورع

الفصل: ‌10 - فقه الإفتاء

‌10 - فقه الإفتاء

قال الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117)} [النحل: 116، 117].

وقال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)} [النحل: 43].

الله تبارك وتعالى خلق البشر، وجعلهم أوعية للأعمال والأخلاق.

فمنهم وعاء للخير .. ومنهم وعاء للشر .. ومنهم وعاء للعلم .. ومنهم وعاء للجهل .. ومنهم وعاء للحلم .. ومنهم وعاء للسفه .. ومنهم وعاء للكرم .. ومنهم وعاء للبخل .. وهكذا.

والعلم أعظم حلية يتحلى بها الإنسان، وأحسن زينة يتزين بها عند الله وخلقه.

وما أحسن العلم إذا تبعه العمل، وظهرت آثاره على القلب والبدن، فأورث الإيمان والتقوى.

وعلى المسلم أن يتلقى ما جاء عن الله ورسوله بالسمع والطاعة، والقبول والانقياد كما قال سبحانه:{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)} [النور: 51].

وإذا ثبت الحكم عن الله ورسوله فيجب اتباعه والأخذ به كما قال سبحانه: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)} [الأعراف: 3].

وقد أمر الله عز وجل جميع المؤمنين باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال والأزمان كما قال سبحانه: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)} [الأعراف: 158].

وكل من خالف أمر الله ورسوله أو عارض ذلك فهو مستحق للعقوبة كما قال سبحانه: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ

ص: 1645

أَلِيمٌ (63)} [النور: 63].

وحذر سبحانه المؤمنين من القول على الله بلا علم كما قال سبحانه: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116)} [النحل: 116].

وقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)} [الحجرات: 1].

أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا شيئاً حتى يأمر، ولا تفتوا حتى يفتي.

ومن الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يتقدم أحد بين يديه بأمر ولا نهي، ولا إذن ولا تصرف، حتى يأمر هو وينهى ويأذن، وهذا باقٍ إلى يوم القيامة، فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته.

فلا يجوز لأحد أن يفتي أو يقضي في دين الله بما يخالف النصوص، ولا يجوز الاجتهاد والتقليد مع وجود النص.

ولا يجوز كذلك معارضة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل الواجب طاعته والانقياد لأمره، والتسليم والتلقي لما جاء به بالسمع والطاعة كما قال سبحانه:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65].

ويحرم الإفتاء بغير علم، فإن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، فلا يحل لأحد أن يفتي إلا بما يعلمه يقيناً من كتاب الله وسنة رسوله كما قال سبحانه:{وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116)} [النحل: 116].

ومن أفتى بغير علم فعليه إثم من أضلهم كما قال سبحانه: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25)} [النحل: 25].

وقال سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ

ص: 1646

عَنْهُ مَسْئُولًا (36)} [الإسراء: 36].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» متفق عليه (1).

ومن الأدب معه صلى الله عليه وسلم أن لا ترفع الأصوات فوق صوته، فإن ذلك سبب لحبوط الأعمال، فلا ترفع ولا تقدم الآراء والبدع على سنته وما جاء به كما قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)} [الحجرات: 2].

ومن الأدب معه صلى الله عليه وسلم تقديم قوله والعمل به، ولا يوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد أو فتواه، فكل هذا من قلة الأدب معه، وهو عين الجرأة على سنته وهديه:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)} [الأحزاب: 36].

ومن آداب العلم والفتوى: تعلُّم لا أدري لما لا تعلمه؛ لأنك إذا قلت لا أدري علموك حتى تدري، وإن قلت أدري سألوك حتى لا تدري.

وحين سأل الله الملائكة لم يستحوا أن يقولوا لا نعلم كما قال سبحانه: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} [البقرة: 31، 32].

وما أخطر المضلين للأمة، الذين يتخذون من كتاب الله وسنة رسوله مادة للتضليل، يلوون ألسنتهم به، ويحرفونه عن مواضعه، ويؤلون نصوصه لتوافق أهواء معينة، ويشترون بهذا كله ثمناً قليلاً.

وهؤلاء الذين ينسبون إلى الدين ظلماً، يحترفون الدين، ويسخرونه في تلبية الأهواء، ويحرفون الكلم عن مواضعه من أجل حطام يأخذونه، يفعلون هذا ويحسبون أنهم مسلمون: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (110)، ومسلم برقم (3).

ص: 1647

مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)} [آل عمران: 78].

وهذه آفة لا يختص بها طائفة من أهل الكتاب، إنما تبتلى بها كل أمة يرخص دين الله فيها على من ينتسبون إليه، حتى ما يساوي إرضاء هوى من الأهواء.

ويفسد القلب حتى ما يتحرج من الكذب على الله ورسوله.

وهذا المسلك كفيل بسقوط هذه الخشب المسندة، الذين تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم.

وبسبب هذا المسلك نقل الله قيادة البشرية من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)} [آل عمران: 77].

والدعوة إلى الله مسئولية جميع الأمة.

أما الفتاوى في الأحكام والمسائل فهي مسئولية العلماء، فمن علم حكماً أفتى به، ومن جهله دل المستفتي على العلماء الذين اختصهم الله بمزيد من العلم والفقه، والفهم والحفظ، وجعلهم أواني لعلمه وأحكام دينه، يتعلمونها ويعملون بها ويعلمونها الناس.

وكان الصحابة يتدافعون الفتوى فيما بينهم، والمفتون فيهم يعدون على الأصابع كمعاذ وعلي، وزيد بن ثابت وابن عباس وغيرهم رضي الله عنهم.

فالفتوى ليست مباحة لكل أحد، أما الدعوة فكل يدعو إلى الله بحسب ما عنده من العلم، وأقله آية.

فالعلماء والفقهاء هم أهل الفتوى كما قال سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)} [النحل: 43].

والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأمة كلها، كل بحسب علمه وقدرته وبصيرته، وقد قام بها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أول يوم قبل نزول

ص: 1648

الأحكام والعبادات، كما قال سبحانه:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)} [يوسف: 108].

والفقه في الدين من أفضل الأعمال، يعطيه الله من يعلم صلاحيته له، وجاهد من أجله كما قال سبحانه:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [العنكبوت: 69].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» متفق عليه (1).

والإسلام جاء ليكمل مكارم الأخلاق، وهذه الأخلاق الحسنة لا بدَّ من صيانتها في الأمة.

وصيانة الأخلاق وتنفيذ الأحكام وإقامة الحدود تتطلب سلطة تنفيذية، وعقوبات تشريعية؛ لأن أحداً لا يستجيب لكلمات طائرة في الهواء، ليس وراءها سلطة تنفيذية، وعقوبات تأديبية.

وكل يصرخ ولكن لا يستجيب لهم أحد؛ لأن أحداً لا يستجيب لعقيدة ورسالة ضائعة، ليس وراءها سلطة تحميها، وتنفذ أحكامها وشرائعها.

قال الله تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)} [ص: 26].

وعلماء الأمة صنفان:

حفاظ الحديث .. وفقهاء الإسلام.

فحفاظ الحديث هم الذين حفظوا على الأمة معاقد الدين ومعاقله، وحموا من التغيير والتكدير موارده ومناهله، حتى ورد من سبقت له من الله الحسنى تلك المناهل صافية من الأدناس، يشرب بها عباد الله، يفجرونها تفجيراً.

وفقهاء الإسلام هم الذين خصهم الله باستنباط الأحكام، واعتنوا بضبط قواعد

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (71)، ومسلم برقم (1037).

ص: 1649

الحلال والحرام، وسائر السنن والآداب والأحكام، بما وهبهم الله من القوة والفهم والحفظ والاستنباط.

فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الآباء والأمهات كما قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)} [النساء: 59].

وأولو الأمر: هم العلماء والأمراء.

لكن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف، وما أوجبه العلم الشرعي.

وكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول، فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء.

ولما كان قيام الإسلام بطائفتي العلماء والأمراء، وكان الناس كلهم تبعاً لهم كان صلاح العالم بصلاح هاتين الطائفتين، وفساده بفسادهما.

فما أعظم بركتهما على الأمة إذا صلحا، وما أشد فسادهما إذا فسدا.

والمفتون صنفان:

مفتٍ بعلم .. ومفتٍ بغير علم.

فالأول خير الناس؛ لأنه يفتي بعلم ابتغاء مرضاة الله.

والثاني شر الناس؛ لأنه يفتي بجهل، ويقول على الله بلا علم طمعاً في منصب أو جاه أو مال:{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)} [الأنعام: 144].

فالإفتاء منصب عال شريف، وثوابه جزيل، وهو في نفس الوقت منصب خطير.

لذا ينبغي للمسلم ألا ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:

الأولى: أن تكون نيته خالصة لله، فإن لم تكن خالصة لله لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور.

ص: 1650

الثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة.

الثالثة: أن يكون قوياً على ما هو فيه، وعلى معرفته.

الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس.

الخامسة: معرفة الناس وأحوالهم.

فهذه دعائم الفتوى، وأي شيء نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه.

والفرق بين النصيحة والفتوى، أن الناصح مفتٍ وزيادة، والمفتي يبين الحكم وقد لا يعطي ترغيباً ولا ترهيباً، لكن الناصح يعطي الحكم ويرغب أو يرهب.

والإفتاء منصب عظيم في الدين فمن آتاه الله علماً فعلمه مخلصاً يبتغي به وجه الله نشر الله به السنن، وأمات به البدع، ونور الله به قلوب العباد.

ومن ارتقى إليه بغير علم، وتسلق جداره بغير فقه، فقد ضل وأضل، وهلك وأهلك غيره، وقال على الله غير الحق.

قال الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)} [الإسراء: 36].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً، فَسَألَ عَنْ أعْلَمِ أهْلِ الأرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَألَ عَنْ أعْلَمِ أهْلِ الأرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أنَاساً يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلا تَرْجِعْ إِلَى أرْضِكَ فَإِنَّهَا أرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، جَاءَ تَائِباً مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ، وَقَالَتْ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ، إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْراً قَطُّ، فَأتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأرْضَيْنِ، فَإِلَى أيَّتِهِمَا كَانَ أدْنَى، فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أدْنَى إِلَى الأرْضِ

ص: 1651

الَّتِي أرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَة» متفق عليه (1).

فبالدعوة يهتدي الناس .. وبالعلم يتعلم الناس كيف يعبدون الله بشرعه .. وبالإفتاء تحل المشاكل والمسائل التي تخفى على بعض الناس.

والناس في ذلك متفاوتون:

فمنهم من آتاه الله الدعوة والعلم والإفتاء، ومنهم من صرف همه إلى الدعوة دون الإفتاء، ومنهم من رزقه العلم والإفتاء، ومنهم من حرم هذا وهذا، والله أعلم حيث يجعل رسالته.

والإيمان زينة القلوب .. والعلم زينة الأعمال .. والفتوى شفاء للناس من داء الجهل.

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3470)، ومسلم برقم (2766).

ص: 1652