المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الباب الخامسكتاب التوحيد

- ‌1 - فقه التوحيد

- ‌2 - خطر الجهل

- ‌3 - خطر الكفر

- ‌4 - خطر الشرك

- ‌5 - خطر النفاق

- ‌6 - فقه التوفيق والخذلان

- ‌7 - فقه حمل الأمانة

- ‌8 - حكمة إهباط آدم إلى الأرض

- ‌الباب السادسفقه القلوب

- ‌1 - خلق القلب

- ‌2 - منزلة القلب

- ‌3 - صلاح القلب

- ‌4 - حياة القلب

- ‌5 - فتوحات القلب

- ‌6 - أقسام القلوب

- ‌7 - غذاء القلوب

- ‌8 - فقه أعمال القلوب

- ‌9 - صفات القلب السليم

- ‌10 - فقه سكينة القلب

- ‌11 - فقه طمأنينة القلب

- ‌12 - فقه سرور القلب

- ‌13 - فقه خشوع القلب

- ‌14 - فقه حياء القلب

- ‌15 - أسباب مرض القلب والبدن

- ‌16 - مفسدات القلب

- ‌17 - مداخل الشيطان إلى القلب

- ‌18 - علامات مرض القلب وصحته

- ‌19 - فقه أمراض القلوب وعلاجها

- ‌20 - أدوية أمراض القلوب

- ‌1 - علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه

- ‌2 - علاج مرض القلب من وسوسة الشيطان

- ‌3 - شفاء القلوب والأبدان

- ‌البَابُ السَّابعفقه العلم والعمل

- ‌1 - أهل التكليف

- ‌2 - وظيفة العقل البشري

- ‌3 - فقه النية

- ‌4 - العلوم الممنوحة والممنوعة

- ‌5 - أقسام العلم

- ‌1 - العلم بالله وأسمائه وصفاته

- ‌2 - العلم بأوامر الله

- ‌6 - فقه القرآن الكريم

- ‌7 - فقه السنة النبوية

- ‌8 - قيمة العلم والعلماء

- ‌9 - فقه العلم والعمل

- ‌10 - فقه الإفتاء

- ‌الباب الثامنقوة الإيمان والأعمال الصالحة

- ‌1 - فقه قوة الإيمان والأعمال الصالحة

- ‌2 - قوة التوحيد

- ‌3 - قوة الإيمان

- ‌4 - قوة الإخلاص

- ‌5 - قوة العلم

- ‌6 - قوة طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

- ‌7 - قوة ذكر الله عز وجل

- ‌8 - قوة الدعاء

- ‌9 - قوة العبادات

- ‌10 - قوة الجهاد في سبيل الله

- ‌11 - قوة المعاملات

- ‌12 - قوة المعاشرات

- ‌13 - قوة الآداب

- ‌14 - قوة الأخلاق

- ‌15 - قوة القرآن الكريم

- ‌الباب التاسعفقه العبودية

- ‌1 - فقه حقيقة العبودية

- ‌2 - فقه الإرادة

- ‌3 - فقه الرغبة

- ‌4 - فقه الشوق

- ‌5 - فقه الهمة

- ‌6 - فقه الطريق إلى الله

- ‌7 - فقه السير إلى الله

- ‌8 - فقه المحبة

- ‌9 - فقه التعظيم

- ‌10 - فقه الإنابة

- ‌11 - فقه الاستقامة

- ‌12 - فقه الإخلاص

- ‌13 - فقه التوكل

- ‌14 - فقه الاستعانة

- ‌15 - فقه الذكر

- ‌16 - فقه التبتل

- ‌17 - فقه الصدق

- ‌18 - فقه التقوى

- ‌19 - فقه الغنى

- ‌20 - فقه الفقر

- ‌21 - فقه الصبر

- ‌22 - فقه الشكر

- ‌23 - فقه التواضع

- ‌24 - فقه الذل

- ‌25 - فقه الخوف

- ‌26 - فقه الرجاء

- ‌27 - فقه المراقبة

- ‌28 - فقه المحاسبة

- ‌29 - فقه المشاهدة

- ‌30 - فقه الرعاية

- ‌31 - فقه الذوق

- ‌32 - فقه الصفاء

- ‌33 - فقه السر

- ‌34 - فقه القبض

- ‌35 - فقه البسط

- ‌36 - فقه الحزن

- ‌37 - فقه الإشفاق

- ‌38 - فقه الخشية

- ‌39 - فقه الغيرة

- ‌40 - فقه الثقة بالله

- ‌41 - فقه التفويض

- ‌42 - فقه التسليم

- ‌43 - فقه الرضا

- ‌44 - فقه الزهد

- ‌45 - فقه الورع

الفصل: ‌2 - وظيفة العقل البشري

‌2 - وظيفة العقل البشري

قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)} [يوسف: 2].

وقال الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)} [البقرة: 164].

الله تبارك وتعالى خالق كل شيء، ومالك كل شيء، ومدبر كل شيء.

خلق السماء والأرض، وخلق الجماد والنبات، وخلق الإنسان والحيوان، وفضل الإنسان على سائر هذه المخلوقات.

فأعطاه السمع يسمع به المسموعات، ويميز بينها بعقله.

وأعطاه البصر يبصر به المخلوقات ويميز بينها بعقله.

وأعطاه العقل يميز به بين ما ينفعه وما يضره، ويميز به بين البدائل، فيختار هذا لمنفعته، ويرد هذا لمضرته.

ويميز به بين ما يبقى وما يفنى، وما يحسن وما يقبح، من الأقوال والأفعال والأشياء، ثم يختار أحسنها وأفضلها.

وبهذا العقل شرّف الإنسان على سائر المخلوقات، وصار أهلاً ليكون خليفة في الأرض.

فالعقل نعمة كبرى، وهي من أكبر النعم على الإنسان بعد الإيمان، إذ بالعقل يستقبل الإنسان الوحي، وبه يؤدي السنن والأحكام في أماكنها وأوقاتها كما وردت.

وقد خلق الله في الإنسان طاقات كثيرة ومن أهمها:

الطاقة البدنية .. والطاقة الروحية .. والطاقة التناسلية .. والطاقة العقلية.

ولو كان الله سبحانه وهو أعلم بالإنسان وطاقاته كلها يعلم أن العقل البشري

ص: 1471

الذي وهبه للإنسان يكفيه في بلوغ الهدى لنفسه، والمصلحة لحياته، في دنياه وآخرته، لوكله إلى هذا العقل وحده، يبحث به عن دلائل الهدى، وموجبات الإيمان في الأنفس والآفاق، ويرسم لنفسه كذلك المنهج الذي تقوم عليه حياته، فتستقيم على الحق والصواب.

ولما أرسل إليه الرسل، ولما جعل حجته على عباده هي إرسال الرسل إليهم، ولما جعل حجة الناس على ربهم هي عدم مجيء الرسل إليهم.

ولكن لما علم الله سبحانه أن العقل الذي آتاه الله للإنسان أداة قاصرة بذاتها عن الوصول إلى الهدى بغير توجيه من الرسالة .. وقاصرة كذلك عن رسم منهج للحياة الإنسانية يحقق المصلحة للإنسان في الدنيا والآخرة، وينجي صاحبه من سوء المآل في الدنيا والآخرة .. لما علم الله هذا شاء بحكمته ورحمته أن يبعث الرسل إلى الناس .. وأن لا يؤاخذ الناس إلا بعد الرسالة والتبليغ كما قال سبحانه:{مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)} [الإسراء: 15].

وإذا علمنا هذا فما وظيفة هذا العقل البشري؟.

وما هو دوره في مسألة الإيمان والهدى؟.

وما موقفه من منهج الحياة ونظامها؟.

وما وظيفة العقل البشري ودوره في أعظم وأكبر قضايا الإنسان؟.

وهي قضية الإيمان بالله التي تقوم عليها حياته في الأرض من جذورها، وبكل مقوماتها، كما يقوم عليها مآله في الآخرة، وهي أكبر وأبقى.

إن دور هذا العقل أن يتلقى الدين عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

ووظيفته أن يفهم ما يتلقاه عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

ومهمة الرسول أن يبلغ ويبين الدين، ويستنقذ الفطرة الإنسانية مما ران عليها من الشهوات والشبهات، وينبه العقل الإنساني إلى تدبر دلائل الهدى، وموجبات الإيمان في الأنفس والآفاق، وأن يرسم للعقل منهج التلقي الصحيح، ومنهج

ص: 1472

النظر الصحيح، ومنهج العمل الصحيح.

وأن يقيم له القاعدة التي ينهض عليها منهج الحياة العملية، المؤدي إلى خير الدنيا والآخرة.

وليس دور العقل البشري أن يكون حاكمًا على الدين، من حيث الصحة والبطلان، أو القبول أو الرفض، بعد أن يتأكد صحة ثبوته عن الله ورسوله، وبعد أن يفهم مقصوده.

ولو كان له أن يقبلها أو يرفضها، بعد إدراك مدلولها، ما استحق العقاب من الله على الكفر بعد البيان.

بل العقل ملزم بقبول أحكام الدين متى بلغت إليه عن طريق صحيح.

فالدين يخاطب العقل ويوقظه ويوجهه، ويقيم له منهج النظر الصحيح، لا بمعنى أنه هو الذي يحكم بالصحة أو البطلان، أو القبول أو الرفض على هواه.

بل متى ما ثبت النص الشرعي كان هو الحكم، وكان على العقل البشري أن يقبله، وأن يطيعه وينفذه، سواء كان مدلوله مألوفًا له، أو غريبًا عليه:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65].

إن دور العقل هو أن يفهم ما الذي يعنيه النص، وما المراد منه ليعمل به، وعند هذا الحد ينتهي دوره.

فالنص من عند الله، وما يحمله النص من حكم هو أمر الله، وهو الحق قطعأً.

والعقل ليس إلهًا يحكم بالصحة أو البطلان، أو القبول أو الرد، لما جاء من عند الله ورسوله.

إن الشريعة الإسلامية تخاطب العقل، ليدرك الأحكام، والآيات الشرعية والكونية، وترغبه في ذلك، وتجعل ذلك عبادة.

وتضع له المنهج الصحيح للنظر والاعتقاد والعمل في شئون الحياة.

فإذا أدرك وفهم ما يعني النص الشرعي، لم يعد أمامه إلا التصديق والطاعة،

ص: 1473

والانقياد والتنفيذ.

والمنهج الصحيح في التلقي عن الله هو أن لا يواجه العقل مقررات الدين وأحكامه بمقررات له سابقة عليها، كوّنها الإنسان بنفسه من مقولاته وتجاربه.

فالإسلام دين العقل والفطرة، يخاطب العقل بأحكامه وسننه وأوامره، ولا يقهره بخارقة مادية لا مجال له فيها إلا الإذعان، ويدعوه إلى تدبر دلائل الهدى والإيمان في الأنفس والآفاق، ليرفع عن الفطرة ركام الإلف والعادة والبلادة، وغبار الشهوات والشبهات المضلة للعقل والفطرة.

ويكل إليه فهم مدلولات النصوص التي تحتمل أحكامه لعباده، ولا يفرض عليه أن يؤمن بما لا يفهم مدلوله ولا يدركه.

فإذا أدرك وفهم المراد من النصوص، لم يعد أمامه إلا التسليم بها فهو مؤمن، أو عدم التسليم بها فهو كافر.

وليس هو حكمًا في صحتها أو بطلانها، وليس هو مأذونًا في قبولها أو ردها.

أما من جعل العقل إلهًا يقبل ما يريد، ويرفض ما يرفض، ويختار ما يشاء، ويترك ما يشاء، فهذا هو الكفر الذي ينال صاحبه بسببه أشد العذاب كما قال سبحانه:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)} [البقرة: 85].

والله سبحانه خالق كل شيء، خلق هذا الكون، وأمر باتباع الشرع.

فإذا قرر الله سبحانه حقيقة في أمر الكون، أو أمر الإنسان، أو أمر الخلائق الأخرى، أو إذا قرر أمرًا في فرائض الدين، أو في النواهي.

فهذا الذي قرره الرب وأمر به واجب القبول والطاعة ممن يبلغ إليه، متى أدرك المدلول منه، وفهم المراد منه.

فإذا قال الله سبحانه: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)} [الطلاق: 12].

ص: 1474

أو قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)} [الأنبياء: 30].

أو قال سبحانه: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45)} [النور: 45].

أو قال سبحانه: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15)} [الرحمن: 14، 15].

ونحو ذلك مما قاله الله سبحانه عن الكون والكائنات، والأشياء والأحياء، فالحق هو ما قال وليس للعقل أن يقول، فكل ما يبلغه العقل في هذا معرض للصواب والخطأ، وما قرره الله سبحانه لا يحتمل إلا الحق والصواب.

وإذا قال الله سبحانه: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)} [المائدة: 44].

أو قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)} [البقرة: 278].

أو قال سبحانه: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} [الأنعام: 121].

أو قال سبحانه: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53].

ونحو ذلك مما قاله الله تبارك وتعالى في شأن منهج الحياة البشرية، فالحق ما قاله سبحانه، وليس للعقل أن يقول: ولكنني أرى لمصلحة في كذا وكذا مما يخالف أمر الله، أو فيما لم يأذن به الله، ولم يشرعه للناس.

فما يراه العقل مصلحة يحتمل الخطأ والصواب، وتدفع إليه الشهوات والنزوات، وإقحام للعقل فيما ليس من شأنه.

وما يقرره الله ويحكم به لا يحتمل إلا الصحة والصواب: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [المائدة: 50].

ص: 1475

وما قرره الله وحكم به وشرعه من العقيدة، أو منهج الحياة ونظامها، سواء في موقف العقل إزاءه.

متى صح النص، وكان قطعي الدلالة، ولم يوقّت بوقت، فليس للعقل أن يقول: آخذ في العقيدة والشعائر التعبدية، ولكني أرى أن الزمن قد تغير في منهج الحياة ونظامها، فيتبع غير شرع الله.

فلو شاء الله أن يوقت مفعول النصوص لوقته، فما دام النص مطلقًا، فإنه يستوي زمان نزوله وآخر الزمان، احترازًا من الجرأة على الله، ورمي علمه بالنقص، سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا.

وإنما يكون جهد العقل في تطبيق النص على الحالة الحادثة لا في قبوله أو رده.

وليس في شيء من هذا انتقاص من قيمة العقل، ودوره في الحياة البشرية، بل هو كمال الأدب مع خالقه، وحسن استقبال أوامره. والمدى أمام العقل أوسع في التعرف على طبيعة هذا الكون وطاقاته .. وقواه ومدخراته .. وطبيعة الكائنات فيه والأحياء .. ومخلوقات الله في البر والبحر .. والسماء والأرض .. وتنمية الحياة .. والاستفادة من الكائنات في حدود منهج الله .. ومعرفة بارئه وفاطره وأسمائه وصفاته .. ومظاهر قوته ورحمته .. ومعرفة نعمه وآلائه:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)} [البقرة: 164].

وما أجهل أكثر الخلق بالله، إنهم يكفرون بالله، ويبارزونه بالمعاصي، وهو يعافيهم ويرزقهم.

إن بأس الله شديد، وقوته قاهرة، ولكنه رحيم ودود ينبه الغافلين السادرين، ويوقظ فهيم مشاعر الترقب أن يأتيهم بأس الله: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ

ص: 1476

يَلْعَبُونَ (98)} [الأعراف: 97، 98].

إن بأس الله لأشد من أن يقف له البشر نائمين أم صاحين، جادين أم لاعبين، إنه العزيز الجبار الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، السموات والأرض وما فيهما بيده أصغر من الخردلة في يد الإنسان.

فأين العقول التي تدرك بأس الله في كل من طغى وكذب واستكبر؟.

إن سنة الله لا تتخلف، ومشيئته لا تتوقف، وما الذي يعجزه؟، وما الذي يمنعه؟.

وما الذي يؤمن المكذبين أن يأخذهم الله بذنوبهم كما أخذ من قبلهم؟، وأن يطبع على قلوبهم فلا يهتدون بعد ذلك؟.

وما يريد الله بهذا التحذير أن يعيش الناس فزعين قلقين، يرتجفون من الهلاك والدمار أن يأخذهم في لحظة من ليل أو نهار.

إنما يريد الله منهم اليقظة ومراقبة النفس، وإدامة الاتصال بالله.

والإنسان يدعي العلم، وهو لا يعلم نفسه، ولا ما يستقر فيها من مشاعر، ولا يدرك حقيقة نفسه، ولا حقيقة مشاعره.

فالعقل نفسه لا يعرف كيف يعمل؟.

لأنه لا يملك مراقبة نفسه في أثناء عمله، وحين يراقب نفسه يكف عن عمله الطبيعي، فلا يبقى هناك ما يراقبه.

وحين يعمل عمله الطبيعي لا يملك أن يشتغل في الوقت ذاته بالمراقبة.

ومن ثم فهو عاجز عن معرفة خاصة ذاته، وعن معرفة طريقة عمله، وهو الأداة التي يتطاول بها الإنسان:{قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16)} [الحجرات: 16].

إن الإيمان بالله هو كبرى المنن التي ينعم الله بها على عبد من عباده في الأرض كما قال سبحانه: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)} [الحجرات: 17].

إن إيمان العبد بالله يعرّفه بحقيقة الوجود حوله، وحقيقة الدور المقسوم له،

ص: 1477

وحقيقة الطاقة المهيأة له للقيام بهذا الدور.

ومن هذه المعرفة يستمد الطمأنينة والسكينة والارتياح لما يجري حوله .. ولما يقع له .. فهو يعرف من أين جاء؟ .. ولماذا جاء؟ .. وإلى أين يذهب؟ .. وماذا هو واجد هناك؟ .. وأنه موجود هنا لأمر .. وما يقع له مقدر لتمام هذا الأمر .. وأنه لم يخلق عبثًا .. ولن يترك سدى، ولن يمضي مفردًا.

ومن هذه المعرفة الإيمانية تختفي مشاعر القلق والشك والحيرة الناشئة عن عدم معرفة المنشأ والمصير، وعدم رؤية المطوي من الطريق.

إن المؤمن يعرف بقلب مطمئن، وروح مستبشرة أنه يلبس ثوب العمر بقدر الله الذي يصرف الوجود كله، تصريف الحكيم الخبير، وأن اليد التي خلقته وألبسته إياه أحكم منه وأرحم به، وأنه يلبسه لأداء دور معين، في هذا الكون الذي يتأثر بكل ما فيه، ويؤثر في كل ما فيه.

إن المؤمن يقطع الرحلة إلى الآخرة، ويؤدي الدور المطلوب منه في ثقة وطمأنينة ويقين.

إنه يقطع الرحلة، ويؤدي دوره في فرح وسرور، شاعرًا بجمال الهبة، وجلال العطية الكبرى.

هبة العمر الممنوح له من يد الكريم المنان الجميل اللطيف .. وهبة الدور الذي يؤديه مهما كان شاقًا .. لينتهي به إلى ربه الكريم والمقام الأمين.

إن الإيمان بالله قوة دافعة، وطاقة مجمعة، ما تكاد حقيقته تستقر في القلب حتى تتحرك لتعمل، ولتحقق ذاتها في الواقع، ولتوائم بين صورتها المضمرة وصورتها الظاهرة، كما أنها تستولي على مصادر الحركة كلها في الكائن البشري، وتدفعها في الطريق السوي.

ذلك سر قوة الإيمان في القلب، وسر قوة الإنسان بالإيمان، فبه صنع الخوارق التي غيرت وجه الحياة، وبه يندفع المرء إلى التضحية بالعمر الفاني المحدود في سبيل الحياة الكبرى التي لا تفنى، وبه يقف الفرد القليل الضئيل أمام قوى

ص: 1478

السلطان الغاشم، وقوى المال الفاتن، وقوى الحديد والنار، فإذا هي كلها تنهزم أمام العقيدة الدافعة في روح الفرد المؤمن المتصل بربه.

وما هو الفرد الفاني المحدود الذي هزم تلك القوى جميعًا، ولكنها قوة الله التي استمدت منها تلك الروح، والينبوع المتفجر الذي لا ينضب ولا ينحسر:{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)} [الأنفال: 17].

إنها المنّة الكبرى على العباد، منة الإيمان التي لا يملكها ولا يهبها إلا الله وحده، لمن يعلم أنه مستحق لها، وأهل للقيام بشكرها.

وماذا فقد من وجد الأنس بالله بالإيمان الذي يصله بربه، وقطع رحلته على هذه الأرض في ظلال شريعة الله وهداها.

وماذا وجد من فقد ذلك، ولو تقلب في أعطاف النعيم، وتمتع وأكل كما تأكل الأنعام، والأنعام أهدى منه، لأنها تعرف بفطرتها الإيمان، وتهتدي به إلى بارئها الكريم:{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)} [الفرقان: 44].

والله تبارك وتعالى بالآيات الكونية، والآيات الشرعية، ينبه العقل الغافل، ويوقظه لمعرفة عظمة هذا الكون، وتناسقه وجماله، ومعرفة الخالق العظيم الذي أبدعه:{وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8)} [الرحمن: 7، 8].

فإلى جانب هذه العظمة في رفع هذه السماء الهائلة الواسعة، المملوءة بالمخلوقات التي تعبد ربها وتطيعه، وضع سبحانه الميزان، ميزان الحق وضعه ثابتًا راسخًا مستقرًا رحمة بالعباد.

وضعه منهج حياة لتقدير القيم، قيم الأشخاص والأحداث، كي لا يختل تقويمها، ولا يضطرب وزنها، ولا تتبع الجهل والغرض والهوى.

وضعه في الفطرة، ووضعه في هذا المنهج الإلهي الذي جاءت به الرسل،

ص: 1479

وتضمنه القرآن.

وضع الميزان لئلا تطغوا في الميزان فتغالوا وتفرطوا: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)} [الرحمن: 9].

ومن ثم يستقر الوزن بالقسط بلا طغيان ولا خسران.

ومن ثم يرتبط الحق في الأرض وفي حياة البشر، ببناء الكون ونظامه، يرتبط بالسماء حيث يتنزل منها وحي الله ومنهجه، ومدلولها المنظور حيث تمثل ضخامة الكون وثباته بأمر الله وقدرته.

والله سبحانه وتعالى هو الذي يعطي عطاء الربوبية عطاءً متساويًا للجميع، فالشمس ترسل أشعتها للمؤمن والكافر على حد سواء، بدون جهد من الإنسان وكذلك الهواء.

والأرض تنفعل لكل من حرثها، ووضع البذرة فيها، ثم سقاها بالماء، سواء كان مؤمنًا أو كافرًا، وكذلك البحار والجبال والمعادن تنفعل لمن اجتهد عليها، هذا كله عطاء الرب لخلقه جميعًا.

ولا أحد يستطيع أن ينكر عطاء الربوبية، لأنه ظاهر، ولا يمكن لأحد أن يدعيه لنفسه من دون الله، فعطاء الربوبية لا يختلف عليه أحد، ولكن المسألة في العبادة، فعطاء الربوبية أمامنا واضحاً جلياً، ويجب أن يقودنا إلى العبودية لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له.

والعقل مخلوق كغيره، وله طاقة محدودة كغيره، يدرك بعض الأشياء ويفهمها، ويخفى عليه أكثرها.

فالكون فيه الظاهر والباطن، والغيب والشهادة، والكبير والصغير.

والقرآن فيه محكم ومتشابه.

ولا يعلم ذلك كله إلا الله وحده، والعقل يدرك ما أذن الله له من ذلك بمعرفته، ويجهل أكثره.

والله وحده عالم الغيب والشهادة: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ

ص: 1480

الرَّحِيمُ (6)} [السجدة: 6].

والأعمال التي كلفنا الله بها قسمان:

أحدها: ما نعرف وجه الحكمة فيه على الجملة بعقولنا كالصلاة والزكاة والصوم ونحوها، فإن الصلاة تواضع محض، وتضرع للخالق.

والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، وتطهير للنفس من الشح.

والصوم تعويد على الصبر، وسعي في كسر الشهوة.

الثاني: ما لا نعرف وجه الحكمة فيه كبعض أفعال الحج.

فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات، وتقبيل الحجر الأسود، والسعي بين الصفا والمروة، والارتحال من منى إلى عرفات إلى المزدلفة.

لكن كما يحسن من الله أن يأمر عباده بالنوع الأول، يحسن منه كذلك أن يأمرهم بالنوع الثاني، لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد، لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف وجه المصلحة فيه.

أما الطاعة في الوجه الثاني فإنها تدل على كمال الانقياد، ونهاية التسليم، لأنه لما لم يعرف وجه المصلحة البتة فيه، لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم لمن هو أعلم منه.

والعاقل يؤمن بهذا وهذا، وينقاد ويسلم لكل ما أمر الله به، وكل ما أخبر الله به:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65].

وسمى العقل عقلاً، لأنه يعقل به صاحبه ما ينفعه من الخير، وينعقل به عما يضره، وذلك أن العقل يحث صاحبه أن يكون أول فاعل لما يأمر به من الخير، وأول تارك لما ينهى عنه من الشر.

فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله .. أو نهاه عن الشر فلم يتركه .. دل على عدم عقله وجهله، خاصة إذا كان عالمًا بذلك:{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)} [البقرة: 44].

ص: 1481

فلا يجوز للإنسان إذا لم يقم بما أمره الله به أن يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإن على كل إنسان واجبين:

أمر نفسه بالخير، ونهيها عن الشر .. وأمر غيره بالخير، ونهيه عن الشر.

فترك أحدهما لا يكون رخصة في ترك الآخر.

فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر، فليس في رتبة الأول، وهو دون الأخير.

وكذلك النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، لأن الأفعال تؤثر أكثر من الأقوال، ولأنه تناقض لا يحسن من العاقل، ولذلك قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)} [الصف: 2، 3].

والعاقل حقًا يعلم أن الله عز وجل لم يخلق هذا الكون عبثًا ولا سدى، ولا لغير فائدة، وإنما خلقه بالحق ليقوم أمره وشرعه، ولتتم نعمته على عباده، وليروا من حكمته وقهره وتدبيره، ما يدلهم على أنه وحده معبودهم ومحبوبهم وإلههم:{خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44)} [العنكبوت: 44].

وشر الدواب عند الله هم الكفار، لأن الله أعطاهم الأسماع والأبصار والعقول ليستعملوها في طاعة الله، فاستعملوها في معصيته، وكان يمكنهم أن يكونوا من خير البرية، فأبوا هذا الطريق، واختاروا لأنفسهم أن يكونوا من شر البرية:{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)} [الأنفال: 22، 23].

فقامت عليهم الحجة بالسماع، وإنما لم يسمعهم الله السماع النافع، لأنه لم يعلم فيهم خيرًا يصلحون به لسماع آياته، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون، فالله لا يمنع عباده الإيمان والخير إلا لمن يعلم أنه لا خير فيه، ولا يزكو لديه، ولا يثمر عنده.

ص: 1482

والعقل ضد الجنون، فالمجنون لا تكليف عليه، لأنه فقد الآلة التي يستقبل بها الوحي، وينفذ الأمر، ويجتنب النهي، وهي العقل كما قال سبحانه:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)} [الرعد: 4].

ومن لا عقل له، لا قيد له، ولا إناء معه، ولا فائدة له.

والعقل البشري ثلاثة أنواع:

الأول: عقل غريزي، ينتفع به الإنسان في أمور معاشه.

الثاني: عقل إيماني، مستفاد من مشكاة النبوة، وبه يستقبل الوحي، وعليه مدار سعادته في الدنيا والآخرة.

الثالث: عقل نفاقي شيطاني، يظن أربابه أنهم على شيء، وهذا العقل هو حظ أكثر الناس، وهو عين الهلاك.

فإن أربابه يرون أن العقل إرضاء الناس جميعهم، واستجلاب مودتهم، وعدم مخالفتهم في أغراضهم، ولو كان في معصية الله، وإطلاق شهواتهم كالحمر والبهائم.

فسبحان من بيده الداء والدواء، والعافية والبلاء، والرخص والغلاء، والضلال والهدى.

وسبحان من خلق آدم، وخلق من أجله الأشياء، وبث من نسله الرجال والنساء، فمنهم العالم الذاكر، ومنهم الجاهل الغافل.

وسبحان من قسم الخلائق سعيدًا وشقيًا، وقسم الأرزاق بينهم فترى فقيرًا وغنيًا، وقسم العقول فترى منهم ذكيًا وغبيًا.

وأنت أيها الإنسان .. وأنت أيها العاقل .. وأنت أيها الراحل.

يا من سلعه كلها معيب، أمامك يوم عصيب، يا مريضًا ما يعرف أوجاعه وأسقامه، يا غافلاً عن ما يراد منه، وعن ما يراد به، وعن ما أعد له.

يا من لا يردعه ما يسمعه، ولا يقنعه ما يجمعه متى تصحو؟.

ما من وهى شبابه، وامتلأ بالزلل كتابه متى تفيق؟.

ص: 1483

يا من كلما زاد عمره زاد إثمه، يا معتقدًا صحته فيما هو سقمه متى تصحو؟.

فليطلب العاقل الناصح لنفسه الذروة العالية من الدين، كما يطلب أهل الدنيا الذروة العالية من الدنيا، وليشد ركائبه إلى جنة الرحمن، كما يشد الكفار ركائبهم إلى النار.

ولله در تلك القلوب الطاهرة التي رفضت حلية الدنيا وإن كانت فاخرة، كم تركت لله من شهوة وهي عليها قادرة، وباتت عيونها والناس نيام ساهرة، كم بينهم وبين بائع الآخرة؟.

ص: 1484