الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5 - خطر النفاق
قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)} [النساء: 145].
وقال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68)} [التوبة: 68].
المنافقون قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر، ومعاداة الله ورسله، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
وهؤلاء في الدرك الأسفل من النار، فالكفار المجاهرون بكفرهم أخف منهم عذاباً، والمنافقون تحتهم في دركات النار.
فالطائفتان اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله، وزاد المنافقون بالكذب والنفاق، وبلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين، وهم الذين يدلون العدو على عورات المسلمين، ويتربصون بهم الدوائر صباحاً ومساءً.
وهم أشقى الأشقياء، ولهذا يستهزأ بهم في الآخرة، كما استهزؤوا بالمسلمين في الدنيا، ويعطون نوراً يتوسطون به على الصراط، ثم يطفئ الله نورهم:
ويضرب الله بينهم وبين المؤمنين: {بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)} [الحديد: 13 - 15].
فهؤلاء المنافقون خالطوا المسلمين وعاشروهم، وباشروا من أعلام الرسالة وشواهد الإيمان ما لم يباشره البعداء.
فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم، كانوا أغلظ كفراً، وأخبث قلوباً:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3)} [المنافقون: 3].
وجماعة المنافقين اندسوا في صفوف المسلمين باسم الإسلام بعد أن غلب وظهر وعلا أمره.
فرأى هؤلاء أن حب السلامة، وحب الكسب يقتضيان أن يحنوا رؤوسهم للإسلام، وأن يكيدوا له داخل الصفوف سرا، بعد أن عز عليهم أن يكيدوا له خارج الصفوف علانية.
وهؤلاء المنافقون إذا دعوا إلى الجهاد والبذل تخلفوا عن الركب، ونكصوا عن البذل، ومالوا إلى عرض تافه، أو مطلب رخيص في كل زمان، وفي كل مكان:{لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42)} [التوبة: 42].
إن هؤلاء المنافقين يعيشون على هامش الحياة، وإن خيل إليهم أنهم بلغوا منافع، ونالوا مطالب، واجتنبوا أداء الثمن الغالي.
يهلكون أنفسهم بهذا الحلف، وبهذا الكذب، وما يكذب إلا الضعفاء الأقزام.
ويخيل إليهم أن الحلف والكذب على الناس سبيل النجاة.
والله يعلم الحق، ويكشفه للناس، ويهلك الكاذب في الدنيا والآخرة.
ألا ما أخطر المنافقين على المسلمين، خاصة في ميدان الجهاد، فالنفوس الخائنة خطر على الجيوش المتماسكة:{لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47)} [التوبة: 47].
إن القلوب الحائرة تبث الخدر والضعف في الصفوف، ولو خرج المنافقون ما زادوا المسلمين قوة بخروجهم، بل لزادوهم اضطراباً وفوضىً، ولأسرعوا بينهم بالوقيعة والفتنة، والفرقة والتخذيل، وفي المسلمين من يسمع لهم.
والله عز وجل عليم بالمنافقين لا يبعث فيهم همة الخروج مع المسلمين للجهاد، لما يعلمه من سوء نواياهم، فأقعدهم مع القاعدين الذين لا يستطيعون الغزو، فهذا مكانهم اللائق بالهمم الساقطة، والقلوب المرتابة، والنفوس الخاوية من اليقين:{وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)} [التوبة: 46].
وقد وقف المنافقون في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، وبذلوا ما في طوقهم لتمزيق كلمة المسلمين، حتى غُلبوا على أمرهم، فاستسلموا وفي القلب ما فيه:{لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48)} [التوبة: 48].
وكان ذلك عند مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة، قبل أن يظهره الله على أعدائه، ثم جاء الحق، وانتصرت كلمة الله، فحنوا لها رؤوسهم وهم كارهون لله ورسوله ودينه، وأتباعه.
وظلوا يتربصون الدوائر بالإسلام والمسلمين، وهم كذلك إلى يوم القيامة ولا يخلو منهم زمان ولا مكان.
إن الإيمان الحق متى استقر في القلب، ظهرت آثاره في السلوك، والإيمان عقيدة متحركة من الشعور الباطن إلى حركة سلوكية واقعية، فالمؤمنون تصدق أفعالهم أقوالهم، ويبذلون في سبيله أنفسهم وأموالهم وأوقاتهم.
والإيمان ليس لعبة يتلهى بها صاحبها، ثم يدعها ويمضي مخالفاً لها، وقد كان المنافقون يدعون الإيمان، ويخالفون مدلوله:{وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)} [النور: 47].
وهذا الفريق الذي يدعي الإيمان، ثم يسلك هذا السلوك الملتوي، إنما هو نموذج للمنافقين في كل زمان ومكان.
المنافقين الذين لا يجرؤون على الجهر بكلمة الكفر، فيتظاهرون بالإسلام، ولكنهم لا يرضون أن تقضي بينهم شريعة الله إلا أن تكون لهم مصلحة،
لعلمهم أن حكم الله ورسوله لا يحيد عن الحق، ولا ينحرف عن الهوى، ولا يتأثر بالمودة والشنآن.
هذا الفريق الناقص من الناس لا يريد الحق، ولا يطيق العدل، ومن ثم يعرضون عن التحاكم إليه:{وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49)} [النور: 48، 49].
إن الرضا بحكم الله ورسوله هو دليل الإيمان الحق، وهو المظهر الذي ينبئ عن استقرار حقيقة الإيمان في القلب، وهو الأدب الواجب مع الله ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وما يرفض حكم الله ورسوله إلا سيئ الأدب، لم يتأدب بأدب الإسلام، ولم يشرق قلبه بنور الإيمان.
إن حركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها، فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه.
فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشر في العشائر والبيوت، بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا للإسلام وللرسول أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا للتظاهر بالإسلام على كره، وهم يضمرون الكفر والحقد والبغضاء، ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر.
وكان وجود اليهود في المدينة، وتمتعهم فيها بقوة عسكرية ومالية، وكراهيتهم لمحمد صلى الله عليه وسلم ولدينه وأتباعه مشجعاً للمنافقين.
وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد، فأخذوا جميعاً يحيكون الدسائس والمؤامرات في كل مناسبة ضد المسلمين.
فإن كان المسلمون في شدة جهروا بعدائهم وبغضائهم .. وإذا كان المسلمون في رخاء ظلت المؤامرات والدسائس سرية .. ودبرت المكايد في الظلام.
فما أخطر المنافقين الذين تولوا عن الإيمان بعد إذ شارفوه: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا
عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26)} [محمد: 25، 26].
ألا ما أخسر صفقة النفاق والمنافقين، إنهم عند الموت تُضرب وجوههم وأدبارهم، الأدبار التي ارتدوا إليها من بعد ما تبين لهم الهدى، فيا لها من مأساة وخسارة:{فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28)} [محمد: 27، 28].
فالمنافقون هم الذين اختاروا لأنفسهم هذا المصير، وهم الذين عمدوا إلى ما أسخط الله من نفاق ومعصية وتآمر مع أعداء الله وأعداء دينه من اليهود. وهم الذين كرهوا رضوانه فلم يعملوا له، بل عملوا ما يسخط الله ويغضبه، فأحبط أعمالهم:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29)} [محمد: 28، 29].
تلك الأعمال التي يُعجبون بها، ويحسبونها مهارة وبراعة، يتآمرون بها على المؤمنين، ويكيدون لهم، فإذا بهذه الأعمال تورثهم ذلة في الدنيا، وعذاباً في الآخرة:{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)} [النساء: 140].
إن بلية الإسلام والمسلمين بالمنافقين شديدة جداً، وخطرهم على المسلمين قوي جداً، لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه، يهدمون ويفسدون، ويزعمون أنهم مصلحون:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)} [البقرة: 11].
يخرجون عداوتهم للإسلام في كل قالب، يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو
غاية الجهل والإفساد: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)} [التوبة: 32].
فارقوا الوحي، وتركوا الاهتداء به، ونزلت عليهم نصوص الوحي نزول الضيف على أقوام لئام، فقابلوها بغير ما ينبغي لها من القبول والإكرام.
يرون أنفسهم أهل العلم والمعرفة، ويرون المتمسك من الناس بالكتاب والسنة سفيهاً غير مقبول، فلا يسمعون منه، ولا يستجيبون له:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)} [البقرة: 13].
ألا ما أخطرهم على جسد الأمة، لبسوا ثياب أهل الإيمان، على قلوب أهل الزيغ والغل والكفران، ألسنتهم ألسنة المسالمين، وقلوبهم قلوب المحاربين:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)} [البقرة: 8].
رأس مالهم الخديعة والمكر، وبضاعتهم الكذب والختر، وعندهم العقل المعيشي أن الفريقين عنهم راضون، وهم بينهم آمنون:{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)} [البقرة: 9].
قد أنهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبهم فأهلكتها، وغلبت المقاصد السيئة على إراداتهم ونياتهم فأفسدتها:{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)} [البقرة: 10].
فسادهم في الأرض كثير، يخرجون العباد من الدين، ويحولون بينهم وبين التصديق، لكل منهم وجهان:
وجه يلقي به المؤمنين .. ووجه ينقلب به إلى إخوانه الملحدين.
قد أعرضوا عن الكتاب والسنة استهزاءً بأهلهما واستحقاراً، وأبوا أن ينقادوا لحكم الوحيين فرحاً بما عندهم من العلم الذي لا ينفع الاستكثار منه إلا شراً،
يستهزؤون بالمؤمنين، ويعظمون إخوانهم الكافرين:{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)} [البقرة: 15].
خرجوا في طلب التجارة البائرة، والعلوم السافلة، في بحار الظلمات، فركبوا مراكب الشبه والشكوك، فهلكوا وأهلكوا وخسروا:{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)} [البقرة: 16].
أضاءت لهم مصابيح الإيمان، فأبصروا في ضوئها مواقع الهدى والضلال، ثم طغى ذلك النور، وبقيت نار تأجج ذات لهب واشتعال، فهم بتلك النار معذبون، وفي تلك الظلمات يعمهون:{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)} [البقرة: 17، 18].
أسماع قلوبهم قد أثقلها الوقر فهي لا تسمع منادي الإيمان.
وعيون بصائرهم عليها غشاوة العمى فهي لا تبصر حقائق القرآن.
وألسنتهم بها خرس عن الحق فهم به لا ينطقون.
{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)} [البقرة: 18].
ألا ما أجهل المنافقين وما أسفههم، نزل عليهم صيِِّب الوحي، وفيه حياة القلوب والأرواح، فلم يسمعوا منه إلا رعد التهديد والوعيد، والأمر والنهي، فجعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم، وجدوا في الهرب:{أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)} [البقرة: 19].
قام بهم الرياء وهو أقبح مقام قام به الإنسان، وقعد بهم الكسل عما أمروا به من أوامر الرحمن، فأصبح الإخلاص عليهم ثقيلاً:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)} [النساء: 142].
هم بين الناس كالشاة التائهة بين الغنمين، تفيء إلى هذا مرة، وإلى هذا مرة، ولا
تستقر مع إحدى الفئتين، فهم واقفون بين الجمعين، ينظرون أيهم أقوى، وأعز قبيلاً:{مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143)} [النساء: 143].
يتربصون بالمسلمين الدوائر، فإن كان للمؤمنين نصر وغنائم قالوا ألم نكن معكم، وإن كان للكفار نصيب قالوا ألم نكن معكم ضد المؤمنين.
ألا ما أسفه المنافقين؟ .. حقاً إن المنافقين هم الكافرون:
يعجب السامع من قول أحدهم لحلاوته ولينه، ويشهد الله على ما في قلبه من كذبه ولينه، فتراه عند الحق نائماً، وفي الباطل قائماً:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)} [البقرة: 204].
يأمرون بكل فساد، وينهون عن كل صلاح، يلبسون لباس التقوى، وفي قلوبهم الكفر البواح، يقول أحدهم ما لا يفعل:{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)} [البقرة: 205].
ألا ما أخزاهم، وأشد كفرهم، يأمرون بالمنكر بعد أن يفعلوه، وينهون عن المعروف بعد أن يتركوه، ويبخلون بالمال في سبيل الله أن ينفقوه:{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67)} [التوبة: 67].
ألا ما أغلظ كفر المنافقين؟ .. وما أقسى قلوبهم؟ .. وما أخطر كيدهم؟.
إن حاكمتهم إلى صريح الوحي نفروا، وإن دعوتهم إلى حكم كتاب الله وسنة رسوله أعرضوا:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61)} [النساء: 61].
فكيف لهؤلاء بالفلاح والهدى بعد ما أصيبوا في عقولهم ودينهم؟.
وأنى لهم التخلص من الضلال والردى وقد اشتروا الكفر بالإيمان؟.
وقد أقسم الله عز وجل محذراً لأوليائه، ومنبهاً على حال هؤلاء بقوله:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65].
تسبق يمين أحدهم كلامه، لعلمه أن قلوب أهل الإيمان لا تطمئن إليه، فيتبرأ بيمينه من سوء الظن به:{اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)} [المنافقون: 2].
برزوا إلى البيداء مع ركب الإيمان، فلما رأوا طول الطريق، وبعد الشقة، نكصوا على أعقابهم ورجعوا:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3)} [المنافقون: 3].
أحسن الناس أجساماً، وأخلبهم لساناً، وألطفهم بياناً، وأخبثهم قلوباً.
فهم كالخشب المسندة، التي لا ثمر لها ولا ينتفع بها:{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)} [المنافقون: 4].
يؤخرون الصلاة عن وقتها، ولا يشهدون الجماعة إلا قليلاً:{وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)} [النساء: 142].
تلك معاملتهم للخالق، أما معاملتهم للخلق فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ، إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» متفق عليه (1).
يحلفون كذباً إنهم منكم وما هم منكم: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (33) واللفظ له، ومسلم برقم (59).
مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56)} [التوبة: 56].
ليس في قلوبهم شجاعة، يخافون إن أظهروا حالهم من المؤمنين، ويخافون أن تتبرؤوا منهم فيتخطفهم الأعداء، قد جمعوا بين رذيلتين: رذيلة الكذب، ورذيلة الجبن، فما أشد خوفهم وجبنهم:{لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)} [التوبة: 57].
إن أصاب المؤمنين عافية ونصر، ساءهم ذلك وغمهم، وإن أصابهم ابتلاء من الله، وامتحان يمحص قلوبهم، ويكفر به عنهم سيئاتهم أفرحهم ذلك وسرهم:{إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)} [آل عمران: 120].
ثقلت عليهم النصوص فكرهوها، وأعياهم حملها فألقوها ووضعوها، وتفلتت منهم السنن فلم يحفظوها، ولم يعملوا بها، فأحبط الله أعمالهم:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)} [محمد: 9].
وهؤلاء المنافقون متفقون تماماً مع أعداء الله ورسوله في محاربة الإسلام وأهله، ينفذون من ذلك ويظهرون حسب الظروف المناسبة:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26)} [محمد: 26].
أسروا سرائر النفاق، فأظهرها الله على صفحات الوجوه منهم، وفلتات اللسان:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)} [محمد: 29، 30].
فكيف بهم إذا جمعوا ليوم التلاق، وتجلى الله جل جلاله للعباد، وعُرضت أعمالهم عليهم في المعاد؟:{خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43)} [القلم: 43].
وكيف بهم إذا حشروا إلى جسر جهنم وهو مظلم لا يقطعه أحد إلا بنور يبصر به
مواطئ الأقدام، فقسمت بين الناس أنوار الإيمان، وبقوا هم في الظلمات يتخبطون.
تباً لهم إن ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكفار.
فماذا يقول المنافقون حينذاك؟ .. وماذا يقال لهم؟ .. وإلى أين يصيرون؟.
إن زرع النفاق ينبت على ساقيتين:
ساقية الكذب .. وساقية الرياء.
ومخرجهما من عينين:
عين ضعف البصيرة .. وعين ضعف العزيمة.
فإذا تمت تلك استحكم نبات النفاق وبنيانه، ولكنه على شفا جرف هار، فإذا شاهد المنافقون سيل الحقائق يوم تبلى السرائر، وبعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، تبين للمنافق أن بضاعته التي حصلها كالسراب:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)} [النور: 39].
ألا ما أخطر النفاق، وما أشد عقوبة المنافقين يوم القيامة:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146)} [النساء: 145، 146].
اللهم طهر قلوبنا من النفاق .. وأعمالنا من الرياء .. وألسنتنا من الكذب .. وأعيننا من الخيانة .. وجوارحنا من المعاصي.