الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
20 - فقه الفقر
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)} [فاطر: 15].
وقال الله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)} [الحشر: 8].
الفقر: عبارة عن فقد ما هو محتاج إليه.
وكل موجود سوى الله تعالى فهو فقير إليه بالذات والصفات؛ لأنه محتاج إلى الله في وجوده، وفي بقائه، وفي حركاته وسكناته، وفي سائر حوائجه.
وفقر العبد إلى ربه بالإضافة إلى أصناف حاجاته لا ينحصر؛ لأن حاجاته لا حصر لها، فالله عز وجل غني بالذات، والخلق كلهم فقراء إليه بالذات.
وقد نادى الله جميع الناس وأخبرهم بحالهم، ووصفهم بأنهم فقراء إلى الله من جميع الوجوه.
فقراء في إيجادهم .. فلولا خلق الله لهم لم يوجدوا.
وفقراء في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح، فلولا إعداد الله إياهم بها لما استعدوا لأي عمل كان.
وفقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق، والنعم الظاهرة والباطنة .. فلولا فضل الله وإحسانه وتيسيره الأمور لما حصل لهم من الأرزاق والنعم شيء.
وفقراء إلى الله في تربيتهم بأنواع التربية وأجناس التدبير.
وفقراء إليه في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم .. فلولا تعليمه لم يتعلموا، ولولا توفيقه لم يصلحوا.
وفقراء إلى ربهم في صرف النقم عنهم، ودفع المكاره، وإزالة الكروب والشدائد، فلولا دفعه عنهم، وتفريجه لكرباتهم، وإزالته لعسرهم؛ لاستمرت عليهم المكاره والشدائد.
وفقراء إلى ربهم في تألههم له، وحبهم له، وعبادتهم إياه، وإخلاص العبادة له .. فلو لم يوفقهم لذلك لهلكوا، وفسدت أرواحهم وقلوبهم وأحوالهم.
فهم الفقراء بالذات إلى ربهم بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أو لم يشعروا، ولكن الموفق منهم الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع إليه سبحانه أن يعينه على جميع أموره، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها.
الغني الذي له ما في السموات وما في الأرض، وغناه تام من جميع الوجوه، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه، ولا يفتقر إلى شيء مما يفتقر إليه الخلق، وذلك لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله، ومن غناه أنه أغنى الخلق كلهم في الدنيا والآخرة.
وهو سبحانه الحميد في ذاته وأسمائه وصفاته، فأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها عليا، وأفعاله كلها فضل وإحسان، وعدل وحكمة ورحمة، فهو الحميد في ذاته، الحميد في أسمائه وصفاته، الحميد على ما فيه، وعلى ما منه، الحميد في غناه.
فهذا الفقر العام المطلق، أما الفقر من المال فالعاقل يرى أن الأموال والأشياء كلها في خزائن الله تعالى لا في يد نفسه، فلا يفرق بين أن تكون بيده أو بيد غيره، وكل رزق في الكون فهو من رزقه.
وللفقير إلى الله آداب في باطنه وظاهره .. وآداب في مخالطته .. وآداب في أفعاله.
فأما أدب باطنه، فأن لا يكون فيه كراهة لما ابتلاه الله تعالى به من الفقر، فالله أعلم بما يصلح له، وإن كان كارهاً للفقر، فهذا أقل درجاته وهو واجب، وأرفع من هذا أن لا يكون كارهاً للفقر بل يكون راضياً به، وأرفع منه أن يكون طالباً له وفرحاً به، لعلمه بغوائل الغنى، كما قال سبحانه: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ
اسْتَغْنَى (7)} [العلق: 6، 7].
وأما أدب ظاهره فأن يظهر التعفف والتجمل، ولا يظهر الشكوى والفقر، بل يستر فقره ويستر أنه يستره، مستغنياً بربه مفتقراً إليه وحده، فهؤلاء الفقراء الأغنياء:{يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273].
وأما في أعماله فأن لا يتواضع لغني لأجل غناه، فهذه رتبة، وأقل منها أن لا يخالط الأغنياء، ولا يرغب في مجالسهم؛ لأن ذلك من مبادئ الطمع وهو مذموم.
وأما أدبه في أفعاله فينبغي له أن لا يفتر بسبب الفقر عن العبادة، ولا يمنع بذل قليل ما يفضل عن حاجته، فإن ذلك جهد المقل، وفضله أكثر مما يبذل عن ظهر غنى.
والسؤال محرم في الأصل، وإنما يباح لضرورة أو حاجة مهمة.
وإنما حرمه الشرع؛ لأنه لا ينفك عن ثلاثة أمور محرمة:
الأول: أنه إظهار لشكوى الله تعالى، إذ السؤال إظهار للفقر، وذكر لقصور نعمة الله تعالى عنه، وهو عين الشكوى لله.
وكما أن العبد المملوك لو سأل غير سيده لكان سؤاله تشنيعاً على سيده، فكذلك سؤال العباد تشنيع على الله تعالى، فهو محرم لا يحل إلا لضرورة كما تحل الميتة للمضطر.
الثاني: أنه فيه إذلال للسائل نفسه لغير الله تعالى، وليس للمؤمن أن يذل نفسه لغير الله، بل عليه أن يذل نفسه لمولاه، فأما الخلق فإنهم عباد أمثاله، فلا ينبغي أن يذل لهم إلا لضرورة، وفي السؤال ذل للسائل، وظلم للمسئول من الخلق.
الثالث: أن السؤال لا ينفك عن إيذاء المسؤول غالباً؛ لأنه ربما لا تسمح نفسه بالبذل عن طيب نفس، فإن بذل حياء من السائل أو رياء فهو حرام على الآخذ، وإن منع ربما استحيا وتأذى في نفسه بالمنع.
ففي المنع نقصان جاهه، وفي البذل نقصان ماله، وكلاهما مؤذيان، والسائل هو السبب في الإيذاء، وأذى المسلم محرم.
والفقراء أربعة:
فقير لا يسأل، وإن أعطي لا يأخذ، فهذا بأرفع المنازل.
وفقير لا يسأل، وإن أعطي أخذ، فهذا دونه.
وفقير يسأل عند الحاجة، فهذا دونه .. وهؤلاء كلهم محمودون.
وفقير يسأل من غير حاجة وضرورة، فهذا مذموم، وصاحبه مأزور غير مأجور.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَألَ النَّاسَ أمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْألُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أوْ لِيَسْتَكْثِر» أخرجه مسلم (1).
وحب الدنيا رأس كل خطيئة، ومقاطعتها إما أن تكون بانزوائها عن العبد، ويسمى ذلك فقراً، وإما بانزواء العبد عنها، ويسمى ذلك زهداً.
ولكل واحد منهما درجة في نيل السعادة.
والدنيا ليست محذورة لعينها، بل لكونها عائقة عن الوصول إلى الله تعالى.
والفقر ليس مطلوباً لعينه، بل لأن فيه فقد العائق عن الله تعالى، وعدم التشاغل به، وكم من غني شغله غناه عن ربه؟ وعن تنفيذ أوامره؟
وكم من فقير شغله فقره عن ربه، وعن امتثال أوامره؟ وصرفه عن حب الله والأنس به، وإنما الشاغل له حب الدنيا، والدنيا معشوقة الغافلين.
فالمحروم منها مشغول بطلبها .. والقادر عليها مشغول بحفظها وجمعها والتمتع بها، وتنميتها والاستكثار منها.
والفقير عن الخطر أبعد، وفراق المحبوب شديد، فإذا أحببت الدنيا كرهت لقاء الله تعالى، فيكون قدومك بعد الموت على ما تكرهه، وفراقك لما تحبه.
وكل من فارق محبوباً كان أذاه في فراقه بقدر حبه له وأنسه به، فعلى العاقل أن
(1) أخرجه مسلم برقم (1041).
يحب من لا يفارقه وهو الله تعالى، ويزهد في الدنيا التي إن لم تفارقه هي فارقها هو، فهو دائم الخوف والحسرة عليها.
وأما آداب الفقير في قبول العطاء:
فإن جاءه مال بغير سؤال ولا استشراف فينبغي أن يلاحظ فيه ثلاثة أمور:
نفس المال .. وغرض المعطي .. وغرضه في الأخذ.
أما في المال فينبغي أن يكون خالياً عن الشبهات كلها، فإن كان فيه شبهة لم يأخذه.
وأما غرض المعطي فلا يخلو إما أن يكون طالباً للمحبة والإلفة وهو الهدية، فلا بأس بقبولها إذا لم تكن رشوة، ولم يكن فيها منَّة.
وإن كان غرض المعطي الثواب وهو الزكاة والصدقة، فعليه أن ينظر هل هو مستحق لذلك أم لا؟
وإن كان غرض المعطي الشهرة والرياسة والسمعة فينبغي أن يرد عليه قصده الفاسد فلا يأخذه.
وأما غرضه في الأخذ فلينظر هل هو محتاج إليه أو مستغن عنه؟
فإن كان مستغنياً عنه لم يأخذه، وإن كان محتاجاً إليه وقد سلم من الشبهة والآفات فالأفضل له الأخذ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر:«خُذْهُ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» متفق عليه (1).
والفقر نوعان:
الأول: فقر اضطراري، وهو فقر عام لا خروج لبر ولا فاجر عنه.
الثاني: فقر اختياري، وهو نتيجة علمين شريفين:
أحدهما: معرفة العبد بربه .. والثاني معرفته بنفسه.
ومن حصلت له هاتان المعرفتان أثمرتا له فقراً هو عين غناه، وعنوان سعادته
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (7163)، ومسلم برقم (1045)، واللفظ له.
وفلاحه.
وتفاوت الناس في هذا الفقر بحسب تفاوتهم في هاتين المعرفتين:
فمن عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق .. ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومن عرف ربه بالعلم التام والحكمة عرف نفسه بالجهل والظلم.
والله عز وجل أخرج العبد من بطن أمه لا يعلم شيئاً، ولا يقدر على شيء، ولا يملك شيئاً، ولا يقدر على عطاء ولا منع، ولا ضر ولا نفع، ولا شيء البتة.
فكان فقره في تلك الحال إلى ما به كماله أمراً مشهوداً محسوساً لكل أحد، ولا ريب أن هذا من لوازم ذاته، وما بالذات دائم بدوامها، وهو لم ينتقل من هذه الرتبة إلى رتبة الربوبية والغنى، بل لم يزل عبداً فقيراً بذاته إلى بارئه وفاطره.
فلما أسبغ الله عليه نعمته، وأفاض عليه رحمته، وساق إليه أسباب كمال وجوده ظاهراً وباطناً، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، وأعلمه وأقدره، وصرفه وحركه، ومكنه من استخدام بني جنسه، وسخر له الخيل والإبل، وسلطه على الدواب، وعلى صيد الطيور، وقهر الوحوش، وحفر الآبار، وغرس الأشجار، وتعلية البناء، ويسر له الكسب والتجارة، ورزقه الأموال والأشياء، ظن المسكين أن له نصيباً من الملك والتصريف والتدبير.
وادعى لنفسه ملكاً مع الله سبحانه، ورأى نفسه بغير تلك العين الأولى، ونسي ما كان فيه من حالة الإعدام والفقر والحاجة:{أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67)} [مريم: 67].
ففقر العباد إلى ربهم نوعان:
فقر إلى ربوبيته: وهو فقر المخلوقات بأسرها إلى ربها، في إيجادها ومصالحها.
وفقر إلى ألوهيته: وهو فقر أنبيائه ورسله وعباده الصالحين.
وهذا هو الفقر النافع، فإن فقر العبد إلى أن يعبد الله وحده لا شريك له ليس له
نظير فيقاس به.
فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، ولا صلاح له إلا بإلهه الحق الذي لا إله إلا هو، فلا يطمئن إلا بذكره، ولا يسكن إلا بمعرفته وحبه، ومهما حصل له من اللذات والسرور بغيره فلا بدَّ أن يفارقه.
وأما إلهه الحق فلا بدَّ له منه في كل وقت وفي كل حال وأينما كان.
فنفس الإيمان به وتوحيده، ومحبته وعبادته، وذكره وإجلاله هو غذاء الإنسان وقوته، وصلاحه وقوامه.
فليست عبادته وشكره وذكره تكليف ومشقة لمجرد الابتلاء والامتحان، أو لمجرد التعويض بالثواب المنفصل كالمعاوضة بالأثمان، أو لمجرد رياضة النفس ليرتفع عن درجة البهيم من الحيوان.
بل عبادة الله وشكره ومعرفته وتوحيده قرة عين الإنسان، وأفضل لذة للروح والقلب، وأطيب نعيم ناله من أكرمه الله بهذا الشأن.
وفقر العباد إلى الله أمر ذاتي لهم لا ينفك عنهم، وغنى الرب سبحانه لذاته لا لعلة أوجبت غناه.
فالفقير بذاته محتاج إلى الغني بذاته سبحانه.
وفقر العالم كله إلى الله عز وجل أمر ذاتي لا يعلل، فهو فقير بذاته إلى ربه الغني بذاته.
فالفقر المطلق ثابت للعباد من كل وجه، والغنى المطلق ثابت للرب من كل وجه.
والفقر اسم للبراءة من رؤية الملكة، فالفقير هو الذي يجرد رؤية الملك لمالكه الحق، فيرى نفسه مملوكة لله، لا يرى نفسه مالكاً بوجه من الوجوه، ويرى أعماله مستحقة عليه بمقتضى كونه عبداً مملوكاً مستعملاً فيما أمره به سيده.
فنفسه مملوكة، وأعماله مستحقة، فليس مالكاً لنفسه ولا لشيء من أعماله، ويرى ما بيده من الأموال والأسباب كالوديعة، فهي أموال سيده ونعمه، وهو
متصرف فيها بأمر سيده.
فالله هو المالك الحق لكل شيء، وما بيد خلقه هو من أمواله وأملاكه وخزائنه، أفاضها عليهم ليمتحنهم في البذل والإحسان، وهل يكون ذلك منهم على شاهد العبودية لله، فيبذل أحدهم الشيء رغبة في ثواب الله، ورهبة من عقابه، وتقرباً إليه وطلباً لمرضاته؟.
أم يكون البذل والإمساك منهم صادراً عن مراد النفس، وغلبة الهوى، وموجب الطبع؟.
فيعطي لهواه، ويمنع لهواه، فيكون متصرفاً تصرف المالك لا المملوك؛ فيكون مصدر تصرفه الهوى ومراد النفس.
وغايته الرغبة فيما عند الخلق من جاه أو رفعة أو منزلة أو مدح، أو الرهبة من فوت شيء من هذه الأشياء.
فهذا يرى نفسه مالكاً خرج عن حد العبودية ونسي فقره.
ولو عرف نفسه حقاً لعلم أنه مملوك ممتحن، في صورة ملك متصرف كما قال سبحانه:{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14)} [يونس: 14].
ووجود المال بيد الفقير لا يقدح في فقره، إنما يقدح في فقره رؤيته لملكيته، وإنما هو لسيده وهو كالخازن لسيده، الذي ينفذ أوامره في ماله، وله خزائن السموات والأرض.
وإذا أصاب المال الذي في يده نائبة أو جائحة رأى أن المالك الحق هو الذي أصاب مال نفسه، فما للعبد والجزع والهلع؟.
وإنما تصرف مالك المال في ملكه الذي هو وديعة في يد مملوكه، فله الحكم في ماله وحده:
إن شاء أبقاه .. وإن شاء أفناه .. وإن شاء زاده .. وإن شاء نقصه، فلا يتهم مولاه في تصرفه في ملكه .. بل يرى تدبيره هو موجب الحكمة.
والفقر على ثلاث درجات:
الأولى: فقر الزهاد، وهو نفض اليدين من الدنيا ضبطاً أو طلباً، فهو لا يضبط يده مع وجود المال شحاً، ولا يطلبها مع فقدها سؤالاً وحرصاً، وإسكات اللسان عنها ذماً أو مدحاً؛ لأن من اهتم بأمر وكان له في قلبه موقع اشتغل اللسان بما فاض على القلب من أمره مدحاً أو ذماً.
فهو إن حصلت له الدنيا مدحها .. وإن فاتته ذمها .. ومدحها أو ذمها علامة موضعها من القلب، والشيء إذا صغر أعرض القلب عنه مدحاً أو ذماً.
والقلوب تولد كما تولد الأبدان.
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أباً للمؤمنين، وأزواجه أمهاتهم، فإن قلوبهم وأرواحهم ولدت به ولادة أخرى غير ولادة الأمهات، فإنه أخرج أرواحهم وقلوبهم من ظلمات الجهل والضلال والغي، إلى نور العلم والإيمان، وفضاء المعرفة والتوحيد.
والقلوب في هذه الولادة ثلاثة:
قلب لم يولد ولم يأن له، بل هو جنين في بطن الشهوات والغي، والجهل والضلال.
وقلب قد ولد، وخرج إلى فضاء المعرفة والتوحيد، ونور العلم والإيمان، فقرت بالله عينه، وقرت عيون به وقلوب، وذكرت رؤيته بالله، فاطمأن بالله وسكن إليه.
وقلب ثالث في البرزخ ينتظر الولادة صباحاً ومساءً.
تأبى عليه غلبات المعرفة والحب والشوق إلا تقرباً إلى ربه، وتأبى عليه غلبات الطبع إلا جذبه وإيقافه وتعويقه، فهو بين هذا مرة، وهذا مرة.
الدرجة الثانية: الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل، وذلك يورث الخلاص من رؤية الأعمال، ويقطع شهود الأحوال.
فبفضل الله ورحمته وجدت منه الأقوال الشريفة، والأعمال الصالحة.
وبفضله ورحمته وصل إلى رضاه ورحمته وقربه وكرامته.
والقلب إناء واحد، والأشربة متعددة، فأي شراب ملأه لم يبق فيه موضع لغيره.
وإنما يمتلئ الإناء بأعلى أنواع الأشربة إذا صادفه خالياً، ففقر صاحب هذه الدرجة تفريغه إناءه من كل شراب غير شراب المحبة والمعرفة، وكيف يوضع شراب التسنيم الذي هو أعلى أشربة المحبين في إناء ملآن بخمر الدنيا والهوى.
فهو سبحانه الأول في كل شيء .. والآخر في كل شيء .. الظاهر فوق كل شيء .. الباطن دون كل شيء .. فعبوديته باسمه الأول تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب والوقوف عليها والالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضل الله ورحمته، وأنه هو المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد.
فمنه سبحانه الإعداد .. ومنه الإمداد .. وفضله سابق على الوسائل .. والوسائل من مجرد فضله وجوده.
وعبوديته باسمه الآخر تقتضي كذلك عدم ركونه ووقوفه بالأسباب والوقوف معها، فإنها تنعدم لا محالة، وتنقضي بالآخرية ويبقى الدائم الباقي بعدها.
فالتعلق بها تعلق بما يموت ويفنى، والتعلق بالآخر تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول.
فالأمر ابتدأ منه سبحانه وإليه يرجع، فهو المبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة، وإليه ينتهي الأمر حيث تنتهي الأسباب، فكان الله ولم يكن شيء غيره، وكل شيء هالك إلا وجهه، فهو سبحانه أول كل شيء وآخره، وكما أنه رب كل شيء وخالقه وبارئه فهو إلهه ومعبوده.
وعبوديته باسمه الظاهر أن يعلم أن ربه ليس فوقه شيء، له العلو المطلق على كل شيء بذاته، القاهر فوق عباده.
فالتعبد باسمه الظاهر يجمع القلب على المعبود، ويجعل له رباً يقصده، ويلجأ إليه، ويتوكل عليه ويفر إليه.
وعبوديته باسمه الباطن أن يعلم أن ربه ليس دونه شيء، وأنه محيط بالعالم، وأنه العظيم الذي كل العوالم في قبضته ظاهرها وباطنها كبيرها وصغيرها فكما أنه
العالي على خلقه بذاته فليس فوقه شيء، فهو الباطن بذاته فليس دونه شيء، بل ظهر على كل شيء فكان فوقه، وبطن فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه.
الدرجة الثالثة: صحة الاضطرار، وهذه الدرجة فوق الدرجتين قبلها، فإن الفقر الأول فقر عن الأعراض الدنيوية، والثاني فقر عن رؤية المقامات والأحوال، والثالث فقر عن ملاحظة الموجود الساتر للعبد عن مشاهدة الوجود، فيبقى الوجود كله في قبضة الحق عز وجل كالهباء المنثور في الهواء يتقلب بتقليبه إياه.
فالفقر الأعلى أن يشهد العبد اضطراره إلى الحي القيوم، ويشهد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فقراً تاماً إليه من جهة كونه رباً له، ومن جهة كونه إلهاً معبوداً لا غنى له عنه، كما لا وجود له بغيره.
فهذا هو الغني بلا مال، القوي بلا سلطان، العزيز بلا عشيرة، المكفي بلا عتاد.
قد قرت عينه بالله فقرت به كل عين، واستغنى بالله فافتقر إليه الأغنياء والملوك.
وهذا الفقير المضطر إلى خالقه في كل طرفة عين إن حركه ربه بطاعة أو نعمة شكرها، وقال هذا من فضل ربي ومنه، فله الحمد.
وإن تحرك بمبادئ معصيته صرخ واستغاث بربه قائلاً: أعوذ بك منك، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.
فإن تم تحريكه بمعصية التجأ إلى ربه التجاء أسير قد أسره عدوه وهو يعلم أنه لا خلاص له ولا يفكه من أسره إلا سيده، أما هو فلا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فهو في أسر العدو ناظر إلى سيده متى يفكه منه؟.
فهو سبحانه الذي ينجي من قضائه بقضائه، وهو الذي يعيذ بنفسه من نفسه، وهو سبحانه الذي يدفع ما منه بما منه، فالخلق كله له، والأمر كله له، والحكم كله له، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
ولا يهدي لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق إلا هو، ولا يصرف سيئها إلا هو: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ
لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)} [يونس: 107].
والغنى والفقر مطيتان يركبهما الناس إلى الآخرة .. والغنى له عبودية .. والفقر له عبودية .. وكما أن للغنى أوامر .. فكذلك للفقر أوامر.
والغنى كالفقر أمر من أوامر الله يبتلى بهما العباد، والمسلم غني بربه فلا يخاف من الفقر، وكيف يخاف المسلم من الفقر ومولاه له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟.
وحقيقة الفقر: أن يصير العبد كله لله، لا يبقى عليه بقية من نفسه وحظه وهواه؛ لأنه إذا كان لنفسه فليس لله، وإذا لم يكن لنفسه فهو لله.
فحقيقة الفقر أن لا تكون لنفسك، ولا يكون لها منك شيء، بحيث تكون كلك لله، وإذا صح الافتقار إلى الله تعالى فقد صح الاستغناء بالله، وإذا صح الاستغناء بالله كمل الغنى به.
ولفظ الفقر ورد في القرآن في ثلاثة مواضع:
أحدها: في قوله سبحانه: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)} [البقرة: 273].
الثاني: في قوله سبحانه: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)} [التوبة: 60].
الثالث: في قوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)} [فاطر: 15].
فالصنف الأول: خواص الفقراء.
والثاني: فقراء المسلمين عامهم وخاصهم.
والثالث: الفقر العام لأهل الأرض كلهم فقيرهم وغنيهم، ومؤمنهم وكافرهم.
والمراد بالفقر هنا شيء أخص من هذا كله، وهو تحقيق العبودية لله، والافتقار إلى الله تعالى في كل حال، والاستغناء به عما سواه.
وأما الفقير الصابر .. والغني الشاكر .. أيهما أفضل؟.
فإن التفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى، وإنما يرجع إلى الأعمال والأحوال، والتفضيل عند الله بالتقوى لا بالغنى والفقر كما قال سبحانه:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
والفقر والغنى ابتلاء من الله لعباده كما قال سبحانه: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)} [الفجر: 15 - 20].
فالإكرام ليس بالغنى، والإهانة ليست بالفقر، بل الإكرام أن يكرم الله عبده بطاعته والإيمان به، ومحبته ومعرفته، والإهانة أن يسلبه ذلك.
والدنيا: ما سوى الله تعالى من المال والجاه، والصور والمراتب، وهي اسم لمدة بقاء هذا العالم .. أو اسم لما بين السماء والأرض، فعلى الأول تكون الدنيا زماناً، وعلى الثاني تكون مكاناً.
ولما كان لها تعلق بالقلب واللسان والجوارح كان حقيقة الفقر تعطيل هذه الثلاثة عن تعلقها بها، وسلبها منها، وتفريغها لطاعة الله، وتحريكها وتشغيلها بامتثال أوامر الله، وحبسها عن محارم الله.
وجميع ما يدب على وجه الأرض من آدمي وحيوان، بري أو بحري، وكل طير، وكل حشرة، وكل ذرة، فالله تعالى قد تكفل بأرزاقهم وأقواتهم، وهم جميعاً فقراء إليه في إيجادهم وإمدادهم وبقائهم.
وهو سبحانه الذي يعلم مستقر هذه الدواب، والمكان الذي تنتقل إليه في ذهابها ومجيئها، وجميع حركاتها وسكناتها، وعوارض أحوالها، كل ذلك كتبه الله في اللوح المحفوظ، الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وهذه الخلائق جميعاً قد أحاط بها علم الله، وجرى بها قلمه، ونفذت فيها مشيئته، ووسعها رزقه:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)} [هود: 6].
فلتطمئن القلوب إلى كفاية من تكفل بأرزاقها، وأحاط علماً بذواتها وصفاتها، ومكانها وزمانها، وقسم أرزاقها، ولتعمل بما أمرها الله ورسوله به من الإيمان بالله، وتوحيده وطاعته، وفعل ما أمرها الله به، واجتناب ما نهى الله عنه {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)} [النساء: 69، 70].