الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
17 - فقه الصدق
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} [التوبة: 119].
وقال الله تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)} [المائدة: 119].
الصدق: الوفاء لله بالعمل، والقول بالحق في مواطن الهلكة.
وأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية، وهي كمال الانقياد للرسول صلى الله عليه وسلم مع كمال الإخلاص للمرسل:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)} [النساء: 69، 70].
وقد أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق فقال: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80)} [الإسراء: 80].
وأخبر عن خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنه سأله أن يهب له لسان صدق في الآخرين فقال: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84)} [الشعراء: 84].
وبشر عباده بأن لهم عنده قدم صدق فقال سبحانه: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (2)} [يونس: 2].
وكذلك أخبر الله أن لهم مقعد صدق عند ربهم فقال سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)} [القمر: 54، 55].
فهذه خمسة أشياء:
مدخل الصدق .. ومخرج الصدق .. ولسان الصدق .. وقدم الصدق .. ومقعد الصدق.
وحقيقة الصدق في هذه الأشياء: هو الحق الثابت المتصل بالله، الموصل إلى
الله، وهو ما كان بالله ولله، من الأقوال والأعمال والنيات، ومداخله صلى الله عليه وسلم ومخارجه كلها مداخل صدق ومخارج صدق، إذ هي لله وبالله وبأمره، ولابتغاء مرضاته.
والصادق لا تراه إلا هارباً من مكان إلى مكان، ومن عمل إلى عمل، ومن حال إلى حال؛ لأنه يخاف في كل حال يطمئن إليها أن تقطعه عن مطلوبه، فهو كالجوال في الآفاق في طلب الغنى، الذي يفوق به الأغنياء.
والصادق مطلوبه رضى ربه، وتنفيذ أوامره، وتتبع محابه، فهو متقلب فيها يسير معها حيث سارت، فبينما هو في صلاة، إذ رأيته في ذكر، ثم في غزو، ثم في حج، ثم في إحسان إلى الخلق، ثم في أمر بالمعروف، ثم في نهي عن منكر، أو في عيادة مريض، أو تشييع جنازة أو نصر مظلوم .. أو غير ذلك من القرب والطاعات وأعمال البر المختلفة.
والصدق يطلق على معان كثيرة:
منها الصدق في القول، فلا يتكلم إلا بالصدق، والصدق باللسان أشهر أنواع الصدق وأظهرها.
وينبغي للعبد أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربه، فإن كان قلبه منصرفاً عن الله، مشغولاً بالدنيا، فهو كاذب.
ومنها الصدق في النية والإرادة، وذلك يرجع إلى الإخلاص، فإن فقد ذلك بطل صدق النية.
ومنها الصدق في العزم والوفاء به كأن يقول: إن آتاني الله مالاً تصدقت به ونحوه.
ومنها الصدق في الأعمال، وهو أن تستوي سريرته وعلانيته في جميع أعماله.
ومنها الصدق في مقامات الدين كالصدق في الخوف والرجاء، والزهد والحب، والتوكل على الله ونحو ذلك.
وكل من عامل الله بالصدق استأنس به، واستوحش من الخلق.
ومن علامات الصدق:
كتمان الطاعات والمصائب جميعاً .. وكراهة اطلاع الخلق على ذلك.
ومقام الصديقين مقام رفيع، ومع علو هذا المقام فهو بفضل الله ميسور لمن أراده، وليس وقفاً على أفراد، ولا على طائفة، فكل من يحقق إيمانه بالله ورسله فله حظ في هذا المقام الرفيع:{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} [الحديد: 19].
ألا ما أجمل هذا الدين وما أحسنه؟.
إنه طريق مفتوح لجميع البشر، وأفق يتطلع إليه الجميع، ليس فيه احتكار للمقامات، وليس فيه خصوصيات محجوزة لأناس بأعيانهم، وليس إلا العمل الصالح المبني على التقوى، فهو الذي يصعد بصاحبه إلى أرقى الدرجات:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)} [الحجرات: 13].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الأفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أوِ الْمَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ» . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! تِلْكَ مَنَازِلُ الأنْبِيَاءِ، لا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ:«بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» متفق عليه (1).
والصدق كحمل الجبال الرواسي، لا يطيقه إلا أصحاب العزائم القوية، ولذلك صار موصلاً إلى الجنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ، يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا» أخرجه مسلم (2).
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3256)، ومسلم برقم (2831)، واللفظ له.
(2)
أخرجه مسلم برقم (2607).
والصدق على ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: صدق القصد، وهو كمال العزم وقوة الإرادة، بأن يكون في القلب داعية صادقة إلى السلوك، وبه يتلافى كل تفريط، فلا يترك فرصة تفوته، وما فاته يتداركه بحسب الإمكان.
فيصلح من قلبه ما مزقته يد الغفلة والشهوة، ويعمر فيه ما خربته يد البطالة، ويقلع ما وجده شوكاً، ويزرع منه ما وجده بوراً.
قد انجذبت قوى روحه كلها إلى إرادة الله وطلبه، وابتعد عن صحبة أهل الغفلة وقطاع الطريق إلى الله، فإن اضطر لصحبتهم صحبهم بقالبه لا بقلبه؛ لئلا يفسدوا عليه حاله.
الدرجة الثانية: أن لا يتمنى الحياة إلا للحق، ولا يشهد من نفسه إلا أثر النقصان، ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص، فهو لا يحب أن يعيش إلا ليشبع من رضى محبوبه، ويقوم بعبوديته لا لعلة من علل الدنيا وشهواتها، ولا يرى نفسه إلا مقصراً قليل الزاد.
فمن عرف نفسه وعرف ربه لم ير نفسه إلا بعين النقصان والتقصير، ويعمل على رضا محبوبه والتقلب في محابه، فإن كانت الرخص أحب إليه من العزائم كالفطر في السفر فعلها، فهو يستعد بهذه الرخصة لعبودية أخرى.
أما الرخص التأويلية، والآراء الشاذة، والأقوال التي تصيب وتخطئ، فالأخذ بها عين البطالة وهو مناف للصدق.
الدرجة الثالثة: الصدق في معرفة الصدق، فإن العبد إذا صدق الله رضي الله بعمله وحاله ويقينه؛ لأنه قد رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً.
فرضي الله به عبداً، ورضي بأقواله وأعماله القائمة على الإخلاص والمتابعة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ
رَبَّهُ (8)} [البينة: 7، 8].
والصدِّيق كثير الصدق، الذي لم يصدر منه الكذب أصلاً، الذي صدق بقوله واعتقاده وأعماله كما قال سبحانه:{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41)} [مريم: 41].
والصديقون قوم دون الأنبياء في الفضيلة، ودرجتهم تلي درجة النبيين.
والصدق هو الطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من الهالكين، وبه تميز أهل الإيمان من أهل النفاق، وسكان الجنان من سكان النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وُضِع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلاً إلا أزاله وصرعه، وهو روح الأعمال ولبها.
والإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما يحارب الآخر.
وقسم الله سبحانه الناس إلى صادق ومنافق كما قال سبحانه: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24)} [الأحزاب: 24].
وأخبر سبحانه أنه لا ينفع العبد ولا ينجيه من عذابه يوم القيامة إلا الصدق كما قال سبحانه: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)} [المائدة: 119].