الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
28 - فقه المحاسبة
قال الله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)} [الحشر: 18].
وقال الله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)} [البقرة: 281].
المحاسبة: هي التمييز بين ما للإنسان وما عليه.
فيأخذ ماله .. ويؤدي ما عليه .. لأنه مسافر سفر من لا يعود.
وينظر ما قدم لغد، هل يصلح ما قدمه أن يلقى الله به أولا يصلح؟
وينظر هل يكفيه ما قدم من عمل فينجيه من عذاب الله، ويبيض وجهه عند الله؟
وينظر كذلك إلى ما قدم من العمل، هل يحبه الله ويرضاه، أم يبغضه ويسخطه؟.
ومن حاسب نفسه في الدنيا خف في القيامة حسابه، ومن أهمل المحاسبة دامت حسراته في الدنيا والآخرة.
والناس متفاوتون في المحاسبة، وفي كيفية الحساب؟
والمحاسبة أن يخلو العبد بنفسه مثلاً ويقول:
اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة، وإن كل عبد ينشر له بكل يوم وليلة أربع وعشرون خزانة مصفوفة، فيفتح له خزانة منها فيراها مملوءة نوراً من حسناته التي عملها في تلك الساعة فيسره ذلك، ويفتح له خزانة أخرى مظلمة يفوح ريحها نتناً، ويغشاه ظلامها، وهي الساعة التي عصى الله فيها فيسوؤه ذلك، ويفتح له خزانة أخرى فارغة ليس فيها ما يسوؤه ولا ما يسره، وهي الساعة التي نام عنها، أو غفل عنها، ويتحسر على خلوها.
وهكذا تعرض عليه خزائن أوقاته وأعماله وإهماله.
ثم يستأنف لنفسه وصية أخرى في أعضائه السبعة وهي:
العين .. والأذن .. واللسان .. واليد .. والرجل .. والبطن .. والفرج.
فيشغل ويحلي كل عضو بما خلق له من الطاعات، ويحفظه من المعاصي.
ثم يواصل ترغيبها في العبادات التي تتكرر في اليوم والليلة، فرضها ونفلها، بالاستكثار منها، وحسن أدائها، والمواظبة عليها حتى تتعود النفس على ذلك.
وعلى الإنسان أن يراقب نفسه قبل العمل، وأثناء العمل، هل حركه عليه هوى النفس أو الرياء، أو المحرك له هو الله تعالى، فإن كان الله أمضاه وهذا هو الإخلاص، وإن كان لغيره تركه.
وقد خلق الله تبارك وتعالى النفس أمارة بالسوء، ميالة إلى الشر، وقد أمرنا الله بتزكيتها وفطامها لتكون مطمئنة عابدة لربها.
ومن محاسبة النفس وعظها وتذكيرها بما ينفعها، وزجرها عما يضرها كأن يقول لها:
يا نفس .. أما تعلمين أن الموت يأتي بغتة، ولا يتوقف على سن دون سن، وكل ما هو آت قريب، فمالك لا تستعدين للموت وهو قريب؟
يا نفس .. أما تعلمين أنك صائرة إلى الجنة أو النار، فكيف يلهو من لا يدري إلى أيتهما يصير، وربما اختطف في يومه أو غده؟.
يا نفس .. إن كانت جرأتك على معصية الله لاعتقادك أن الله لا يراك، فما أعظم كفرك، وإن كنت تعلمين أنه يراك فما أشد جهلك، وما أقل حياءك.
يا نفس .. إن كان المانع لك من لزوم الاستقامة حب الشهوات فاطلبي الشهوات الباقية الصافية من الكدر.
يا نفس .. ألم الصبر عن الشهوات أشد وأطول أم ألم النار في الدركات؟
يا نفس .. جوار رب العالمين لا يعدله جوار، فاعملي في أيام قصار لأيام طوال، واخرجي من الدنيا خروج الأحرار، قبل أن يكون خروج اضطرار.
واعلمي أن من كانت مطيته الليل والنهار سير به وإن لم يسر.
وكل فساد في الدنيا إنما يحصل حينما لا يتوقع الفرد أو المجتمع حساباً، أما إذا توقع المجتمع حساباً فهنا ينتظم الأمر، وتصلح أحوال الأمة.
والمحاسب في المجتمع:
إما الحاكم الذي نصبه الله ليقيم شرعه في الأمة.
أو المجتمع الذي يحاسب صاحب الجريمة بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر،
أو النفس التي تحاسب صاحبها وتلومه وتؤنبه، أو الاعتقاد أنه محكوم أمام عيني خبير لا تخفى عليه خافية، لا يستطيع أن يستتر عنه أحد، وأنه يراقبني وسوف يحاسبني على ما عملت.
فمن لا يرجو حساباً .. ولا يتوقع سؤالاً في الدنيا والآخرة، فإنه يفسد ويهمل العمل للآخرة كما قال سبحانه:{إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28)} [النبأ: 21 - 28].
والمحاسبة لها ثلاثة أركان:
أحدها: أن تقايس بين نعم الله عليك وبين جنايتك، وما من الله وما منك، فيظهر لك حينئذ التفاوت، وتعلم أن ليس إلا عفوه ورحمته، أو الهلاك والعطب.
وبذلك يعلم العبد أن كل نعمة من الله فضل، وكل نقمة منه عدل، وأن النفس منبع كل شر، وأساس كل نقص، وأنه لولا فضل الله ورحمته بتزكيته لها ما زكت أبداً، ولولا هداه ما اهتدت.
ثم تقايس بين الحسنات والسيئات، فتعلم أيهما أكثر وأرجح قدراً أو صفة بالعلم الذي يميز به العبد بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والخير والشر، ويبصر به مراتب الأعمال أفضلها وأدناها، ومقبولها ومردودها، وبإساءة الظن بالنفس؛ لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال المراقبة والتفتيش، ويُلَبَّس عليه، فيرى المساوئ محاسن، والعيوب كمالاً، ويميز بين النعمة والفتنة:
فيفرق بين النعمة التي يرى بها الإحسان واللطف، ويعان بها على تحصيل سعادته الأبدية، وبين النعمة التي يرى بها الاستدراج، فكم من مستدرج بالنعم
وهو لا يشعر، مفتون بثناء الجهال عليه، مغرور بقضاء الله حوائجه وستره عليه.
وكذلك على العبد أن يميز بين منَّة الله عليه، وبين حجة من الله عليه.
فكل قول، أو عمل، أو مال، أو علم، أو فراغ، أو جهد، أو ثناء اقترن به رضا الله وطاعته، واشتغال بما يحبه ويرضاه، فهو منَّة من الله، وإلا فهو حجة من الله عليك.
الثاني: أن يميز العبد بين ما للحق عليه من وجوب العبادة، وفعل الطاعات، واجتناب المعاصي، وبين ماله وما عليه، فعليه حق، وله حق، ولا بدَّ من إعطاء كل ذي حقه حقه.
الثالث: أن يعرف الإنسان أن كل طاعة رضيها الله منه فهي عليه.
فجهل الإنسان بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله، وجهله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به يتولد منهما رضاه بطاعته، وإحسان ظنه بها، ويتولد من ذلك العجب والكبر والآفات ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة من الزنى وشرب الخمر ونحوهما.
وأرباب العزائم وأهل البصائر أشد ما يكونون استغفاراً عقيب الطاعات، بشهودهم تقصيرهم فيها، وعدم القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه.
وأنه لولا الله لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية، ولا رضيها لسيده، فالنفس مأوى كل عيب وشر، وعملها عرضة لكل آفة ونقص، ولكن الله يعفو ويضاعف ويرحم، ويجزي على العمل القليل الأجر الكثير، وهو الجواد الكريم.
والتاجر يحسب كل يوم كم كسب؟ وكم خسر؟ وكم استهلك؟
وذلك ليضمن بقاء ماله ونمو تجارته.
وهكذا كل مؤمن ينبغي أن يحاسب نفسه، فإن كانت طاعاته أكثر من معاصيه فعليه أن يحمد الله، ويستمر في الطاعة، ويزيدها وينوعها ويحسنها، لتكون مقبولة موفورة.
وإن كانت معاصيه أكثر من طاعاته فعليه فوراً المبادرة إلى التوبة، فهو عرضة للهلاك والعطب.
وإن كانت معاصيه وطاعاته سواء فهذا جمود، والمؤمن مأمور بالمسارعة والمسابقة إلى الخيرات، والمنافسة فيها، وترغيب الناس فيها.
والمؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله عز وجل، يعلم أنه مؤاخذ ومحاسب على سمعه وبصره، وعلى لسانه وجوارحه.
وحياة المسلم كلها علم وعمل، وعبادة ودعوة، وجهاد وإحسان، فيجب عليه أن يحاسب نفسه أول النهار وآخره.
ومعنى المحاسبة أن ينظر في رأس المال، وفي الربح، وفي الخسران، ليتبين له الزيادة من الخسران.
فرأس المال في الدين الفرائض .. وربحه النوافل والفضائل .. وخسرانه المعاصي والسيئات.
وينبغي للعبد أن يحاسب نفسه على المعاصي في كل ساعة، فإن الإنسان لو رمى بكل معصية يفعلها حجراً في داره؛ لأمتلأت داره في مدة يسيرة.
ولو كان للمعاصي رائحة كريهة ما أطاق أحد الجلوس في بيته، ولكن الإنسان يتباهى بذكر الطاعات، ويتساهل في حفظ نفسه من المعاصي.
والكل معدود ومحسوب ومعروض على العبد، أحصاه الله في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} [الزلزلة: 7،8].
وكذلك ينبغي للمؤمن أن يكون فكره الأغلب فيما يتعلق بدينه، فينظر في أربعة أمور:
الطاعات .. والمعاصي .. والصفات المنجيات .. والصفات المهلكات.
فيحرص على الطاعات .. ويجتنب المعاصي .. ويعرض ذلك على نفسه كل يوم.
فمن المهلكات ينظر في عشرة، فإن سلم منها سلم من غيرها وهي:
الكبر .. والعجب .. والبخل .. والرياء .. والحسد .. وشدة الغضب .. وشره الطعام .. وشره الوقاع .. وحب المال .. وحب الجاه.
ومن المنجيات ينظر في عشرة وهي:
الندم على الذنوب .. والشكر على النعماء .. والصبر على البلاء .. والرضا بالقضاء .. والزهد في الدنيا .. واعتدال الخوف والرجاء .. والإخلاص في الأعمال .. وحب الله تعالى .. وحسن الخلق مع الخلق .. والخشوع لله.
فيتخلص من المهلكات واحدة بعد واحدة، ويبادر إلى المنجيات واحدة بعد واحدة، وذلك لا يتم إلا بتوفيق الله وعونه.
وعلى المسلم إن كان عليه مظالم أن يردها قبل أن يموت، فإن غرماءه يحيطون به يوم القيامة، فهذا يقول ظلمني، وهذا يقول استهزأ بي، وهذا يقول أساء جواري، وهذا يقول سرقني.
فيؤخذ من حسناته، وتعطى لكل واحد بقدر مظلمته، فإن فنيت حسناته، أُخذ من سيئاتهم وطرحت عليه، نسأل الله السلامة والعافية.