الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير عقيدة التوحيد
المؤلف/ المشرف:
إبراهيم بن محمد البريكان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن عفان - القاهرة ̈الأولى
سنة الطبع:
1425هـ
تصنيف رئيس:
توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي:
ابن تيمية - ترجمة كاملة أو دراسة منهجية
ونظرا لأن البحث قد اشتمل على عدة مباحث، وهي متنوعة من حيث الفكرة والموضوع، فإني قد توصلت من خلال دراستي لهذا الموضوع إلى نتائج أهمها:
أولا: أن كلمة توحيد اصطلاح شرعي لا خطأ في استعماله، وإنما الخطأ حصل في فكر من حمل كلمة التوحيد غير المعنى المدلول بها شرعا، ومن هنا يتبين لنا أنه ليس كل اصطلاح يكون خاطئ، وإنما يكون الاصطلاح خاطئا إذا خالف الكتاب والسنة، ونهج السلف الصالح المعلوم لنا بالنقل الصحيح.
ثانيا: أن كلمة توحيد كلمة جامعة مانعة، يكفي إطلاقها في دلالتها على مسماها الحق، وأن الاشتراك دخل عليها بسبب تعدد الاصطلاحات بعد العصور المفضلة.
ثالثا: أن ما اصطلح المتكلمون على تسميته توحيدا اشتمل على عدة أمور:
تضمن المعنى الباطل المضاد للحق.
اشتمل على الألفاظ المجملة البدعية التي لم يرد بها كتاب ولا سنة، ولا أثر صحيح عن السلف الصالح.
أنه لم يشتمل على تقرير توحيد الألوهية، مع النقص في توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
أنه مشتمل على السلب المحض الذي لا يوصف الله به لكونه عدما، والله تعالى لم يصف نفسه إلا بالسلب المتضمن الإثبات ضده من الكمال.
نفي المعاني الحقة التي يشتمل عليها مسمى التوحيد.
رابعا: أن منهج ابن تيمية منهج أثري، يعتمد على الكتاب والسنة، وأقوال السلف الصالح، وهو يسير مع النص الشرعي حيث سار، ولا يلجأ إلى غيره من الاستدلالات إلا عند الحاجة: كإقناع من يخالف دلالة النصوص أو ثبوتها أو قطعيتها.
خامسا: أن ابن تيمية يعتبر العقل والحس مصدران تبعيان لا رئيسيان، ولذا فإنه لا يحتج بهما إلا للاستئناس مع وجود الدليل من الكتاب والسنة وأقوال السلف، أما عند عدم الدليل وهو ما لا يتصوره، فهما دليلان عنده، إلا أن إفادتهما دون إفادة الكتاب والسنة لكون إفادتهما إجمالية لا تفصيلية.
سادسا: أن العقل عند ابن تيمية لا يخالف الشرع بل يوافقه، وإن خالفه فإما أن يكون المعقول غير صحيح، أو المنقول غير صريح أو ضعيف.
سابعا: أن المعتمد في فهم الكتاب والسنة على تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم بأقوال التابعين.
ثامنا: أنه لا بد في الألفاظ الشرعية من اعتبار مراد الشارع منها، فإن لم يكن فيرجع إلى لغة العرب، وإنه لا يلجأ إلى لغة العرب إلا بعد أن يعدم عرف الشارع في التعبير، وأما إن كان ثمة عرف فلا يترك لغيره البتة.
تاسعا: أن المجاز في كتاب الله وسنة رسوله ممنوع، لفساد القول به، ولما يترتب على دعواه من مفاسد عقدية وفكرية أدت إلى كثير من الانقسامات في جسم الأمة، علاوة على إفساد مفاهيم الكتاب والسنة.
عاشرا: أنه لا يجوز صرف نص عن ظاهره المتبادر منه إلا بنص من كتاب الله أو سنة رسوله، أو أقوال السلف الصالح، ويكون ذلك تفسيرا لمعنى اللفظ، لأنه بيان لمراد المتكلم من كلامه ولا يهمنا بعد ذلك أن نخالف الظاهر أو نوافقه.
الحادي عشر: أن الكتاب والسنة ليس فيهما متشابه من كل وجه، وأن ما يدعى من التشابه إنما هو تشابه نسبي أو هو في الكيفيات، لا فيما تقتضيه لغة العرب، ويدعى ما تشابه من وجه دون وجه.
الثاني عشر: بيان فساد الأصول المنطقية وتناقضها في ذاتها، وأنه بعد صياغة كثير من المعارف الإسلامية لا بد للباحث من علمه بها ليفهم المراد مما يقرؤه لا ليعتمدها....ويعمل بها، ولأن ذلك مفيد له في معرفة فساد الحجج المنطقية والأساليب الكلامية.
الثالث عشر: يرجع ابن تيمية المنطق إلى اليونان وقد اعترض على ذلك بعض الباحثين بأن المنطق ليس هو صناعة يونانية بل علم إسلامي، والذي يظهر لي أن هذه الدعوة غير صحيحة ويدل على ذلك عدة أمور:
أولا: لأن واضع المنطق كما هو معلوم ومشهور أرسطو، وهو يوناني.
ثانيا: أنه إذا قدر أنه علم وضعه مسلم، فإنه متأثر بمقاييس اليونانيين وطرق تفكيرهم.
الرابع عشر: أن تقسيم ابن تيمية للتوحيد تقسيم حاصر شامل لمسمى التوحيد، ولا يلزم منه خطأ اصطلاحي، لأنه اصطلاح صحيح المعنى والمبنى.
الخامس عشر: أن تقسيم المتكلمين وإن كان تقسيما اصطلاحيا فهو فاسد المعنى، لأنه غير حاصر ولا شامل لمسمى التوحيد، فهو لا يشمل التوحيد في العبادة، ولأنه مخالف لما جاء به الكتاب والسنة.
السادس عشر: أن ابن تيمية قد وفق في سد طرق الوثنية، وقد وافق الكتاب والسنة فيما قرره حول قضايا توحيد الألوهية، وأن الإنسان لا يكون عابدا لله حتى يتجنب مظاهر الشرك الأكبر والأصغر وذرائعهما، مع قيامه بحق العبودية من التوكل والخوف والرجاء وغيرها.
السابع عشر: أن الحس طريق صحيح للعقيدة وهو مفيد لليقين، سواء كان حسا ظاهرا أو باطنا، وأن القرآن الكريم قد جاء بهما، وأن الخطأ فيه عارض غير طبيعي والأصل إفادته للحق.
الثامن عشر: أن ما في يوم القيامة يعتبر من المحسوسات، لأنه مما يمكن أن يحس، فيدخل في نطاق الحس ما أدرك بالفعل وما يمكن أن يدرك به ولو مستقبلا.
التاسع عشر: أن الكشف نوع من الحس الباطن وقد يكون نوع من الكرامة، وإن الحق منه ما دل على صحته دليل من الكتاب والسنة، أو لم يعارض أصلا من أصول الشريعة، لكن هذا النوع من الكشف ليس مصدرا أصليا للعقيدة، بل هو مصدر تابع للكتاب والسنة، وبذلك يعلم أنه لا يصلح طريقا معتمدا في ذاته.
العشرون: أن الفطرة هي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة، لا وجود التوحيد في القلب والإيمان بالله ومعرفته بالفعل.
الحادي والعشرون: أنه لم يظهر لي ما يفيد منع استعمال الأقيسة العقلية على صورتها الموضوعة في علم المنطق، فإنه لا ضرر يترتب على صياغتها على ما وضعه واضع العلم لا عقدي ولا فكري.
الثاني والعشرون: أن ما قرره ابن تيمية من أن إفادة القياس لليقين مرجعه لمادة القياس دون صورته، وأوضحنا أن صورة القياس ملازمة لمادته، وهو اصطلاح فلا محظور فيه.
الثالث والعشرون: بينت القول الراجح في خبر الواحد وأنه يفيد اليقين والعلم، وأجبت عن أدلة المخالفين وشبههم.
الرابع والعشرون: استعمال ابن تيمية طريق الاستقراء في جميع النصوص وتصنيفها.
الخامس والعشرون: أوضحت دعوى تعارض العقل والنقل، وبينت أنه يقرر عدم تعارضهما، وذكرت الأدلة على ذلك.
السادس والعشرون: أن التقليد ليس طريقا للوصول إلى عقائد القلوب، لكنه من توصل إلى الحق عن طريقه لكونه لا يستطيع غير ذلك فإيمانه صحيح، وإن كان قادرا على الاجتهاد وتوصل إلى الحق عن طريق التقليد فهو آثم وإيمانه صحيح، وأنه طريق ليس بمأمون.
السابع والعشرون: فساد الطرق التي استعملها المتكلمون في توحيد الربوبية، وتهافتها أمام مقاييس العقل الصحيح، ووجوب استعمال الأدلة من الكتاب والسنة وما يقتضيه العقل الصحيح المهتدي بهما.
الثامن والعشرون: شمول مفهوم الألوهية للحياة كلها، وأهمية إدراك هذا المفهوم في حياة المسلمين.
التاسع والعشرون: إن الألوهية هي عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بكل ما يعارض هذا المعنى، وقد قام على هذا المفهوم الكتاب والسنة والعقل الصحيح ولغة العرب، وإن ما ادعاه المتكلمون من أن معناها القدرة على اختراع باطل وله لوازم فاسدة تدل على بطلانه، ومن أهمها: تجويز عبادة القبور والأوثان والكواكب، لأنه –بمفهوم للألوهية- أخرجوا هذا المعنى عن مدلولها.
الثلاثون: إن قوله سبحانه: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء:22]، وهو دليل على التمانع في الألوهية، وإن ما ادعاه المتكلمون من أنها في التمانع في الربوبية باطل فاسد.
الحادي والثلاثون: أن توحيد الألوهية أهم أنواع التوحيد وأعظمها، وهو الذي بعث الله الرسل به.
الثاني والثلاثون: أن ابن تيمية سلفي العقيدة سليم المعتقد، وأن ما ذكر من دعوى موجهة إليه هي دعوى عارية عن الصحة، وقد أوضحت أسباب هذه الدعاوى.
الثالث والثلاثون: أن الشبه الموجهة لمذهب السلف كلها شبه باطلة، لا حظ لها من الصحة.
الرابع والثلاثون: تناقض المتكلمين في اعتقادهم في باب الأسماء والصفات، وعدم سلامة أدلة النفي عندهم، وأن كل واحد منهم ملزم لمخالفه بمذهب، وسلامة مذهب السلف من ذلك كله، لأنه جمع الحق الذي اعتقدته كل طائفة، ورد الباطل الذي عند كل طائفة.
الخامس والثلاثون: أن مذهب السلف هو تفويض في الكيفية مع علم بمعاني الأسماء والصفات، وأنه ليس مذهب التفويض المطلق كما ادعاه من ادعاه من المتكلمين.
السادس والثلاثون: أن مذهب السلف هو أولى بالإثبات لأنه المعبر عن العقيدة الإسلامية في نقائها وصفاتها، وأما المتكلمون فقد تأثروا بكثير مما نقل عن طريق الترجمة عن الأمم الأخرى.
السابع والثلاثون: حرمة استعمال الألفاظ المجملة، وأنه لا يحكم على معناها بنفي أو إثبات حتى يظهر المراد منها، فيعرف إن كان حق أقر، وإن كان باطلا رد.
الثامن والثلاثون: صحة طريقة ابن تيمية في الاستدلال على توحيد الأسماء والصفات.
التاسع والثلاثون: أن الاتفاق بين صفات الخالق والمخلوق هو اتفاق في المسمى المطلق، ويسمى المطلق بشرط الإطلاق، وهو موجود في الأذهان لما فيما خرج عنها من الأعيان، ولا يلزم منه إثباته التمثيل الذي نفته الأدلة من الكتاب والسنة، وأن التشبيه الذي نفته الأدلة هو التشابه فيما يجوز ويجب ويمتنع، أي: التشابه في الخصائص.
الأربعون: أن نفي التشبيه والتجسيم ليس طريقة صحيحة في النفي والإثبات، وكذا نفي النقص، وأن الطريق الصحيح هو نفي ما يضاد كمال الله تعالى الثابت في الكتاب والسنة، أو ما نفته الأدلة عنه تعالى كالسنة والنوم، وإن كانت كمالا في غيره.
الحادي والأربعون: أنه لا يستدل في حقه تعالى بالنفي إلا تضمن إثبات ضده من الكمال اللائق بجلال الله وعظمته.
الثاني والأربعون: سلامة مسلك ابن تيمية في آيات الصفات وأحاديثها.
الثالث والأربعون: أن صفات الله وأسمائه ليست من المتشابه، بل يعلم معناها من حيث تعلم مدلولات لغة العرب، وأما كيفياتها فلا يعلمها إلا الله.
الرابع والأربعون: صحة مسلك ابن تيمية حول نقض التأويل الكلامي وبيانه لما يترتب عليه من المفاسد.
الخامس والأربعون: أن لوازم المذاهب ليست مذاهبا، وإن كانت دالة على فساد المذهب الملزوم لها.
السادس والأربعون: سلامة ساحة ابن تيمية من التهم الموجهة إليه.
وبناء على ما تقدم فإني أقترح الأمور التالية:
أولا: إقامة مؤتمر للتعريف بفكر الإمام ابن تيمية، وأولى من يتبنى ذلك هو جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، لأنها ثمرة دعوة المجدد محمد بن عبد الوهاب، والذي استقى كثيرا من أفكار دعوته من شيخ الإسلام ابن تيمية، لا سيما ما يتعلق بالعقيدة.
ثانيا: أن تستغني كثير من الأكاديميات العلمية في كثير من أقطار العالم الإسلامي عن دراسة كتب المتكلمين إلا على طريقة النقد والمقارنة، وأن تدرس العقيدة الإسلامية من خلال الكتاب والسنة، وأن توزن جميع الآراء بهما.
ثالثا: أن تهتم الأقسام العلمية في جامعات العالم الإسلامي بتدريس كتب ابن تيمية، حتى يتسنى لهم الاستفادة منها، والانتفاع بها، لا سيما في الدراسات العليا.
رابعا: أن يتجرد الدارسون لأفكار العلماء عن كل مؤثر يوجه دراستهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وأن يكون منطلقهم من خلال الدليل الشرعي حتى يكون حكمهم صائبا صحيحا غير مبني على التقليد، وأن لا يحكم على الشخص إلا بعد دراسة متأنية لفكره وعقيدته.
خامسا: أن نهتم في تدريسنا لكتب العقيدة بفك المصطلح العقدي، وتحليل الألفاظ العقدية، وذكر لأسباب الدعوى، لأن ذلك مما يعين على إظهار الحق ووضوح الفكرة المقررة.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه.