الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي
المؤلف/ المشرف:
مرعي بن عبدالله بن مرعي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة ̈الأولى
سنة الطبع:
1423هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه عبادات منوعات
خاتمة البحث: الحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، أن وفقني إلى إنهاء هذا البحث على هذه الصورة التي آمل لها قبولاً.
وبعد: فهذه خاتمة تضم خلاصة البحث وأهم نتائجه وهي كما يلي:
أولاً: الجهاد بالنفس معناه قتال الكفار بالسلاح، ومقصوده إعلاء دين الله ونشره وإزالة المعوقات التي تحول بين دخول الناس فيه أفواجاً، وجعل الحاكمية لشرع الله في الأرض ورفع الظلم عن العباد، حتى يكون الناس مؤمناً بالله متبعاً لشرعه عن رضى وقناعة أو ممتناً باق على دينه الذي يعتقده، وهو في حماية المسلمين، دافعاً للجزية، خاضعاً لشريعة الإسلام، متنعماً بعدالتها.
وقد غاب هذا المفهوم عن كثير من المسلمين اليوم مما جعلهم يقاتلون من أجل وطنية، أو قومية، أو حزبية ونحو ذلك، بل غاب عنهم اسم الجهاد الذي يخافه العدو، لأنه يعني بذل النفس من أجل إعلاء دين الله فتهون الأنفس لهذا الهدف وتشتاق للقتال للفوز بإحدى الحسنيين.
وقد غاب اسم الجهاد اليوم إلى ما يسمى بالكفاح، أو النضال، أو الانتفاضة ونحو ذلك من الأسماء التي تبعد المسلمين عن معنى الجهاد الحقيقي، الذي عرفه سلف هذه الأمة.
ثانياً: الجهاد بالنفس في سبيل الله جاء في ثلاث مراحل: مرحلة الإذن بالجهاد دون أن يفرض، ثم مرحلة الفرض لمن اعتدى وترك من لم يعتد، ثم مرحلة فرض قتال الكفار وابتدائهم بالقتال حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، وتكون الحاكمية في الأرض لشرع الله.
وليس هذا تدخلاً في شؤون الآخرين ولا إكراهاً على اعتناق الإسلام، وإنما هو إنقاذ للأمم الكافرة مما هم فيه من الكفر وتحريرهم من استعباد الطواغيت، ثم ترك الحرية لهم لاختيار ما يقتنعون به بعد بيان الحق لهم.
وإذا كانت الدول الكافرة في هذا العصر تتدخل بقوة السلاح في بعض الدول بحجة بسط النظام الوضعي والديمقراطية المزعومة فيها، فإن المسلمين أحق وأجدر بأن يتدخلوا في دول الكفر لبسط شرع الله، ونشر أحكامه في الأرض التي هي قمة العدل والإنصاف والرحمة.
ثالثاً: للمجاهد في سبيل الله الترخص بالرخص الشرعية، بل هو أولى من غيره ومن ذلك ما يلي:
1 -
إذا أصابته الجراح فله أن يمسح عليها بالماء عند الطهارة، فإن خاف ضرراً من الماء تيمم عن الجراح وغسل الباقي وله أن يسمح على الجبائر إذا خاف من نزعها ضرراً.
2 -
له أن يتيمم إذا خاف من العدو إذا طلب الماء، وكذلك إذا منعه العدو من الطهارة بالماء، وله أن يتيمم بالغبار أو بما هو من جنس الأرض كالحصى ونحو ذلك إذا لم يجد التراب.
3 -
له أن يمسح على الخفين وما يقوم مقامهما كالأحذية التي يلبسها العسكر ونحو ذلك وله أن يمسح مدة طويلة للضرورة دون أن يخلع الخفاف أو الأحذية.
4 -
له أن يمسح على العمامة وما يقوم مقامها مما يوضع على الرأس كالخوذة ونحوها إذا كان في نزعها مشقة عليه.
5 -
له أن يصلي صلاة الخوف فرداً وفي جماعة على الكيفية التي يرى أنها أحوط للصلاة، وأبلغ في الحراسة واتقاء شر العدو، على الكيفيات التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم، وله أن يصلي صلاة الخوف ويومي بالركوع والسجود وإن لم يستقبل القبلة فإن لم يدر ما يقول في صلاته لشدة الخوف فله أن يؤخر الصلاة حتى يزول الخوف.
6 -
للمجاهد أن يقصر الصلاة الرباعية في السفر للجهاد ولو طالت المدة، وله الجمع بين الصلاتين ولو لم يكن مسافراً، كذلك الأسير ما دام في أسر العدو.
7 -
له أن يفطر في رمضان إذا سافر للجهاد وكذلك إذا كان مقيماً وخاف الضعف بالصيام عند ملاقاة العدو، وللقائد إجبار الجند على الفطر إذا خاف عليهم من الصيام ضعفاً عند ملاقاة العدو.
رابعاً: المقصود بالشهيد هو من قتل في المعركة مع الكفار ونيته من الجهاد إعلاء دين الله وجعل الحاكمية لشرعه. وللشهيد في قتال العدو ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يقتل في ميدان المعركة وهو يجاهد أعداء الله من أجل إعلاء دين الله وجعل الحاكمية في الأرض لشرعه. فهذا شهيد في الأحكام الدنيوية فلا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن بثيابه التي قتل فيها بعد أن ينزع عنه الحديد والسلاح، وشهيد في الآخرة له أجره عند ربه جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، ومغفرة من الله ورضوان.
الحالة الثانية: أن يقتل في ميدان المعركة، وكان هدفه من القتال غنيمة أو سمعة رياء أو عصبية أو حزبية ونحو ذلك، فهذا شهيد في الأحكام الدنيوية لا يغسل ولا يصلى عليه، ويدفن بثيابه التي قتل فيها، لكنه غير شهيد في الآخرة لسوء نيته فلا ينال منزلة الشهداء وما أعده الله لهم من الفضل العظيم.
الحالة الثالثة: أن يقتل في غير ميدان المعركة كمن جرح في المعركة، ثم بقي زمناً وأكل وشرب ثم مات، وكان هدفه من الجهاد إعلاء دين الله وجعل الحاكمية في الأرض لشرعه، فهذا لا يأخذ أحكام الشهيد الدنيوية فيغسل ويصلى عليه ويكفن ولكنه شهيد في الآخرة لحسن نيته ونبل مقصده من قتاله أعداء الله.
خامساً: في حالة كثرة القتلى في المعارك مع العدو فإنه يجوز جمع أكثر من قتيل في قبر واحد كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بشهداء أحد.
سادساً: للمجاهد في سبيل الله الأخذ من الزكاة ليستعين به على الجهاد في سبيل الله إذا لم يكن له راتب من ديوان الجند، وله أخذ الهبة على الجهاد في سبيل الله، وأخذ الجعل من بيت المال أو من غيره إذا لم يكن له راتب في ديوان الجند. ولا يجوز له أخذ الأجرة على الجهاد لأنه إذا حضر صف القتال صار فرض عين في حقه ولا يجوز أخذ الأجرة على فرض العين. ويجوز للمجاهد أخذ نصيبه من الغنائم ولا يحل له أخذ شيء من الغنائم بدون إذن الإمام ولا قبل قسمة الغنائم بين الجند، لأن ذلك غلول محرم، إلا ما احتاج إليه من مطعم ومشرب ونحو ذلك بقدر الحاجة. وللمجاهد أخذ النفل الذي يعطيه الإمام على عمل قام به لأن في ذلك تحريضاً على القتال.
سابعاً: لا يجوز له الخروج مع القائد الفاجر إذا كان فجوره على نفسه، لأن في ترك الخروج مع القائد الفاجر دعوة إلى ترك الجهاد في سبيل الله. ولا يجوز الخروج بالقرآن الكريم إلى أرض العدو إذا خيف عليه منهم أن تناله أيديهم بالتحريف والإهانة.
ثامناً: لا يجوز قتال الكفار وغزوهم في ديارهم إلا بعد دعوتهم إلى الإسلام وبيان الحق لهم، فإن أبوا دعوا إلى دفع الجزية والدخول في حماية المسلمين ولهم دينهم، فإن أبو فالقتال آخر الحلول حتى يسلموا أو يعطوا الجزية.
تاسعاً: الاستعداد لقتال الكفار والأخذ بكل وسائل القوة أمر مطلوب وذلك في جانبين:
الأول: الإعداد المعنوي ويتمثل ذلك في الإيمان بالله عز وجل، والتوكل عليه، والثقة بنصره لجنده، وعدم الخوف من كثرة العدو وعدتهم وتطور سلاحهم مهما بلغ عددهم وقوتهم، وهذه قوة معنوية عظيمة لا توجد عند غير المجاهد في سبيل الله. الثاني: الإعداد الحسي ويتمثل ذلك في جميع أنواع وصنوف القوة في العدد والعدة والتدريب واستخدام أحدث الطرق والوسائل في القتال مع العدو سواء في كيفية القتال: أو في التجسس ومحاربة العدو نفسياً بالطرق المختلفة، أو بامتلاك الأسلحة وإظهار القوة ووضع وسائل الردع الممكنة لحماية المسلمين من العدو واتباع الخطط المرسومة من القادة والثبات عند لقاء العدو حتى يتحقق النصر بإذن الله.
عاشراً: أخلاقيات المجاهد عند القتال. عند قتال العدو يجب على المجاهد في سبيل الله التخلق بأخلاقيات الإسلام في القتال مع العدو؛ فلا يجوز قتل النساء والأطفال والعجزة والمرضى وأصحاب الصوامع والفلاحين والرعاة ما لم يشاركوا في القتال، أو يعنوا بالرأي والمشورة والتحريض، وهؤلاء يسمون الآن "المدنيون" ولا يجوز الاعتداء على أعراض العدو، ولا المثلة بجثثهم، ولا الإجهاز على الجرحى منهم، ولا يجوز هدم المنازل ولا إحراق المزارع والمدن إلا في حالة الحاجة إلى ذلك لمصلحة سير المعارك بقدر الحاجة وبإذن الإمام. ولا يجوز قتل العدو بأسلحة مدمرة تؤثر على من لا يجوز قتله من العدو مع إمكانية استخدام أسلحة أقل تأثيراً وحصول المقصود بها من تحقيق النصر على العدو. ولا يجوز إهانة الأسرى من العدو ولا تعذيبهم حتى يختار الإمام ما يراه مناسباً في حقهم، ويجب الالتزام بالمعاهدات والاتفاقات التي حصلت بين المجاهدين والعدو واحترامهم وعدم الغدو والخيانة.
هذه أخلاقيات الإسلام في الجهاد في سبيل الله؛ لا يقاتل من العدو إلا من هو أهل للقتال حتى يسلم أو يدفع الجزية ويكون في حماية المسلمين ويبقى على دينه الذي يريد. يعيش في ظل عدالة الإسلام لا يعتدى على عرضه ولا على نفسه ولا على ماله، له مال المسلمين وعليه ما عليهم. فلينظر العالم الحائر في هذا الزمن إلى هذه الأخلاقيات العظيمة السماوية، وإلى ما يرتكبه أهل الكفر مع المسلمين اليوم في الحروب البشعة التي يشنها العدو في كثير من دول العالم على أقليات من المسلمين لا حول لهم ولا طول، وكيف أنهم يقتلون النساء والأطفال والعجزة ويمثلون هم وينتهكون الأعراض ويهلكون الحرث والنسل ويسعون في الأرض الفساد.
الحادي عشر: المجاهد في المعاملات:
1 -
يجوز للمجاهد شراء السلاح من العدو وكذا ما يحتاجه من الطعام وشراب ونحو ذلك.
2 -
لا يجوز للمجاهد التعامل بالربا مع الحربي في بلاد الكفر ولا في غيرها.
3 -
لا يجوز للمجاهد بيع السلاح للعدو، ولا رهن سلاحه عند الحربي، ويجوز عند أهل الذمة عند الحاجة إلى ذلك.
4 -
يجوز للمجاهد استعارة السلاح واستئجاره ويضمنه إذا تلف بتعد منه.
5 -
للمجاهد أخذ لقطة دار الحرب، فإن كانت من مال الكفار فهي غنيمة توضع في الغنائم وإن كانت لمسلم فتأخذ أحكام اللقطة، وإن لم يعرف لمن تكون فيعرفها سنة فإن كانت لمسلم أعطاه إياها وإن كانت لكافر وضعها في الغنائم.
6 -
يجوز للمجاهد وقف ماله وسلاحه في سبيل الله.
7 -
إذا خرج المجاهد للجهاد في سبيل الله وجب عليه أن يوصي بالحقوق الموجودة عنده والتي لا بينه عليها، ويسن له أن يوصي بشيء من ماله في سبيل الخير.
8 -
المفقود في المعركة لا يقسم ماله، ولا تنكح زوجته حتى ينقطع خيره، وتمضي مدة طويلة قدرها بعض أهل العلم بأربع سنوات على الأرجح.
الثاني عشر: المجاهد في النكاح:
1 -
لا ينكح المجاهد في الأسر ولا يطأ زوجته إذا كانت معه في الأسر إلا إذا خاف على نفسه من الوقوع في الزنا بشرط أن يعزل عنها حتى لا يختلط نسبه أو يولد له ولداً فيكون رقيقاً.
2 -
إذا آلى المجاهد من زوجته وبقي في الجهاد حتى انتهت مدة الإيلاء طلب منه أن يفيء بالقول إذا عجز أن يفيء بالجماع لانشغاله بالقتال، فإن أبى طلق عليه القاضي.
3 -
للمجاهد إرجاع زوجته من طلاق رجعي وهو في المعركة ولو لم تعلم إلا أنه يلزمه إعلامها، أو إعلام وليها، والإشهاد على الرجعة فإن كتمها الرجعة فاعتدت وتزوجت وهو غائب في الجهاد فإنها زوجته، ونكاح الثاني باطل على الراجح من أقوال أهل العلم.
4 -
عدة زوجة المجاهد إذا قتل في المعركة لا تختلف عن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، وإن كانت حامل بوضع الحمل، وتحسب العدة من يوم الوفاة على الراجح من أقوال أهل العلم.
5 -
خروج المجاهد للجهاد في سبيل الله لا يسقط عنه وجوب نفقة الزوجة والأولاد بل تجب عليه النفقة، فإن قتل في المعركة أنفق على زوجته وأولاده من عطائه في ديوان الجند حتى تتزوج الزوجة ويبلغ الأبناء ويتزوج البنات.
الثالث عشر: المجاهد في القصاص:
1 -
إذا فعل المجاهد فعلاً يوجب قصاصاً في النفس أو فيما دون النفس أو حداً من الحدود أخذ به، لكنه لا يقام عليه في أرض الحرب وإنما يقام عليه بعد الرجوع من القتال للحاجة إليه في الجهاد.
2 -
لا يجوز للمجاهد قتل نفسه عمداً سواء كان في الأسر أو كان ممن ينفذ عمليات انتحارية يقتل فيها نفسه.
3 -
إذا قتل المجاهد مسلماً خطأ في المعركة لزمته الدية على العاقلة وعليه الكفارة عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
الرابع عشر: المجاهد في القضاء:
1 -
خروج المجاهد للجهاد في سبيل الله لا يسقط عن الحقوق والواجبات الواجبة للغير عليه، فللمدين مطالبته بالدين الحال ويلزمه الوفاء إذا كان قادراً على السداد، أو توكيل من يقوم بذلك عنه، وللزوجة مطالبته بالنفقة والطلاق إذا خافت على نفسها الوقوع في الزنا لطول غيابه مع إمكانية رجوعه إليها إلى غير ذلك من الحقوق.
2 -
تقبل شهادة المجاهد على غيره إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع وتقبل شهادة بعض المجاهدين لبعض إلا إذا وجدت شبهة التهمة كالشهادة بشيء من الغنائم قبل قسمتها. هذه أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث، وأوصي في الختام بما يلي:
أ- أن على العسكري المسلم استشعار الجهاد في سبيل الله في نفسه وهل يلتحق بالسلك العسكري، ولا ينظر إلى ميزات مادية أو اجتماعية.
ب- على الجهات المسؤولة عند الجند إحياء الجهاد في سبيل الله في نفوس العسكر معنى وسلوكاً وإشعارهم أن كل ما يتلقون من علوم عسكرية وتدريبات ومهارات في استخدام الأسلحة إنما ذلك إعداد لهم للجهاد في سبيل الله.
ج- ينبغي على المسلمين اليوم أن يحيوا في نفوس الناشئة المسلمة الجهاد في سبيل الله بسماته التي جاءت بها الشريعة المطهرة.
د- الحذر من التهاون في شأن الجهاد وترك الاستعداد بالعدد والعدة، فإن التهاون في الجهاد طريق موصلة إلى الذلة والهوان وتسلط الأعداء.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.