الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث منهج الطَلاق في الإسلام
إذا كان الزواج بناء، فإن الطلاق هدم، والزواج شرع للحاجة، والطلاق قد تدعو إليه الحاجة، والزواج يحتاج إلى نظام يقوم به حتى تنضبط العلاقة بين الرجل والمرأة من خلاله، وحتى لا تفسد العلاقة غير المنضبطة الحياة الإنسانية، والطلاق يحتاج إلى نظام، لأن الذين يهدمون البيوت والعمارات غير الصالحة إذا لم يحسنوا الهدم أضروا بأنفسهم وأضروا بغيرهم.
إن الزواج اجتماع باتفاق وتراضي، وقد يتعين بعد اللقاء أن حياة الزوجين لا يمكن أن تستمر بحال من الأحوال، لاختلاف الأفكار والتصورات، أو لبغضاء وكراهيه تملأ قلب الواحد منهما على الآخر، أو لاعتبارات أخرى، وما دام الزواج تمَّ برضاهما فيمكن أن يقع الانفصال برضاهما أو بإرادة واحد منهما، وليس من العقل والحكمة والمنطق أن يلزم الإنسان أن يعيش مع آخر طيلة عمره، وهو يكرهه ويبغضه، وقد يصل الأمر -إذا ألزم بذلك- إلى قتله أو قتل نفسه ولما كانت الدواعي إلى الفرقة والانفصال قد لا تكون حقيقية فقد أمر الإسلام باتباع نظام معين، هذا النظام يقلل من نسبة الطلاق، ويوقف الفرقة الناشئة عن نزوة طارئة، أو كراهية وقتية، أو حالة نفسية عارضة.
إن الإسلام يأمر الرجل بالصبر على زوجه وإن رأى منها ما يكرهه، {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].
وكل امرأة تتصف بصفات حسنة، ويوجد بها ما قد يكرهه الرجل، وإذا شاء الرجل امرأة كاملة الأوصاف فقد لا يجد، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا يفرك مؤمن مؤمنة إذا كره منها خلقًا رضي منها آخر" رواه مسلم (1).
فإذا ثارت بين الزوجين مشكلات فقد شرع الإسلام سبيل العلاج، ويكون باتباع الخطوات التالية:
الأول: وعظ الزوجة إن كان الخطأ من جانبها، وتذكيرها بالله، وما أوجب عليها من حقه، وتذكيرها ياليوم الآخر.
الثاني: فإن لم ترتدع فله أن يهجرها، ويكون الهجران في المضجع، ولا يغادر المنزل.
الثالث: الضرب غير المبرح إن لم يُجْدِ الهجر شيئًا.
وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34].
فإذا لم تصلح الأمور أو كان الخطأ من قبل الزوج - فقد أمر الله بالتحكيم بينهما، وذلك باجتماع رجلين واحد من أهل الزوج، والثاني من أهلها، فيسمعان من الزوجين، وقد يوفق الله على أيديهما بينهما، فإن بعض الناس لا يستطيعون حل مشكلاتهم بأنفسهم {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَينَهُمَا} [النساء: 35].
فإذا لم يُجْد ذلك شيئًا، ولم يستطع الرجل البقاء مع زوجه فله أن يطلق.
(1) مشكاة المصابيح: 2/ 298.
وإذا شاء الطلاق فعليه أن ينتظر حتى تحيض زوجته ثمَّ تطهر ثمَّ يوقع الطلاق، وهذا معنى قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1].
فلا يجوز تطليقها في الحيض، ولا في طهر جامعها فيه.
فإذا انتظر الزوج كل هذه الفترة وهو مصمم على الطلاق، ثم أوقع الطلاق فإن أسباب الطلاق تكون حقيقية ولا شك، وليست نزوة وقتية عارضة.
فإذا أوقع الطلاق على النحو الذي وصفنا، فإن الحياة الزوجية لا تنقطع، وعلى المرأة أن تبقى في بيت زوجها مدة العدة، ومدتها ثلاث حيضات لمن تحيض، وثلاثة أشهر للآيسة، والحامل أجلها أن تضع حملها.
والمرأة في هذه الفترة لا تحتجب عن زوجها، ولا تمتنع عن تكليمه، إلا أنه لا يعاشرها، فإن عاشرها فإن ذلك عودة عن الطلاق، وإبطال له، وفي هذه الحال ترجع إليه بدون عقد وبلا مهر، لأنها زوجة، كل ما يفعله أن يشهد على إعادتها.
فإذا أصر على المضي في الطلاق طيلة هذه الفترة التي هي فترة تأمل، ومحاسبة للنفس- فلا شك أن الأسباب الداعية للطلاق وجيهة.
فإذا تركها حتى انقضت عدتها، ورغبا في إعادة العلاقة الزوجية فإن الإسلام لا يمنع من ذلك، فقد يكون في الطلاق علاج للرجل، أو علاج للمرأة، فالمخطئ قد يبصر خطأه، وقد يدرك أنه كان ظالمًا، فترجع الحياة الأسرية إلى أفضل مما كانت عليه.
وقد نهى الإسلام أولياء المرأة من منع المرأة من العودة إلى زوجها {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَينَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 232].