الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفَصْل الثاني مجالات النشاط الاقتصادي الإسلامي
للنشاط الاقتصادي مجالان هما: العمل، والملكية، وسنلقي على كل واحد من هذين نظرة سريعة موجزة.
المَبْحث الأول العمل والعمَّال
مفهوم العمل في المذهب الاشتراكي والمذهب الرأسمالي ضيق، فقد جعلوه مقصورًا على الإنتاج الذي تقدمه فئة من المجتمع مجردة من رأس المال، بل هو عندهم أضيق من هذا، لأنهم قصروه على الإنتاج المادي دون الإنتاج الفني، فاسم العمال عندهم يطلق على هذه الفئة في مقابل أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب الأعمال وأصحاب المهن الحرّة والموظفين.
أما مفهوم العمل في الإسلام فهو أوسع من ذلك، فكل جهد وعمل مادي أو معنوي أو مؤلف منهما معًا يعد عملًا في نظر الإسلام، فعامل المصنع ومديره، والموظف في الدولة، والتاجر، وصاحب الأرض، والطبيب والمهندس، كل هؤلاء عمال في الدولة الإسلامية.
وعلى ذلك فالمفهوم الإسلامي للعمل يشمل كل نشاط أو فعالية مشروعة في مقابل كسب، سواء أكان أجرة أو ربحًا.
والعمل المرضي عنه في الإسلام هو العمل المباح، فإذا كان العمل منهيًا عنه شرعًا فهو غير مشروع ولا مقبول، كالمتاجرة بالمحرمات مثل الخمر والخنزير والمخدرات، ومثل السرقة والتنجيم والشعوذة والزنا، ومثل ذلك الأعمال الهدامة التي تنشر الفاحشة كالمسرحيات والأفلام والقصص والصحف التي لا هم لأصحابها إلَّا الدعوة إلى الفساد والإفساد.
ومن ينظر في النصوص من الكتاب والسنة يجد الإسلام يحث على العمل والسعي واستعمار الأرض، وينهى عن البطالة والكسل والقعود، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10].
{عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل: 20].
وفي الحديث: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" رواه البخاري.
وقد عدّ الرسول صلى الله عليه وسلم العاملين الذين يسعون لسد حاجتهم وحاجة من يعولونه ساعين في سبيل الله، فقد مر على الرسول صلى الله عليه وسلم رجل فرأى الصحابة من قوته وجلده ونشاطه، فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان" رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (1).
ومهما كان العمل شاقًّا مضنيًا صغيرًا في أعين الناس فهو أفضل من سؤال
(1) الترغيب والترهيب: للمنذري: 2/ 524.
الناس، ففي الحديث:"لأن يغدو أحدكم، فيحتطب على ظهره، فيتصدق منه، ويستغني به عن الناس، خير له من أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه"(1).
ولا يجوز لأحد أن يمدّ يده لسؤال الناس - في الإسلام - إلا في ثلاثة مواضع حددها الرسول عقة، ففي الحديث:"المسألة لا تحل إلا لثلاثة: الذي فقر مدقع، أو الذي غرم مفظع، أو الذي دم موجع"(2).
ولكن الإسلام إذ يحث على العمل ويرغب فيه، فإنّه لا يوجب على الفرد أن يقوم بعمل بعينه، وكل الذي يوجه إليه الإسلام أن يوجد في كل جانب من جوانب الحياة الإنسانية طائفة من المسلمين يسدّون الحاجة، فإذا قصر المسلمون في سدّ جانب من الجوانب فإن الإثم يلحقهم حتى يقوم من يسدّ هذه الحاجة.
يقول ابن تيمية: "قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم كأبي حامد الغزالي وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهما: إن هذه الصناعات: كالفلاحة والنساجة والبناية، فرض على الكفاية، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها"(3).
وقال أيضًا: إن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه، ولا سيما إن كان غيره عاجزًا عنها، فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبًا يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل، ولا يُمكِّنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل، ولا يُمكِّن الناس من ظلمهم" (4).
(1) متفق عليه.
(2)
رواه أحمد وأبو داود.
(3)
الحسبة لابن تيمية: ص 28.
(4)
المرجع السابق: ص 30.