الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث الغزو الفكري والثقافي الغربي: أهدافه ووسائله
لقد درس قادة الدول الغربية وعلماؤها تاريخ الأمّة الإسلامية، ووجدوا أن منابع القوة عند المسلمين تتمثل في العقيدة الإسلامية المستقرة في القلوب، والشريعة الإسلامية التي تحكم الحياة، ووجدوا أن آباءهم الصليبيين هزموا قديما بسبب تمسك المسلمين بهذا الدين، فوجهوا همهم لخلخلة الثقافة الإسلامية، حتى يسهل عليهم اقتلاع عقيدة الإسلام، وتشويه صورته في نفوس المسلمين، وبذلك يسهل السيطرة عليهم.
وسائل الغزو الفكري والثقافي
اتخذوا وسائل كثيرة لتحقيق أهدافهم نفذوها بدقة متناهية، وقد عقدوا مؤتمرات كثيرة لتقويم هذه الوسائل وتطويرها، وأهم هذه الوسائل:
1 -
ادعاؤهم عالمية الثقافة:
غلف الغرب دعوته إلى سيادة الثقافة الغربية بغلاف جميل براق، يخدع البسطاء والسذج من البشر، فأخذوا ينادون بوحدة الثقافة العالمية، وهي عبارة خلابة المظهر، براقة الصورة، والهدف من وراء ذلك صهر الثقافات الإنسانية في بوتقة الثقافة الأوربية، وقد ركزوا هجومهم على القيم والخصائص التي تميز الثقافة الإسلامية لهدمها في الفرد المسلم والأمة المسلمة.
وشبيه بهذه الدعوة دعوتهم الأمة الإسلامية إلى التحضر والتمدن، ويزعمون أن
التمدن والتحضر هو نمط الحياة التي يعيشها العالم الغربي، فهي الدول المتقدمة أما نحن ودول العالم الثالث فمتخلفون ومرادهم من وراء هذه الدعوة سوق، الناس جميعًا إلى الولاء والعبودية لسيادة الفكر الغرو، وإحلال القيم والمفاهيم الغربية محل القيم الفكرية الثقافية التي يدين بها الشرق والعالم الإسلامي، وهي قيم ومفاهيم تختلف في جوهرها وأصولها وفلسفتها عن مثيلاتها في العالم الغربي.
وهذا الذي نقرره هنا من التضاد بين الثقافتين يدركه قادة الفكر والسياسة الغربيون، ولكنهم يخادعون ويمكرون، يقول (أيوجين روستو) رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية، ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، ومستشار الرئيس السابق (جونسون) لشؤون الشرق الأوسط إلى سنة 1967. "إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي
…
فلسفته، عقيدته، ونظامه
…
وذلك يجعلها تقف معادية للشرق الإسلامي بفلسفته وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام وإلى جانب العالم الغربي، والدولة الصهيونية، لأنها إن فعلت عكس ذلك، فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها" (1)، وصدق الله إذ يقول:{قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران: 118].
وإذا أنت دققت في كلام (أيوجن) هذا علمت أمرين: الأول: الخلفية التي تحرك الشعوب النصرانية بالعداء لهذه الأمة، والثاني: السبب الذي من أجله أقامت الأمم الغربية دولة اليهود في مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أدرك هذه الحقيقة المسلم المهتدي روجيه جارودي عندما قال: "تعتبر الكنائس النصرانية ومن ورائها كل العالم الغربي أنها الوريثة للشعب المختار ومتضامنة معه حيث إنها مكلفة
(1) مجلة الأمة القطرية: عدد المحرم 1402 ص 75.
بالرسالة نفسها، وبهذا الخلط المستمر بين إسرائيل الواردة في التوراة ودولة إسرائيل، فإن الأخيرة تمكنت من أن تواصل بدون رادع القيام بدور الوكيل للاستعمار الغربي الجماعي" (1).
2 -
إفساد التعليم:
حرص الصليبيون عندما احتلوا ديارنا على إفساد التعليم الديني وتكريه المسلمين بالإسلام بطرق مختلفة، لقد نصبوا رجالاتهم والذيت تربوا على أعينهم مستشارين للمؤسسات التعليمية، فقد كان القسيس النصراني دنلوب مستشار وزارة المعارف في مصر أيام الانتداب البريطاني، وقد قلصوا حصص الدين من المدارس النظامية، وأهملوا العناية بالمدارس الدينية، وأرسلوا الطلبة النابهين إلى المدارس والجامعات الغربية وربوهم على أعينهم، ثم سلموا هؤلاء مهمة قيادة التعليم في ديارنا وجعلوا المميزات الأدبية والمالية من نصيبهم، وفتحوا المدارس والجامعات التبشيرية في ديارنا، وفد فعلت هذه المدارس والجامعات بنا ما لم تفعله حراب المستعمرين ومدافعهم، ولا تزال الجامعة الأمريكية ببيروت تخرج أجيالًا ينتشرون في كل مراكز التوجيه انتشار المرض العضال في أجزاء الجسد.
ولا يزال الصليبيون يعنون بإرسال رجالهم إلينا خبراء ومفكرين ومدرسين، كما يحرصون على عقد المؤتمرات لمفكرينا ورجالات الحكم والشباب من أبنائنا ليستمر تأثير الثقافة الغربية فينا عبر مراكز التوجيه، وعبر الأجيال الناشئة، ومن أشهر المؤتمرات التي عقدت في هذا المجال، مؤتمر الثقافة الإسلامية، في عام 1953، عقدته جامعة برنستون، ومكتبة الكونغرس بواشنطن، وقد حضره جمع من المفكرين من أبناء المسلمين.
(1) مجلة المجتمع الكويتية: العدد الصادر في: 28/ 7 / 83.
3 -
الدعوة إلى القومية:
كانت الرابطة التي تجمع الشعوب الإسلامية هي الرابطة الإسلامية، فشجع الغرب الصليبي الشعوب المختلفة على المناداة بالقوميات التي تنتسب إليها الأمم المختلفة، فنادى العرب بالقومية العربية، والأتراك بالتركية الطورانية، ونادى الأكراد بالكردية، وبذلك تفسخت عرا الرابطة الواحدة التي كانت تجمع هذه الأمّة وتوحدها، وقد كان ظهور هذه الدعوات سببًا في إزالة الخلافة العثمانية وتحطمها.
وقد أغرق دعاة الضلال في دعوتهم عندما أحيوا الحضارات القديمة لإيجاد مزيد من الانقسام والفرقة، فرأينا الدعوة إلى الفرعونية، والدعوة إلى البابلية، والآشورية
…
وغيرها.
4 -
إفساد المرأة:
وقد حرص الكفار على إفساد المرأة، لأنَّ فسادها يفسد الأبناء والأزواج، أخرجوها من بيتها، وهتكوا حجابها، وزينوا لها التمرد على دينها بمختلف الأساليب، وزعموا أن تحضرها وتقدمها لا يكون إلا إذا سارت مسيرة المرأة في أوروبا.
5 -
إقصاء الشريعة الإسلامية من الحكم:
وهذا الأسلوب بذل الكفار في سبيل تحقيقه الكثير من الجهد والمال والفكر، وقد أقنعوا به كثيرًا من الحكام في الديار الإسلامية، وقد تبنت دولة الخلافة في آخر عهدها كثيرًا من القوانين الكافرة، وفرضت القوانين الفرنسية على الشعب
المسلم في مصر في عام 1882 م ولم ينتصف القرن الرابع عشر الهجري حتى أقصيت الشريعة الإسلامية من الديار الإسلامية، باستثناء أحكام الزواج والطلاق والميراث.
6 -
تنصير المسلمين:
على الرغم من أن الأمم النصرانية تبتعد عن النصرانية، وعلى الرغم من بيعهم للكنائس في ديارهم، إلا أنهم حريصون على تنصير المسلمين، وبناء الكنائس في ديارنا، وقد رصدوا لذلك مئآت الملايين من الدولارات، وأرسلوا البعثات التبشيرية مجهزة بكل ما يمكن أن يحقق الهدف الذي قامت من أجله، وعلى الرغم من الصعاب التي تقف في طريقهم، إلا أنهم ماضون في هذا الطريق، وهم يصطادون المسلمين الجهلة، وينشبون أنيابهم في فقراء المسلمين، حيث يقدمون لهم بعض ما يحتاجون إليه مقابل تركهم لدينهم وعقيدتهم.
7 -
استخدام وسائل الإعلام:
استغل الغربيون والمستغربون وسائل الإعلام المختلفة لحرب الإسلام، ونظرة سريعة إلى وسائل الإعلام في ديارنا ترينا مدى البلاء الذي تصبه ليل نهار على معتقداتنا وشعائرنا وسلفنا وعلمائنا، سيل من الشبهات التي تشكك في الدين وأحكامه، وسيل آخر من الأفلام والتمثيليات والمسرحيات التي تتهكم بالإسلام، وتقوم بعرض نماذج من أنماط الحياة تضاد الإسلام في كل شيء، أنماط جاهلية عفنة، تمجد الجريمة، وتدعو إلى الفسق والفجور، وتكره في الحياة المستقيمة الفاضلة، وتتهكم بالمسلمين والمسلمات، وتتخذ الدين هزوًا، وتعرض ما حرّم الله: الرقص الفاضح، وشرب الخمر، والكذب والدجل، وإخلاف الوعد،