الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكلام فلم يجز عطف ما بعدها على ما قبلها، وإنما الواجب أن يقدر المعطوف عليه بعد الهمزة وقبل الواو.
وقال صاحب الإيجاز: إنما تدخل ألف الاستفهام على فاء العطف مع منافاة العطف للاستئناف لأن المتنافي في المفرد إذ الثاني إذا عمل فيه الأول كان من الكلام الأول والاستئناف يخرجه عن أن يكون منه ويصح ذلك في عطف جملة على جملة لأنه على استئناف جملة على جملة.
وقال الطَّيبي: الحق أن هذه الهمزة مقحمة مزيدة لتقرير معنى الإنكار أو التقرير، فتدخل بين الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر والحال وعاملها، وقد نص عليه الزجاج في قوله تعالى (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ). اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: اختلفت كلمتهم في الواو والفاء وثم الواقعة بعد همزة الاستفهام، فقيل: عطفت على مذكور قبلها لا مقدر بعدها بدليل أنه لا يقع ذلك قط في أول الكلام وقيل بل بالعكس لأن الاستفهام له صدر الكلام، وصاحب الكشاف يحملها في بعض المواضع على هذا وفي بعضها على ذلك بحسب مقتضى المقام وسياق الكلام، ولم يلزم بطلان صدارة الهمزة إذ لم يتقدمها شيء من الكلام الذي دخلت هي عليه وتعلق معناها بمضمونه، غاية الأمر أنَّها توسطت بين الكلامين المتعاطفين لإفادة إنكار جمع الثاني مع الأول، أو وقوعه بعده متراخياً أو غير متراخ، ولا ينبغي أن يخفى على المحصل أن هذا مراد من قال إن الهمزة مقحمة مزيدة للإنكار أو التقرير، أي مقحمة على المعطوف مزيدة بعد إعتبار عطفه، ولم يرد أنَّها مزيدة بمنزلة حروف الصلة غير مذكورة لإفادة معناها.
فإن قيل: هلا جعل المعطوف عليه (فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) فإنه أقرب؟ قلنا: لأن مساق (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى) إلى (يَكْسِبُونَ) مساق التكرير والتأكيد بخلاف ما قبله فإنه لبيان حال القرى وقصة هلاكها قُصدا، فالعطف عليه أنسب وإن كان هذا أقرب. اهـ
قوله: (بَيَاتًا
…
) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: يريد أن (بَيَاتًا) إذا جعل بمعنى البتوت فنصب على المصدر من
(يَأْتِيَهُمْ) لكونه نوعاً فيه، أو على الحال من ضمير (يَأْتِيَهُمْ) لكونه بمعنى اسم المفعول أو من (بَأسُنَا) لكونه بمعنى اسم الفاعل. اهـ
قوله: (تقرير لقوله (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى)).
قال الطَّيبي: فحينئذ مكر الله تعالى عبارة عما ذكره الله تعالى في دوله (أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا
…
) الآيتين، والفاء في (فَلا يَأْمَنُ) للعطف على مقدر، والهمزة في قوله (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ) للتقريع والتوبيخ يعني: من بعدما عرفوا ذلك أمنوا واطمأنوا فإذن خسروا لأنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. اهـ
قوله: (وإنما عدى (يهد) باللام لأنه بمعنى: يبين).
قال الطَّيبي: وذلك أنه يتعدى إلى المفعول الثاني باللام أو بـ (إلى)، وهنا عدى إلى الأول باللام. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: الظاهر أن اعتبار التضمين إنما هو على قراءة النون حيث ذكر المفعول الثاني، وأما على قراءة الياء فهو من قبيل التنزيل منزلة اللازم ولا حاجة إلى تقدير المفعول، أي: ألم يبين لهم هذا البيان الطريق المستقيم. اهـ
قوله: ((ونطبع على قلوبهم) عطف على ما دل عليه (أولم يهد) أي: يغفلون عن الهداية).
قال أبو حيان: هذا الوجه ضعيف، لأنه إضمار لا يحتاج إليه إذ قد صح أن يكون على الاستئناف من باب عطف الجمل فهو معطوف على مجموع الجملة المصدرة بأداة الاستفهام، وهو الوجه الثاني من كلام المصنف. اهـ
قوله: (أو منقطع عنه بمعنى: ونحن نطبع).
هذا ما رجحه أبو حيان.
وقال الطَّيبي: المختار أن تكون الجملة منقطعة واردة على الاعتراض والتذييل: أي: ونحن نطبع على قلوبهم، أي: من شأننا وسنتنا أن نطبع على قلوب من لم نرد منه الإيمان حتى لا يعتبر بأحوال الأمم السالفة ولا يلتفت إلى الدلائل الدالة كما شوهد من هؤلاء حيث آمنوا واطمأنوا. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: معنى الانقطاع في هذا الوجه أنه استئناف واعتراض ولا يعتبر في مثله معطوف عليه معين بخلاف الأول. اهـ
قوله: (ولا يجوز عطفه على (أصبناهم) على أنه بمعنى: وطبعنا لأنه في سياقه جواب (لو) لإفضائه إلى نفي الطبع عنهم).
قال الطَّيبي: أي لأنه لو عطف ما في خبره (أو) لدخل في حكمه، وهي لامتناع الشىء لامتناع غيره، فيلزم أن القوم لم يكونوا مطبوعاً على قلوبهم، والحال أنهم مطبوعون.
وقال في الانتصاف: يجوز عطفه عليه ولا يلزم أن يكون المخاطبون موصوفين بالطبع ولو كانوا كفاراً إذ ليس الطبع من لوازم الكفر والاقتراف، إذ الطبع هو التمادي في الكفر والإصرار حتى ييأس من قبول صاحبه للحق، وليس كل كافر ولا مقترف بهذه المثابة بل يهدد الكافر بأن يطبع على قلبه، فتكون الآية قد هددتهم بأمرين: الإصابة ببعض الذنوب، والطبع على القلوب، وهذا الثاني وإن كان نوعاً من الإصابة بالذنوب فهو أشد كما قال تعالى (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ).
وقال صاحب التقريب: في كلام الزمخشري نظر، لأنَّ المذكور من كونهم مذنبين دون الطبع، وأيضاً جاز أن يراد: لو شئنا لزدنا في الطبع على قلوبهم أو لأدمنا.
وقال الطَّيبي: هذا مردود، لأن الكلام وارد على التوبيخ والتهديد بالإهلاك والاستئصال لقوم ورثوا ديار قوم هلكوا بالاستئصال وهؤلاء استخلفوهم واقتفوا آثارهم بمثل تلك الذنوب وهم أهل مكة لأن قوله (لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ) إما مظهر وضع موضع المضمر، أو عام فيدخلون فيه دخولاً أولياً، ولا شك أنَّ الطبع وازديادهم ليس من الإهلاك في شيء حتى يهددوا به. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: استدل في الكشاف على نفي كونه عطفاً على جواب (لو) بأنه يستلزم انتفاء كونهم مطبوعاً على قلوبهم لما تعطيه كلمة (لو) من انتفاء جملتها، واللازم باطل لقوله تعالى (فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) أي مصرون على عدم القبول وكقوله تعالى (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ) على ما يعم أهل القرى من الوارثين والموروثين وقوله (فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) لدلالته على أن حالهم منافية للإيمان وأنه لا يجيء منهم ألبتة، وبهذا يندفع الاعتراض بأن غاية الأمر كونهم كفاراً مذنبين ولا يلزم
كونهم مطبوعاً على قلوبهم لأن معناه التمادي والإصرار على الكفر بحيث لا يرجى زواله، وأما الدفع بأنَّ الكافر مخذول غير موفق ولا معنى للطبع سوى هذا، غاية الأمر أنه قد يكون دائماً وقد يكون زائلاً كما في الكافر الذي وفق للإيمان ففي غاية الفساد. اهـ
وقال أبو حيان: قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون معطوفاً على (أصبنا) إذا كان بمعنى نصيب، فوضع الماضي موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستقبال كما قال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ) أي: إن يشاء، يدل عليه قوله تعالى (وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا).
قال أبو حيان: فجعل لو شرطية بمعنى (إن) ولم يجعلها التي هي لما كان سيقع لوقوع غيره، ولذلك جعل أصبنا بمعنى نصيب، وهذا الذي قاله ابن الأنباري رده الزمخشري من جهة المعنى لكن بتقدير أن يكون (وَنطبَع) بمعنى: وطبعنا، فيكون قد عطف المضارع على الماضي لكونه بمعنى الماضي، وابن الأنباري جعل التأويل في (أصبنا) الذي هو جواب (لوْ نشَآءُ) فجعله بمعنى نصيب، فتأول المعطوف عليه وهو الجواب ورده إلى المستقبل، والزمخشري تأول المعطوف ورده إلى المضي، وأنتج رد الزمخشري أن كلا التقديرين لا يصح.
قال: وما رد به الزمخشري ظاهر الصحة، وملخصه: أن المعطوف على الجواب جواب سواء تأولنا المعطوف عليه أم المعطوف، وجواب (لو) لم يقع بعدُ سواءً كانت حرفاً لما كان يقع لوقوع غيره أم بمعنى (إن) الشرطية، والإصابة لم تقع والطبع على القلوب واقع فلا يصح أن يعطف على الجواب فلو تأول (وَنَطْبَعُ) على معنى: ونستمر على الطبع على قلوبهم، أمكن التعاطف لأن الاستمرار لم يقع بعد وإن كان الطبع قد وقع. اهـ
قوله: (حال إن جعلنا (القرى) خبراً، وتكون إفادته بالتقييد بها).
في حاشية الطَّيبي: قال صاحب التقريب: فيه نظر، لأنه جعل شرط كون (تِلْكَ الْقُرَى) كلاماً مقيداً تقييده بالحال، وإذا جعل (نقُصُّ) خبراً ثانياً انتفى ذلك الشرط إلا أن يريد: تلك القرى المعلومة حالها وصفتها، على أن اللام للعهد، لكنه حينئذ يوجب الاستغناء عن اشتراط إفادته بالحال.
وقال الطَّيبي: هذا وهم، لأن ذلك على الوجه الأول، لأن المشهور أن الحال فضلة في فائدة الجملة، بخلافه إذا كان خبراً بعد الخبر، لأن القرى حينئذ بمنزلة حلو في قولك: هذا حلو حامض، فلا يكون كلاماً تاماً.
قال الزجاج: الحال هنا من لطيف النحو وغامضه، وذلك أنك إذا قلت: هذا زيدٌ قائماً فإن قصدت أن تخبر من لم يعرف زيداً أنه زيد لم يجز أن يقول: هذا زيدٌ قائماً، لأنه يكون زيد ما دام قائماً فإذا زال عن القيام فليس بزيد، وإنما يقول ذلك للذي يعرف زيداً فيعمل في الحال التنبيه أي: أنبه لزيد في حال قيامه، أو أشير إلى زيد في حال قيامه لأن هذا إشارة إلى ما حضر يريد بقوله أحضر تقييد المشار إليه بالحال وإلا فلا فائدة في الجملة لأن السامع يعرفها، وكذا في الآية المعنى: نخبرك عن القرى التي عرفتها في حال أنَّا قاصُّون بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك، وإذا كان المقصود من الإيراد هذا فلا بد من ذكر الحال.
فبطل قوله: لكنه يوجب الاستغناء عن اشتراط إفادته بالحال. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين في تقرير ما قاله المصنف: لا خفاء أنَّ الكلام فيما إذا أريد الجنس لا تلك القرى المعلومة حالها وقصتها، أو تلك القرى الكاملة في شأنها مثل (ذَلِكَ الكتابُ) فإن الكتاب بمنزلة الموصوف، واعترض بأن الحال راجع إلى تقييد المبتدأ لأن العامل فيه ما في اسم الإشارة من معنى الفعل، ولو سلم فالسؤال إنما يندفع على تقدير كون (نقُص) حالاً لا خبراً بعد خبر، والقول بأن حصول الفائدة بانضمام الخبر الثاني الذي هو بمنزلة الجزء على طريقة هذا حلو حامض أي مر فالسؤال إنما هو على تقدير الحالية لأن الحال فضلة ربما يتوهم عدم حصول الفائدة بها ليس بشيء لظهور أن ليس هذا من قبيل حلو حامض بمعنى مر، بل كل من الخبرين مستقل. اهـ
قوله: (والدلالة على أنهم ما صلحوا للإيمان).
قال الطَّيبي: هو تفسير لقوله: لتأكيد النفي، يعني جاء باللام تأكيد لهذا المعنى الذي يعطيه التركيب. اهـ
قوله: (والآية اعتراض).
قال الشيخ سعد الدين: إن كان الضمير للناس، وإن كان للأمم المذكورين من تتمة الكلام السابق. اهـ
وقال الحلبي: فيه نظر، لأنه إذا كان الأول خاصاً ثم ذكر شيء مندرج فيه ما بعده وما