الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة المائدة
قوله: (قال الحطيئة:
قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم
…
شدوا العناج وشدوا فوقه الكَرَبا)
.
مدح به بنوا أنف الناقة وكان هذا نبزاً في غاية الشناعة، فأبرزه الحطيئة في صورة المدح وكمال الرئاسة حيث قال بعد هذا البيت:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم
…
ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا.
قال الشيخ سعد الدين: وفي البيت إشارة إلى كون العقد بمعنى العهد، مستعار من عقد الحبل حيث رشح ذلك بذكر الحبل والدلو وما يتعلق بهما، والعناج: حبل يشد في أسفل الدلو ثم يشد إلى العَراقي ليكون عوناً لها وللوذم فإذا انقطعت الأوذام أمسكها العناج، والعرقوتان: الخشبتان المعترضتان على الدلو كالصليب، والأوذام: السيور التي بين آذان الدلو وأطراف العراقي، والكرب: الحبل الذي يشد في وسط العراقي ثم يثنى ويثلث ليكون هو الذي يلي الماء فلا يعفن الحبل الكبير، ويقال: ملأ الدلو إلى عقد الكرب لمن يبالغ فيما يلي من الأمر. اهـ
قوله: (ولكل المراد بالعقود: ما يعم العقود التي عقدها الله تعالى
…
) إلى آخره.
قال الطَّيبي: لأنَّ العقود جمع محلى باللام مستغرق لجميع ما يصدق عليه أنه عقود الله تعالى من الأصول والفروع، والمذكور في السورة أمهاتها وأصولها منصوصاً، وسائر ما يستتبعه مفهوماً ومرموزاً، فقوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)، وقوله (كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ)، وقوله (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، وقوله (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) الآيات من الجوامع التي تحتوي على جميع المسائل التي هي مفتقر إليها من الحكمة العلمية والعملية الفرعية والأصولية، أما العبادات فأشار إلى عمودها وأسها وهي الصلاة، ثم هي متوقفة على الطهارة وإليه الإشارة بقوله (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا)، ثم كر إلى
ذكر الصلاة وعلق به قرينتها التي هي الزكاة في قوله (وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ)، وأومأ إلى الحج بتعظيم شعائر الله في قوله (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ)، وأما المعاملات فقد أدمج (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) ما يمكن أن يستنبط منه بعض أحكامها، وكذا المناكحات في قوله (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ
…
) الآية، هذا وإن قسم الجراحات والحدود والجهاد والأطعمة والأشربة والحكومات وغيرها السورة مملوءة منها، مشحونة بها، ومن أراد أن يستوعب جميع ما يتعلق بربع الجراح فلا يعوزه ذلك نصاً وإشارةً، ولأمر ما أخر نزول هذه السورة، وفذلكت بقوله (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ). اهـ
قوله: (والبهيمة كل حي لا يميز).
قال الطَّيبي: لأنه أنَّهم عن أن يميز. اهـ
وقال الراغب: البهيمة ما لا نطق له من الحيوان، ثم اختص في المتعارف بما عدا السباع والطير، ثم استعملت في الأزواج الثمانية إذا كانت معها الإبل، ولا يدخل في ذلك الخيل والبغال والحمير. اهـ
قوله: (وإضافتها إلى الأنعام للبيان
…
) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: قد اشترطوا فيها كون المضاف إليه جنس المضاف كالفضة للخاتم، وهنا الأمر بالعكس. اهـ
قوله: (وقيل هما المراد بالبهيمة).
قال الراغب: لما علم في سورة الأنعام تحليل الله الأنعام نبه بقوله (بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) على تحليل ما يجري مجرى الأنعام، فيكون لهذه الآية دلالة على تحليل البهيمة وتحليل الأنعام لأن المخاطبة للمسافرين إذا كانوا حلالاً، وعلى ذلك قول من قال بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ: هي بقر الوحش والظباء. اهـ
قوله: (إلا محرم ما يتلى عليكم بقوله (حرمت عليكم الميتة)، أو إلا ما يتلى عليكم تحريمه).
قال الطَّيبي: إنما قدر ذلك لأنه لا بد من المناسبة بين المستثنى والمستثنى منه في الاتصال، فلا يستقيم استثناء الآيات من البهيمة فيقدر إما المضاف كما يقال: إلا محرم ما يتلى عليكم أي: الذي حرمه المتلو، وإما الفاعل بأن يقال: إلا البهيمة التي يتلى عليكم آية تحريمها، ثم حذف المضاف الذي هو آية وأقيم المضاف إليه مقامه وهو تحريمه، ثم حذف المضاف ثانياً وأقيم المضمر المجرور مقامه فانقلب الضمير مرفوعاً واستتر في (يُتلَى) وعاد إلى (ما). قال أبو البقاء:(إِلاّ مَا يتلَى عَلَيكُم) استثناء متصل والتقدير: أحلت لكم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلا الميتة وما أهل لغير الله به مما ذكره في الآية الثالثة من السورة. اهـ
ولخصه الشيخ سعد الدين فقال: يعني إن (مَا يُتلَى) استثناء متصل من (بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) وليس من جنسها، لأن المتلو لفظ فحاول جعل المستثنى من جنس المستثنى منه بتقدير مضاف محذوف من (مَا يُتلى) يكون عبارة عن البهائم المحرمة، أو من فاعل (يُتلَى) أي: يتلى تحريمه ليكون (مَا) عبارة عن البهيمة المحرمة لا عن اللفظ المتلو. اهـ
قوله: ((غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) حال من الضمير فى (لكم)).
قال أبو حيان: هو قول الجمهور، وهو مردود إذ يصير المعنى: أحلت لكم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ في حال انتفاء كونكم محلي الصيد وأنتم حرم، وهم قد أحلت لهم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ في هذه الحال وفي غيرها من الأحوال إذا أريد بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ أنفسها، وإذا أريد بها الظباء وبقر الوحش وحمره فيكون المعنى: وأحل لكم هذه في حال انتفاء كونكم تحلون الصيد وأنتم حرم، وهذا تركيب قلق معقد ينزه القرآن أن يأتي فيه مثل هذا، ولو أريد هذا المعنى لجاء على أفصح تركيب وأحسنه.
قال: والقول بأنه من واو (أَوْفُوا) قول الأخفش وفيه الفصل بين الحال وصاحبها بجملة غير اعتراضية بل هي منشئة أحكاماً وذلك لا يجوز، وفيه أيضاً تقييد الإيفاء بالعقود بانتفاء إحلال الموفين الصيد وهم حرم، وهم يؤمرون بإيفاء العقود بغير قيد
ويصير التقدير: أوفوا بالعقود في حال انتفاء كونكم محلي الصيد وأنتم حرم فإذا لم توجد هذه الحال فلا توفوا بالعقود. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: لا يخفى أن قول الأخفش أقرب معنى وإن كان أبعد لفظاً، وذلك لأن جعله حالاً من ضمير (لكم) إنما يصح إذا أريد ببهيمة الأنعام الظباء، وإذا أريد الأنعام المستثنى منها البعض ففي جعله حالاً من ضمير (لَكُم) تقييد للإحلال بهذه الحال وليس كذلك.
قال: ويمكن دفعه بأنَّ المراد بالأنعام أعم من الإنسي والوحشي مجازاً أو تغليباً أو دلالة أو كيف ما شئت، وإحلالها على عمومها مختص بحال كونكم غير محلين للصيد في الإحرام إذ معه تحريم البعض وهو الوحشي.
قال: ومنهم من جعله حالاً من فاعل أحللنا المدلول عليه بقوله (أُحِلَّتْ لَكُمْ) ويستلزم جعل (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) أيضاً حالاً من مقدر أي: حال كوننا غير محلين الصيد لكم في حال إحرامكم.
قال: وليس ببعيد إلا من جهة انتصاب حالين متداخلين من غير ظهور ذي الحال في اللفظ. اهـ
وقال أبو حيان: جعل بعضهم صاحبَ الحالِ الفاعلَ المحذوف من (أُحِلَّتْ) المقام مقامه المفعول وهو الله تعالى، وهو فاسد لأنهم نصوا على أنَّ الفاعل المحذوف في مثل هذا يصير نسياً منسياً فلا يجوز وقوع الحال منه، وجعله بعضهم الضمير المجرور في (عَلَيكمْ) ويرده أن الذي (يُتلَى عَلَيكمْ) لا يتقيد بحال انتفاء إحلالهم الصيد وهم حرم بل هو يتلى عليكم في هذه الحال وفي غيرها.
ونقل القرطبي عن البصريين أن قوله (إِلاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) استثناء من (بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ)، وقوله (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) استثناء مما يليه وهو الاستثناء، وأبطله بأنه يلزم عليه إباحة الصيد في الحرم لأنه مستثنى من الجرم الذي هو مستثنى من الإباحة.
قال ابن عطية: قد خلط الناس في هذا الموضع في نصب (غَيْرَ)، وقدروا تقديرات
كلها غير مرضية لأن الكلام على اطراده متمكن استثناء بعد استثناء. اهـ
وقال أبو حيان: إنما عرض الإشكال في الآية حتى اضطرب الناس في تخريجها من كونه رسم (مُحِلِّي) بالياء، فظنوا أنه اسم فاعل من أحل، وأنه مضاف إلى الصيد إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى المفعول، وأنه جمع حذف منه النون للإضافة وأصله: غير محلين الصيد، والذي يزول به الإشكال ويتضح المعنى أن يجعل قوله (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) من باب قولهم: حسان النساء، والمعنى النساء الحسان، وكذا هذا أصله: غير الصيد المحل، والمحل صفة للصيد لا للناس، ووصف الصيد بأنه محل إما على معنى: دخل في الحل، كما تقول أحل الرجل أي دخل في الحل، وأحرم الرجل: دخل في الحرم، أو على معنى صار ذا حل أي: حلالاً بتحليل الله، ومجيء (أفعل) على الوجهين المذكورين كثير في لسان العرب، فمن الأول: أعرق وأشأم وأيمن وأنجد وأتمم إذا حلوا هذه المواضع، ومن الثاني: أعشبت الأرض وأبقلت أي صارت ذا عشب وبقل، وكذا أغد البعير وألبنت الشاة وأحرم النخل وأحصد الزرع وأنجبت المرأة، وإذا تقرر أن الصيد يوصف بكونه محلاً باعتبار أحد الوجهين المذكورين من كونه بلغ الحل أو صار ذا حل اتضح كونه استثناء ثانياً، ولا يمكن كونه استثناء (من استثناء) لتناقض الحكم لأن المستثنى من المحرم حلال، ثم إن كان المراد ببهيمة الأنعام أنفسها فهو استثناء منقطع، أو الظباء ونحوها فمتصل على أحد تفسيري المحل، (استثنى الصيد) الذي بلغ الحل في حال كونهم محرمين.
فإن قلت: ما فائدة هذا الاستثناء بقيد بلوغ الحل، والصيد الذي في الحرم لا يحل أيضاً؟ قلت: الصيد الذي في الحرم لا يحل للمحرم ولا لغير المحرم، والقصد بيان تحريم ما يختص تحريمه بالمحرم.
فإن قلت: ما ذكرته من هذا التخريج الغريب يعكر عليه رسمه في المصحف بالياء
والوقف عليه بها؟ قلت: قد كتبوا في المصحف أشياء تخالف النطق نحو (لا أذبحَنهُ) بالألف، و (بِأييد) بياءين إلى غير ذلك، والوقف اتبعوا فيه الرسم. اهـ
وأقول: هذا التخريج الذي خرجه أبو حيان فيه تكلف كبير، وهو خلاف ما يتبادر من اللفظ والسياق، والصواب تخريج الجمهور أنه حال من ضمير (لَكم)، وما رد به من لزوم تقييد الإحلال بهذه الحال لا يرد عند التأمل، وكم من حال وصفة لم يعتبر مفهومها، ثم رأيت السفاقسي ذكر مثل ما ذكرت فقال: هذا التخريج الذي ذكره أبو حيان فيه تكلف وتعسف لا يخفى على منصف من حيث زيادة الياء وفيها التباس المفرد بالجمع وهم يفرون منه بزيادة أو نقصان في الرسم فكيف يزيدون زيادة ينشأ عنها لبس؟ ومن حيث إضافة الصفة للموصوف وهو غير مقيس، ولا شك أن ما ذكره الجمهور من أن (غَيْرَ) حال وإن لزم منه الترك للمفهوم فهو أولى من تخريج ينبو عنه المفهوم، والمفهوم هنا متروك لدليل خارج، وكثير في القرآن مفهومات متروكة لعارض. اهـ
وقال الحلبي: هذا الذي ذكره أبو حيان وأجازه وغلط فيه الناس ليس بشيء وفيه خرق للإجماع، فإنَّهُم لم يعربوا (غَيْرَ) إلا حالاً حتى نقل عن بعضهم الإجماع على ذلك، وإنما اختلفوا في صاحب الحال.
قال: وقديماً وحديثاً استشكل الناس هذه الآية. اهـ
ثم قال السفاقسي: ويمكن فيه تخريجان:
أحدهما: أن يكون (غَيْرَ) استثناء منقطعاً، و (مُحِلِّي) جمع على بابه والمراد به: الناس الداخلون حل الصيد؛ أي: لكن إن دخلتم حل فلا يجوز لكم الاصطياد.
والثاني: أن يكون متصلاً من بهيمة الأنعام، وفي الكلام حذف مضاف إلى (مُحِلِّي) أي: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا صيد الداخلين حل الاصطياد وأنتم حرم فلا يحل.
ويحتمل أن يكون على بابه من التحليل ويكون الاستثناء متصلاً والمضاف محذوف؛ أي: إلا صيد مُحِلِّي الاصطياد وأنتم حرم، والمراد بالمحلين: الفاعلون فعل من يعتقد التحليل فلا يحل، ويكون معناه: أن صيد الحرم كالميتة لا يحل أكله مطلقاً.
ثم قال السفاقسي: وعندي تخريج آخر حسن وهو أن يكون حالاً من ضمير (لَكم)