الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[المراد بالأحرف السبعة]
ومنها: ما المراد بالأحرف السبعة في قوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ هذا القرآن أُنزِلَ على سبعة أحرف" هل هي القراءات السَّبعُ المشهورة أو غيرها؟
وما المراد بالقراعة الشَّاذَّة إذا أطلقت: هل هو ما وراء العشرة والسبعة. وإذا ثبت ذلك، فما حكم مَنْ قرأ بها في الصلاة أو خارجها. وهل يحرم إقراؤُها ويسُوغُ لوليِّ الأمرِ المنعُ مِنْ قراءتها والإقراء بها؟ وهل إذا وردت روايةٌ عَنْ شيخٍ مِنَ المشايخِ السَّبعة مِنْ غير طريق "الشاطبية" و"التيسير" و"العنوان" يجوزُ القراءة به. وما يجبُ على الطَّاعن في شيءٍ مِنَ القراءات السَّبع كالإمالة ونحوها؟
أجاب: قد صنَّف العلَّامة شيخُ الفُقهاء والقرَّاء أبو شامة الدِّمشقي في هذه المسالة تصنيفًا بليغًا سماه "الوجيز في علوم تتعلق بالكتاب العزيز"، أتقن الكلام على هذه المسألة، وأظهر جهلَ مَنْ يظُنُّ أنَّ المراد بالأحرف السَّبعة في الحديث القراءات السبعة التي إذا أُطلقت في هذه الأعصار، كان المرادُ بها قراءة ابنِ كثير ونافعٍ وابنِ عامرٍ وعاصمٍ وأبي عمروٍ وحمزة والكِسَائيِّ، وهي التي دوّنها أبو بكر بن مُجاهد على رأس الثلاثمائة، وتبِعَه الدَّانيُّ في "التيسير"، ونظمها الشَّاطبي في قصيدته المشهورة.
وحاصل ما حرَّره: أنَّ هذه القراءات المنسوبة إلى هؤلاء الأئمَّةِ السَّبعة لا تخرُج عن المصحف العثماني الذي استقرَّت عليه آراءُ الصَّحابة في زمن
= "البخاري" بعد أن قال: كثر السؤال: هل باشر النبي صلى الله عليه وسلم الأذان بنفسه؟ وقد أجاب السهيلى والنووي بأنه أذَّن مرَّة في سفرة، أخرجه الترمذي.
وبعد أن نقل كلام صاحب الترجمة المذكور هنا، وأنه أوَّلَ "أذَّن" بأمره بالأذان ما نصه:
قلت: قد ظفرت بحديث مرسل أخرجه سعيد بن منصور في "سننه": حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي، عن ابن أبي مُليكة قال: أذَّن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مَّرة، فقال: حي على الفلاح. وهذه رواية لا تقبل التأويل. انتهى. وفي هذا ترجح لما قاله السهيليُّ والنووي مِنْ أنه باشر الأذان مرَّة بنفسه.
عثمانَ رضي الله عنه، فأرسل إلى كلِّ أُفق بمصحف، وأمرهم بالاقتصار مِنَ القراءات التي كانوا تلقَّوْها عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه على ما تضمَّنه المصحف المذكور.
ووقع في بعض المصاحف المذكورة اختلافٌ كثير بالزِّيادة الخفيفة والنقص اليسير مثل "مَنْ" في قوله تعالى: {تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ} في أواخر سورة براءة (1)، فإنها في المصحف المكي ثابتةٌ، وليست ثابتة في المدني ولا الشَّامي ولا غيرهما، ولم يكن في المصاحف المذكورة نقط، ولا شكل، فقرأ أهل كل مصر بما وافق مصحفهم واقتصروا عليه، وهو في الأصل حرف واحدٌ مِنَ الأحرف السبعة التي جرى ذكرُها في الحديث الصَّحيح. وأمَّا السِّتَّة الأخرى فمهما وافق الحرفَ المذكورَ منها فهي منه، ومهما خالفه بتغيير النقط أو الشكل أو الزِّيادة أو النَّقص، فهو الشَّاذُّ اصطلاحًا، وقد يقع فيه ما هُو في نفس الأمر غيرُ شاذٍّ، لكنه مِنْ جهة الاقتصار على المصحف العثماني خفيَ أمرُه، فسُمِّيَ شاذًّا، مع أنَّ كثيرًا مِنَ القراءات التي لا تُنْسَب للأئمَّةِ السَّبعة المتقدِّم ذكرُهم غيرُ شاذٍّ، لأنَّ الذي استقرَّ عليه الأمرُ أن ضابطَ المشهور ما وافق رسمَ المصحف العثماني، وصحَّ سندُه إلى إمام مشهور مِنْ أئمَّة القراءة، ووافق اللِّسانَ العربيَّ لُغةً وإعرابًا. ولا يشترط كونُه أفصحَ، بل يكفي كونُه فصيحًا.
ولا يرتابُ العارف بالقراءات في قراءة أبي جعفر بن القعقاع ويعقوب وغيرهما مِنْ هذا الجنس الشيء الكثير، فهذا تحقيق الأمر في ذلك.
ومهما خالفَ الضَّابط المذكور، فهو مِنَ الشَّاذِّ سواءٌ نسِبَ إلى إمام منَ الأئمة السَّبعة المذكورين أم إلى غيرهم. وأما القراءة بالشَّاذِّ فلها حالان:
الأولى: في الصلاة، ولها حالان:
أحدهما: تحريمُ القراءة بها، والثاني: صحة الصلاة.
(1) الآية رقم 100.
فأمَّا التحريمُ، فيأتي بيانُه في خارج الصَّلاة.
وأمَّا الصِّحَّة، فضابطُها أن لا يختلَّ المعنى ولا يتغيَّرَ رسمُ المصحف بالزيادة والنقص.
والشرط الثاني: يختصُّ بالفاتحة عند مِنْ يشترط قراءتها في القيام، سواءٌ كان في كلِّ الصَّلاة أم في بعضها.
الثاني: خارج الصلاة، ولها حالان:
الأول: أن يكونَ في مقام التَّعليم، لقصد ضَبْطِ ذلك وتحمُّلِه عن الأشياخ، لِمَا في ذلك مِنَ الإعانة على معرفة إعرابه، فيجوز. وعلى هذا يُحمَلُ عَمَل الأئمةِ شرقًا وغربًا في تصانيفهم في التفسير وغيره، وفي الاحتجاج بذلك في الأحكام الشرعية عند مَنْ يقولُ به.
والثاني: القراءة بها على أنها قرآن، فهذا لا يجوز، وعليه ينزِلُ كلامُ الأئمة في منعه مِنَ الفقهاء والأصوليين.
وأمَّا مَنعُ وليِّ الأمر مِنْ ذلك، فعلى التَّفصيل المذكور بأن يُقالَ مثلًا: يجوز بشرط كذا، ولا يجوز إلا بشرط كذا كما قدَّمتُه.
وإذا وردت رواية عَنْ إمام مِنَ الأئمَّة اتصلت القراءة بها، ودُوِّنت في كتب بعض الأئمة الذين دوَّنوا القراءاتِ المشهورة غير الكتب الثلاثة، ككتاب ابن مُجاهد الذي هو أصل "التيسير"، و"الإقناع" لأبي جعفر بن الباذِش، وقد وصفه أبو حيان في مقدمة "تفسيره" بأنه أحسن المجموعات في القراءات السبع، و"المصباح" لأبي الكرم، وهو في القراءات العشر، وغيرها مِنَ التَّصانيف، وهي كثيرةٌ ومعروفةٌ عند أهل هذا الفن.
وأمَّا مَنْ طعن في الإمالة ونحوها، فإنها مسألةُ خلافٍ مشهور. وممَّن جزم بمنع التَّواتر فيها: إمام العربية والقراءات أبو عمرو بن الحاجب، كما صرَّح به في "المختصر الأصلي"، ولكن [الأكثر على خلاف ذلك، ولم يطعن أحدٌ في أصل الإمالة ولا الهمز ولا غيرهما، وإنما طعنوا في](1)
(1) ما بين حاصرتين ساقط مِنْ (أ).
الإفراط في كلٍّ مِنْ ذلك، والذي ينكر ذلك مِنْ غيرِ أهل العلم بالعربية والقراءة يُمْنَعُ ويُردَعُ، فطريقُ مثله أن يوافِقَ الجمهور ولا يخالِفَهم، ولا يتابعُ مَنْ شذَّ منهم عن جماعتهم (1).
وأما مَنْ كان مِنْ أهل العلم بذلك. ووضح له دليلُ المسألة، ورجح عنده مسْتَنَدُها، فلا يتوجه عليه شيء مِنْ ذلك، لكن إن انتصبَ لترجيح ذلك، وحمل النَّاس عليه، فإنَّه يمنَعُ، لأن متابعة السَّوادِ الأعظم أولى مِنْ متابعة مَنِ انفرد، واللَّه أعلم.
وسئل أيضًا في القراءة بالشاذِّ: هل تحرُم، كما جزم به النوويُّ في كتبه والسبكيُّ في صفة الصلاة مِنْ "شرح المنهاج" وابن الصلاح في "فتاويه"، وكما نقل ابنُ عبد البرِّ الإجماع عليه، ونقل تحريم الصلاة خلف مَنْ يصلِّي بها، كما نقل ابن عبد البر الإجماع عليه، وهل يُعزَّرُ فاعِلُ ذلك، ويجب على الحاكم منعه أم لا، وهل الشَّاذُّ ما زاد على السبع كما جزم به النَّووي في "التبيان"، وهو ظاهر كلام ابن عطية في "تفسيره"، أو ما زاد على العشر كما صحَّحه التاجُ السُّبكي في "جمع الجوامع"، وجزم به ابن الجزري في "منجده"؟
فقال: نعم، تحرُم القراءة بالشَّواذِّ، وفي الصَّلاة أشدُّ، ولا نعرف خلافًا عن أئمة الشَّافعية في تفسير الشَّاذِّ أنَّه ما زاد على العشر، بل منهم مِنْ ضَيَّق، فقال: ما زاد على السَّبع، وهو إطلاقُ الأكثر منهم، ولا ينبغي للحاكم، خصوصًا إذا كان قاضي الشرعِ، أن يتركَ مَنْ يجعل ذلك ديدنه، بل يمنعُه بما يليقُ به، فإن أصرَّ فيما هو أشدُّ مِنْ ذلك، كما فعل السلفُ بالإمام أبي بكر بن شنبوذ، مع جلالته، فإن الاسترسال في ذلك غير مرضيٍّ، وُيثاب أولياء الأمور -أيدهم اللَّه- على ذلك صيانةً لكتابِ اللَّه عز وجل، واللَّه أعلم.
وكذا كتب مِنَ الشافعية البدر بن الأمانة والونائي والقاياتي والبلقيني،
(1) في (أ): "عن جماعته".