الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأمَّا الذِّكْرُ (بعد الفرائض)(1)، فقد صحَّ أنه كان لا يجلس في مصلاه إلا قدْرَ ما يقول:"اللهم أنت السلام، ومنك السلام. . . إلى آخره"، فالظَّاهِر أنَّ المأثور مِنَ الذكر والدعاء كان يكون في المسجد؛ حيثُ لا يتوجَّه منه، وفي منزله حيث يتوجه مِنَ المسجد.
وإذا تحرَّر هذا، يُستنبط منه أنَّ مَنْ ليس في مِثلِ حاله مِنْ إرادة الوعظ والإفتاء ونحوهما إنا ذكر الذكر والدعاء المأثور لكل صلاة يستمر على استقبال القبلة حتى يفرغ وينصرف إلى منزله، وإنما كان ذلك، لأن الأمر ورد باستقبال القبلة عند الدعاء، فإذا خُصَّ منه شيءٌ للمصلحة المذكورة، بَقِيَ ما عداه على عُمومه. وهذا مما غاب بيانُه عَنْ كثير مِنَ النَّاس، فحملوا صنِيعَه صلى الله عليه وسلم في الهيئة المذكورة مِنَ الجلُوس على عموم الأحوال، والذي يظهر أن الذي يستحب التفصيل المذكور، واللَّه الموفق.
[وكذا سأله الشِّهابُ أحمد بن أبي القاسم الضَّراسي اليماني سؤالًا يتعلَّق بقوله صلى الله عليه وسلم "مَنْ صلَّى الصُّبْحَ، ثمَّ جلس في مُصلَّاه، إلى أن تطلُعَ الشَّمس".
كتبته مع جوابه في غير هذا الموضع] (2).
وأما
الشاميات:
فقد ورد السُّؤال منها عَنْ واقفٍ وقفَ وَقْفًا على نفسه مدَّة حياته، ثم مِنْ بعد موته (3) على أولاده الموجودين، ثمَّ مِنْ بعدهم على أولادهم، ثم على أولاد أولادهم، ثمَّ على أولاد أولاد أولادهم ونَسْلِهِم وعَقِبِهم بينهم بالفريضة الشرعية للذَّكرِ مِثلُ حظِّ الأنثييْن مِنْ أولاده الظَّهر والبطن، واحدًا كان أو أكثر، ذكورًا كانوا أو إناثًا بينهم بالفريضة الشرعية، يسْتَقِلُّ (4) به
(1) هذه العبارة ساقطة مِنْ (أ).
(2)
ما بين حاصرتين لم يرد في (ب)، وقد أشار المصنف إلى هذا السؤال في ترجمة الضراسي مِنْ الضوء اللامع 2/ 64، وقال: أوردته في فتاويه يعني الحافظ بن حجر.
(3)
في (ح): "مِنْ بعده".
(4)
في (أ): "يشتغل".
الواحد، ويشترك فيه الاثنان فما فوقهما مدة حياتهم مِنْ غيرِ مشاركٍ لهم فيه ولا في شيء منه يحجُبُ الطَّبقة العُليا منهم أبدًا الطبقة السفلى مِنْ أولاد الظَّهر والبطن بالفريضة الشرعية، على أنه مَنْ تُوفِّي مِنْ أهل هذا الوقف، وترك ولدًا أو ولدَ ولدٍ أو أسفلَ مِنْ ذلك مِنْ ولد الولد، انتقل نصيبهُ إليه، واحدًا كان أو أكثرَ على التَّرتيب المشروح أعلاه، فإن لم يكن للمتوفى منهم ولدَّ ولا ولد ولدٍ ولا أسفل مِنْ ذلك، أو كانوا وانقرضوا، كان ما للمتوفى مِنْ رُبع ذلك لإخوته وأخواته المشاركين له في استحقاق الوقف، ووجوب الصَّرف إليه مِنَ الذُّكور والإناث مِنْ ولد الظَّهر والبطن على ما شُرِحَ فيه، فإن لم يكن للمتوفَّى أخٌ ولا أختٌ، أو كانوا انقرضوا، كان ما (1) للمتوفى مِنْ ذلك لأقرب الطبقات إليه مِنْ أهل الوقف المذكُور (2) ممَّن يشاركه في حال حياته في استحقاق الربع، ووجوب الصرف إليه مِنْ ولد الظهر والبطن مِنْ أهل الوقف بينهم بالفريضة الشرعية، وحكم حاكم يرى صحة الوقف على النفس، ثم مات الآن مِنَ المستحقين محمد وأحمد ولدا محمَّد بن أم هانىء بنت عبد القادر بن أبي بكر ابن الواقف وعائشة وفاطمة بنت الشيخ علي بن أنس بنت فاطمة بنت عائشة بنت الواقف عن (3) غير ولد، ولا ولدِ ولدٍ ولا إخوةٍ ولا أخوات. ثمَّ الآن مِنَ المستحقين الموجودين بركةُ بنتُ فاطمة بنت حسن بن محمد بن موسى ابن الواقف، وإبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن سومَلك بنت الواقف، وبي خاتون بنت أحمد بن إبراهيم بن يوسف بن سوملك بنت الواقف، ومحمد بن بلينة بنت أنس بن سليمان بن موسى ابن الواقف، وبي خاتون وزينب بنتا عائشة بنت يونس بن أبي بكر ابن الواقف، وقضاة بنت عائشة بنت فاطمة بنت إبراهيم ابن الواقف، وتولت بنت إبراهيم بن يوسف بن سوملك بنت الواقف، ومحمد وفاطمة ولدا عائشة بنت زينب بنت أبي بكر ابن الواقف، وأغُل بنت
(1)"ما" ساقطة مِنْ (ب)، وفي "جمان الدرر":"كان ما كان للمتوفى".
(2)
في (أ): "الذكور".
(3)
في (أ): "مِنْ".
عبد الرحمن بن أبي بكر ابن الواقف، وأسماء بنت فاطمة بنت أبي بكر ابن الواقف. فهل ينتقل نصيبُ المتوفِّين المذكورين إلى بركة ومَنْ شاركها في طبقتها، أم إلى بي خاتون وزينب ومَنْ بشاركها في طبقتها، أم إلى أُغُل ومن يشاركها في طبقتها؟.
وقد وقعت هذه الواقعة في دمشق المحروسة، واختلف فيها بعضُ العلماء بها، فقال بعضُهم: إن نصيب المتوفين ينتقلُ إلى أُغُل ومَنْ يشارِكُها في طبقتها دُونَ غيرهم، واحتجَّ بأن المرادَ بأقرب الطَّبقات أقربُ مَنْ في الطبقات، فهو بمنزلة قوله: أقرب أهل الواقف (1) إليه، وليس المراد تقديم أهل الطَّبقة التي هي أقربُ إلى طبقةٍ مِنْ أهل الطبقة التي هي أعلى منها ولا أسفل؛ لأنه لما خصَّ الإخوة والأخوات مِنْ أهل الطبقة، ولم يعتبر بقية الطبقة، لا معهم ولا بعدَهم، علمنا أنَّه لا ينظر إلى مُطْلَقِ الطَّبقة، بل إلى مَنْ هو أقربُ منها إليه، ولو قصد الصَّرف إلى مَنْ هو أقربُ طبقةً إليه، لكان أهل طبقته أولى، فلما عدل بعدَ الإخوة بلى أقرب الطَّبقات عَن طبقته، عُلِمَ أنَّ المراد أقرب الموجودين مِنْ بعدهم إليه، فكأنه قال: على إخوته، ثم الأقربُ فالأقرب إليه دُونَ بقية المستحقين.
وأيضًا فقوله: أقربُ الطَّبقات إليه، يحتمل أن يكونَ المراد أقربَ طبقةٍ إليه، ويحتمل أن يُراد أقرب الموجودين إليه. وهذا الثاني أولى، عملًا بقول الواقف أولًا (2): تحجب العليا السفلى أبدًا، ما لم يخصَّ بصريح: كقوله: على أنَّ مَنْ مات منهم عَنْ ولدٍ، انتقلَ نصيبُه إلى ولده.
وقال الآخر: إنَّ نصيب المذكورين ينتقلُ إلى بركةَ ومن يشاركها في الطَّبقة؛ لأن قوله: انتقل نصيبُه إلى أقرب الطَّبقات إليه صريحٌ في أنَّ مَنْ كان أقربَ طبقةً إلى الميت استحقَّ نصيبَه، ولا شكَّ أنَّ أهلَ الطبقة الأولى -الذين هم أولادُ الواقف- أبعدُ الطبقات عَنِ الميت، والطَّبقةَ الثانية أقربُ ممَّا
(1) في (ب): "الوقف".
(2)
في (ب): "ولا".
قبلَها إلى الميت، والطَّبقةَ الثالثة أقربُ إلى الميت مِنَ الثَّانية، وهكذا حتَّى ينتهي إلى طبقةِ الميت، وحينئذٍ فأهل الطبقة (1) المساوين له في الدرجة باعتبار عددِ الطَّبقات أوْلَى بالاستحقاق مِنْ أهلِ الطَّبقة التي فوقها؛ لأنَّ الواقف قيَّد استحقاقَ أقرب الطبقات إلى الميت بكونه ممن يشاركه في استحقاق الربع. واحتمال المشاركة صدَّ عنه، إنما كان في أهل طبقته؛ لجواز أن يكون بعضُ مَنْ في طبقته محجوبًا بأبيه.
وأمَّا مَنْ فوقَه مِنَ الطَّبقات، فيشاركونه لا محالة. فلو حُمِلَ على مَنْ فوقَه مِنَ الطبقات، لعرَّى التَّقييد عَنِ الفائدة.
فإن قيل: وإذا حُمِلَ على أهل طبقته، لعرَّى عن الفائدة أيضًا؛ لأنَّ أهلَ الطَّبقة همُ المتناولون مِنْ رَيْعِ الوقف، المنتسبون إلى الواقف على حدٍّ سواء، أُجيبَ بالمنع؛ فإن الشيخ العلامة تقي الدين السبكي رحمه الله حكى احتمالين في المساوي في النسب إلى الواقف، [ولم يتناول مِنْ ربع الوقف لوجود أبيه مثلًا، هل هو مِنْ أهل الطبقة أم لا، فقول الواقف](2): المشاركون له في الاستحقاق نصٌّ في إخراج مثل هذا، وبقي الاحتمالُ الآخر، فله فائدةٌ بخلافِ حملِه على المحمَلِ الأوَّلِ. وأيضًا قولَ الواقف: ثمَّ على أقرب الطبقات إليه لو حُمل على الطبقة العليا، لكان هو عينَ الكلام الأوَّلِ في قوله: تحجبُ الطَّبقة العليا الطبقة السُّفلى، فيبقى الكلام الثاني بلا فائدة، وأيضًا قد حكى بعض المتأخِّرين خلافًا (3) فيما إذا احتمل عَوْدُ الضَّمير إلى الواقف أو إلى المتوفَّى، وبتقديرِ ما ذكرَهُ القائل الأول، يلزم أن لا يختلِفَ الحالُ، ولا يكون لهذا الخلافِ المحكيِّ فائدةٌ.
وقوله: إنَّ المرادَ بأقرب الطَّبقات أقربُ مَنْ في الطَّبقات ممنوع؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ هذا التقدير، وَلو أراده، لقال: أقربُ الناس إليه مِنْ أهل الوقف. وما احتجَّ به لهذا التقدير ممنوع، بل قول الواقف: لإخوته
(1) في (ب، ح): "طبقته".
(2)
ما بين حاصرتين ساقط مِنْ (أ).
(3)
في (ب): "خلافه".
وأخواته، تخصيصٌ لقوله: تحجِبُ الطَّبقةُ العليا الطَّبقةَ السُّفلى أبدًا.
وقوله: ومن مات عَنْ غير ولد، ولا ولد ولد، ولا إخوة ولا أخوات، عادَ إلى أقرب الطبقات إليه، مِنْ تمام الكلام في تخصيص قوله: تحجِبُ الطَّبقة العليا الطَّبقة السفلى، حملًا للكلام الثاني على الفائدة.
وقوله: إنَّ الاحتمالَ الثَّاني أولى، عملًا بعموم قول الواقف: تحجِبُ الطَّبقةُ العليا الطَّبقةَ السُّفلى، ما لم يحصر بصريح كقوله (1): على أنَّ مَنْ مات عَنْ ولدٍ انتقل نصيبه إلى إخوته وأخواته، وقول القائل الأول أيضًا: إنَّ الواقف لو قصد الصرف إلى مِنْ هو أقرب طبقة إليه، كان أهل طبقته أولى، يقال له: هذا محل النِّزاع، لأن القول الثاني يقول: إن أهل الطبقة هم المستحقون لنصيبِ المتوفَّى، إذ أهل طبقته أقربُ الطَّبقات إليه، فتأمَّلُوا ذلك، وبيِّنُوا الصَّواب منه واضحًا.
فأجاب: الذي بحثه المفتي الأوَّل، وإن كان له اتِّجاه لما ذكر، لكن الذي بحثه الثاني أوجه، وكلُّ شيءٍ نُقضَ به تعليل الأول مستقيمٌ يقتضي ترجيح بحثه على بحث الأول، ويُزادُ بأن يُقالَ: لو كان الأمرُ على ما أجابَ به الأول، لاقتضى أنَّه لا فرق بين قوله: أقربُ الطَّبقات إلى الواقف، وبين قوله: أقربُ الطبقات إلى الميت. والواقع أن بينهما فرقًا؛ ففي الأول يُعتَبَرُ القُرْبُ إليه، فمهما كان إليه أقلَّ عددًا، كان أحق بذلك ممَّن هو دُونَه، وفي الثاني المساوي أقربُ إلى الميت طبقةٌ مِنَ الطبقة التي تسفُل عنه، وهذا لا خفاء به، واللَّه سبحانه أعلم.
ومما ورد عليه مِنْ دمشق: أسئلة مِنَ العلَّامة القطبُ خاتمة المفسرين زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الكرم الصَّالحي الحنبلي، عُرف بأبي شعرة، نفعنا اللَّه ببركاته (2).
(1) في (أ): "يحضر تصريح لقوله".
(2)
وقد طبعت هذه الأسئلة وأجوبتها بعنوان "الأسئلة الفائقة بالأجوبة اللائقة"، وسيأتي التصريح بعنوانها في نهاية الأجوبة.