المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌[حديث الجسَّاسة] كتب شيخُنا صاحبُ الترجمة إليه ما نصُّه: سألتم رضي - الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر - جـ ٢

[السخاوي]

فهرس الكتاب

- ‌ الإملاء

- ‌[وظائفه]

- ‌[وظيفة التفسير:]

- ‌[وظيفة الوعظ:]

- ‌[وظيفة الحديث:]

- ‌[وظيفة الفقه:]

- ‌[وظيفة الإفتاء:]

- ‌[وظيفة المشيخة:]

- ‌[وظيفة الخطابة:]

- ‌[وظيفة خزن الكتب:]

- ‌[دروس ابن حجر:]

- ‌[التفسير:]

- ‌[فتاويه:]

- ‌[خُطَبُه:]

- ‌[القضاء:]

- ‌[آفات القضاء]

- ‌[بعض أعماله في القضاء:]

- ‌ذكر الإشارة إلي محنته التي شارك فيها غيره من السادات بسبب ولده

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌الباب الخامسفيما علمته من تصانيفه ومَنْ حصَّلها مِنَ الأعيان وتهادي الملوك بها إلى أقصى البلدان وما كتبه بخطه مِنْ تصانيف غيره ليظهر حسن قصده وعظم خبره

- ‌[مصنفات ابن حجر]

- ‌الأربعينات

- ‌المعاجم والمشيخات

- ‌تخريجه لشيوخه وغيرهم

- ‌الطرق

- ‌الشروح

- ‌علوم الحديث

- ‌فنون الحديث

- ‌الرجال

- ‌[صفات المؤرخ]

- ‌الفقه

- ‌أصول الدين

- ‌أصول الفقه

- ‌العروض والأدب

- ‌[اعتناء الملوك بتصانيف ابن حجر]

- ‌[مشاهير من نسخ مصنفات ابن حجر]

- ‌[وليمة فتح الباري]

- ‌[مَنْ كَتَبَ فتح الباري]

- ‌[شروح البخاري]

- ‌فصل

- ‌الباب السادسفي سياق شيء من بليغ كلامه نظمًا ونثرًا وفيه فصول

- ‌[تقريظ كتاب نزول الغيث للدماميني]

- ‌[تقريظ بديعيه الوجيه العلوي]

- ‌[ما كتبه على قطعة لابن ناهض]

- ‌[تقريظ سيرة ابن ناهض]

- ‌[تقريظ بديعية ابن حجّة]

- ‌[تقريظ آخر على بديعية ابن حجّة]

- ‌[وقد قرض شيخنا لابن حجّة قصيدته الثانية التي امتدح بها البدري بن مزهر حسبما أشار إليه النواجي في "الحجة"، فينظر]

- ‌[تقريظ عجاله القرى للتَّقي الفاسي]

- ‌[تقريظ الزهور المقتطفه من تاريخ مكة المشرقة للتقي الفاسي]

- ‌[تقريظ تحفة الكرام للتقي الفاسي]

- ‌[تقريظ مجموع تقي الدين الكرماني]

- ‌[تقريظ ديوان الملك الأشرف]

- ‌[تقريظ ديوان الملك الكامل]

- ‌[تقريظ الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي]

- ‌[تقريظ شرح عقود الدرر في علوم الأثر لابن ناصر الدين]

- ‌[تقريظ وجهة المختار لابن سويدان]

- ‌[تقريظ شرح منهاج البيضاوي لابن إمام الكاملية]

- ‌[تقريظ الأربعين لجلال الدين البلقيني]

- ‌[تقريظ نزهة القصَّاد للشريف النسَّابة]

- ‌[تقريظ الغيث الفائض في علم الفرائض للحسيني]

- ‌[تقريظ مسألة الساكت للسوبيني]

- ‌[تقريظ في منظومة الشغري في النحو]

- ‌[تقريظ البرهان الواضح للناس لابن أبي اليُمن المكي]

- ‌[تقريظ زهر الربيع في شواهد البديع لابن قرقماس]

- ‌[تقريظ الجامع المفيد في صناعة التجويد للسنهوري]

- ‌[تقريظ تحفة الأنفس الزكية لأبي حامد القدسي]

- ‌[تقريظ كتب السخاوي]

- ‌[تقريظ مرثية لابن الغرز]

- ‌[تقريظ موشح]

- ‌[تقريظ على درج الجمال ابن حجاج]

- ‌[تقريظ نظم لعبد السلام البغدادي]

- ‌الفصل الثاني فيمن عرض محافيظه عليه أو كتب له إجازة ممن تردَّد إليه

- ‌[الكتب المعروضة علي ابن حجر]

- ‌[إجازات ابن حجر]

- ‌ رسائله

- ‌الفصل الرابع في‌‌ المقترحاتوالمطارحات والألغاز البديعة الإيجاز

- ‌ المقترحات

- ‌[المطارحات]

- ‌الألغاز

- ‌[مقاطيعه]

- ‌الفصل الخامس فيما ورد عليه من الأسئلة المنظومة وجوابه عنها بفكرته المستقيمة

- ‌الفصل السادس في نبذة مِنْ فتاويه المهمة المتلقاة بالقبول بين الأئمة

- ‌ المكيات:

- ‌ المدنيات:

- ‌ القدسيات:

- ‌ اليمنيات:

- ‌ الشاميات:

- ‌[حديث الجسَّاسة]

- ‌فصل

- ‌[ترجمة الكسائي]

- ‌فصل

- ‌[بيان الحديث الحسن]

- ‌ الحلبيات:

- ‌ المصريات:

- ‌[بدعة الزيادة في الأذان]

- ‌ القاهريات:

- ‌[تضعيف حديث الماء المشمس]

- ‌[حديث: مَنْ مَلَكَ ذا رحم محرم فهو حرّ]

- ‌[حديث فضل الصلاة في المسجد النبوي]

- ‌[حكم لبس الأحمر]

- ‌[زنة خاتم النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌[حديث بريدة في خاتم الحديد]

- ‌[حديث الظالم عَدْلُ اللَّه في الأرض]

- ‌[حديث لا يدخل الجنة ولد زنا]

- ‌[حديث مَنْ كان ذا مال ولم يحج]

- ‌[المفاضلة بين عائشة وفاطمة رضي الله عنهما]

- ‌[هل أذَّن الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌[المراد بالأحرف السبعة]

- ‌[رواية الحسن البصري عن علي]

- ‌[خرقة التصوف]

- ‌[الشيخ عبد القادر الكيلاني]

- ‌[حديث ازهد في الدنيا يحبك اللَّه]

- ‌[هيئة الخطوة المفسدة للصلاة]

- ‌[تفسير قوله تعالي: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى]

- ‌[توثيق الإمام أبي حنيفة]

- ‌ معنى قوله تعالى: {مُسَوِّمِينَ} [

- ‌[السيدة نفيسة بنت الحسن والإمام الشافعي]

- ‌[ترجمة السيدة نفيسة]

- ‌[قبر الحسين]

- ‌[بدع القرّاء]

- ‌[حكم الغلط في النسخ]

- ‌[الاعتراض علي القاضي عياض]

- ‌[شروط العمل بالحديث الضعيف]

- ‌ أصول الفقه:

- ‌ أصول الدين:

- ‌[تعقبه على النووي في الأذكار]

- ‌[اختياراته:]

الفصل: ‌ ‌[حديث الجسَّاسة] كتب شيخُنا صاحبُ الترجمة إليه ما نصُّه: سألتم رضي

[حديث الجسَّاسة]

كتب شيخُنا صاحبُ الترجمة إليه ما نصُّه: سألتم رضي اللَّه عنكم، وأدام لكم التوفيق، وأرشدكم إلى سواء الطريق، عن حديث فاطمة بنت قيس في الجسَّاسة، وهل فيه علَّةٌ لأجلها لم يخرِّجْهُ البخاري، فإنه لا يقال: تركه لأجلِ الطُّول، فإنه ليس في الباب شيءٌ يُغني عنه. وأيضًا فإن الصَّحابة رضي الله عنهم اختلفوا وشكُّوا في ابنِ صيَّادٍ، حتَّى بعد موت النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلو سمعوا هذه الخُطبة، لما أشكل عليهم، ولا يمكن أن تكون فاطمةُ بنتُ قيسٍ رضي الله عنها سمعته وحدها، أو هو أمرٌ خاصٌّ، بل هو أمر عام. انتهى.

والجواب أن هذا السؤال تضمَّن أمورًا:

أولها: لِمَ لَمْ يخرِّجْهُ البخاري، وانفرد مسلم بإخراجه؟.

فأقول: ليست له علَّة قادحة تقتضي تركَ البخاري لتخريجه، وطولُه لا يقتضي العدُولَ عنه، فإنه أخرج غيره مِنْ الطوال، ولم يختصرها في بعض المواضع، مع أن حاجته منها إنَّما هي ببعض الحديث، كما في حديث الإفك؛ حيث أخرجه بطوله في كتاب الشهادات في باب تعديل النساء. ومن جملة الطِّوالِ ما أكثره (1) مِنْ كلام الرَّاوي، لا مِنْ كلامِ الرَّسول عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي سفيان رضي الله عنه في قصَّة هرقل.

والذي عندي أنَّ البخاريِّ أعرضَ عنه لما وقع بين الصَّحابةِ رضي الله عنهم في أمرِ ابنِ صيَّادِ. ويظهر لي أنِّه رجح عنده ما رجح عندَ عمرَ وجابر وغيرهما رضي الله عنهم مِنْ أنَّ ابن صياد هو الدَّجالُ، وظاهرُ حديثِ فاطمةَ بنتِ قيس يأبى ذلك، فاقتصر على ما رجح عنه، وهو على ما يظهر بالاستقراء منْ صنيعه يُؤْثِرُ الأرجح، ممّا على الراجح، وهذا منه.

الأمر الثاني ممَّا يتضمَّنُه السؤال: الإشارة إلى أنَّ الصحابة رضي الله عنهم لو سمعوا الخطبة التي نقلَتْها فاطمةُ بنتُ قيس، لما شكُّوا حتى بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم في ابن صياد.

(1) في (أ): "أذكره"، تحريف.

ص: 904

فأقول: بل وردَ أنَّ بعضَ الصَّحابة رضي الله عنهم الذين سمعُوا الخطبةَ كما سمعتها فاطمةُ، استمرُّوا على الشَّكِّ في كَونِ ابن صيَّادٍ هو الدَّجالُ، كما سأبيِّنُه.

الأمر الثالث: الإشارة إلى أنَّ فاطمةَ بنتَ قيسٍ تفرَّدت برواية الخُطبة المذكورة، مع استبعادِ أن تكونَ سمعتها وحدَها، فما السِّرُّ في كون بقيَّةِ مَنْ سمعها معها لم يرووها كما روتها؟

فأقول: لم تنفَرِدْ فاطمةُ بسماعها ولا بروايتها، بل جاءت القصَّةُ مرويةً عَنْ جماعةٍ مِنَ الصَّحابةِ غيرها، ودلَّ ورودُها علينا مِنْ رواية عائشة أمِّ المؤمنين وأبي هريرة وجابر وغيرهم، رضي الله عنهم، على أنَّ جماعةٌ آخرين روَوْهَا، وإن لم تتَّصل بنا روايتهم.

أما حديث عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما، فهو عند الإمام أحمد في "مسنده"، أورده في مسند فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، فقال فيه: حدثنا يحيى بن سعيد -هو القطَّان- حدثنا مُجالِدٌ، عن عامر -هو الشعبي-، قال: قدِمتُ المدينة، فأتيت فاطمةَ بنت قيس رضي الله عنها، فحدثتني أن زوجها طلَّقها وذكر الحديث. وفيه: فلما أردت أن أخرج، قالت: اجلس حتى أحدثك حديثًا عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: قالت: خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يومًا مِنْ الأيام، فصلَّى صلاة الهاجرة، ثم قعد -يعني على المنبر- ففزعَ النَّاسُ، وقال:"اجلسوا أيها الناس، فإني لم أقُمْ مقامي هذا لفزع، ولكن تميمًا الداري أتاني، فأخبر خبرًا منعني مِنَ القيلُولَةِ مِنَ الفرح. . . ". الحديث بطوله. وفيه: قال عامر: فلقِيتُ المحرَّر بن أبي هريرة، فحدَّثتُه بحديثِ فاطمةَ بنتِ قيس رضي الله عنها، فقال: أشهد على أبي أنه حدثني كما حدثتْ (1) فاطمة، غير أنه قال:"إنه في نحو المشرق".

قال: ثمَّ لقيتُ القاسمَ بنَ محمَّدٍ، فذكرتُ له حديثَ فاطمة بنتِ قيسٍ، فقال: أشهدُ على عائشة أنها حدثتني كما حدثت (2) فاطمة، غير أنَّها قالت:"الحَرَمَانِ عليه حرام، حرم (3) مكة والمدينة".

(1) ساقطة مِنْ (أ).

(2)

في (ب): "حدثتك".

(3)

ساقطة مِنْ (ب، ح).

ص: 905

قلت: وقد أخرج أبو داود في "السنن" هذا الحديث مِنْ رواية مجاهد، لكنه اقتصر على حديث فاطمة بنتِ قيسٍ، ولم يَسُقْ لفظَه، بل أحال به على طريق أخرى عَنْ فاطمة قبله، ولم يتعرض للزيادة في آخره.

وأخرجه ابن ماجه مِنْ رواية مجالد (1) أيضًا، مقتصرًا على حديث فاطمة بنت في قيس.

وأخرج أبو يعلى مِنْ طريق عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم استوى على المنبر، فقال:"حدَّثني تميم"، فرأى تميمًا في ناحية المسجد، فقال:"يا تميمٌ، حدِّثِ النَّاس بما حدَّثني"، فذكر الحديثَ باختصارٍ.

وهذا لا ينافي ما وقع في رواية فاطمة بنت قيس، لاحتمال أن يكونَ صلى الله عليه وسلم قصَّ القصَّةَ، كما في رواية فاطمة بنت قيس، ثم رأى تميمًا، فأمره أن يقُصَّ عليهم ما قصَّ عنه، تأكيدًا. ويستفادُ مِنْ ذلك مشروعيةُ طلب عُلوِّ الإسناد، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.

وأما حديث جابر رضي الله عنه، فأخرجه أبو داود، وقال: حدثنا واصل بنُ عبد الأعلى، حدثنا ابنُ فضَيل -هو محمد- عن الوليد بن عبد اللَّه بن جُميع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جبر رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذاتَ يومِ على المنبر: "إنه بينما أُنَاسٌ يسيرون في البحر، فنفِدَ طعامُهم، فرُفِعَت لهم جزيرةٌ، فخرجُوا يريدُونَ الخبر، فلقيتهم الجسَّاسة". فقلت لأبي سلمة: ما الجسَّاسَةُ؟ قال: امرأةٌ تجرُّ شعرَ جلدِها ورأسها، "قالت: في هذا القصر رجل". قال: فذكر الحديث، وفيه: "وسأل عن نخل بيسان (2) وعين زُغَر. قال: هو المسيح". فقال لي ابن أبي سلمة: إنَّ في هذا الحديث شيئًا ما حفظته، قال: شهد جابر (3) أنه ابنُ صيَّادِ، فقلت: فإنه قد مات. قال: وإن مات. قلت: فإنه أسلم. قال:

(1) في (أ): "مجاهد"، تحريف.

(2)

في (أ): "بستان"، تحريف.

(3)

في (أ، ح): "ابن جابر"، خطأ وانظر الحديث في سنن أبي داود برقم 4328.

ص: 906

وان أسلم. قلت: فإنه دخل المدينة. قال: وإن دخل المدينة.

وأخرجه أبو يعلى بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح، كذا (1) قاله شيخنا الهيثمي في "الزوائد". والواقع أن السند الذي أشار إليه هو سند أبي داود بعينه، فإن أبا يعلى أخرجَ الحديثَ عن واصلٍ بن عبد الأعلى، به.

الأمر الرابع في إيضاح هذا الإشكال: وهو أنَّ ابن صيَّاد على ما تضمنته الأخبار الواردة فيه وُلِدَ بالمدينة، ونشأ بِهَا، وجرت له في زمنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أمورٌ، منها في "الصحيحين" توجُّهُ النبي صلى الله عليه وسلم إلى المكان الذي هو فيه، ووجدانه إياه في قطيفة (2) له فيها زمزمة، وأنَّ أُمَّه أعلمته بمجيء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فثأر، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"لو تركتُه بيَّن".

ومنها: التقاءُ النبي صلى الله عليه وسلم معه (3)، وسؤاله إياه عما يرى أنَّه خبأ له الدُّخ، وغير ذلك مما تضمَّنَتهُ الأخبارُ الدَّالةُ على وجوده في عصر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ بقاؤه بعدَ النبي صلى الله عليه وسلم، وغزوه مع المسلمين وحجه واعتماره وتزوُّجه بالمدينة، ووُلِدَ له بها. وفي ذلك قصَصٌ له مع أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ومع ابن عمر رضي الله عنهما. وخرج ذلك كله في "صحيح مسلم" و"السنن"، وكان هو يتبرَّأ مِنْ ذلك إذا بلغه أنَّ النَّاس يرمُونَه باسم الدَّجَّال، ويستدِلُّ بأنَّه غيره بالأمور التي هو متَّصِفٌ بها إذ ذاك ممَّا يخالِفُ صِفَةَ الدَّجال، لكن ظهرت عليه مخايِلُ تنبىء على صِدْقِ فراستهم فيه؛ حتَّى إنه كان يرمِزَ أحيانًا، ويكاد يصرِّح بأنه هو، ولذلك كان جماعة مِنَ الصَّحابة رضي الله عنهم يجزمُون بأنَّه هو كما في "الصحيحين" عن عمر وجابر رضي الله عنهما.

وأخرج الإمام أحمد مِنْ حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال: لأن أحلِفَ عشرَ مرار أنَّ ابنَ صيَّاد هو الدَّجال أحبُّ إليَّ مِنْ أن أحلِفَ أنَّه ليس به. وسنده صحيح.

(1) في (ب): "كما قاله".

(2)

في (أ): "وظيفة".

(3)

ساقطة مِنْ (ب).

ص: 907

ومن حديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال: لأن أحلِفَ تسعًا أنَّ ابن صائدٍ هو الدَّجالُ، أحبُّ مِنْ أن أحلِفَ واحدة أنه ليس به. أخرجه الطبراني.

وقد ثبت أن أبا ذرٍّ رضي الله عنه مِنْ أصدقِ النَّاس لهجة، وأنَّ عمرَ رضي الله عنه نطق الحقُ على لسانه، فلا يُقدمان على الحلف بأنَّ ابنَ صيادٍ الدَّجالُ إلا بعدَ وُضُوحِ ذلك لهما.

ولكن توقُّف النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك في قوله لعمر رضي الله عنه لمَّا أراد قتله: "إن يكُنْ هو، فلن تُسلَّطَ عليه" يقتضي عدمَ الجزم، ولعلَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن لا يُفْصِحَ بحاله، فاستمر على التردُّد في تقريره تميمًا على قصة الجساسة وما ذكر معها، مما يقوي التردد فيه، ومع ذلك ففي قول مِنْ قال في الحديث الذي أخرجه أبو داود كما تقدم: إنه ابن صياد، ولو أسلم ما دخل المدينة، ولو مات، إشارة إلى أن أمرَه ملتبسٌ، وأنَّه جائزٌ أن يكونَ ما ظهر، مِنْ أمره إذ ذاك لا ينافي ما يقع فيه (1) بعد خروجه في آخر الزمان، وحينئذ فيحتمل في طريق الجمع بين خبر تميم الدَّاري وما عُرفَ مِنْ حال ابن صياد أن اللَّه تعالى أخرجه إلى الجزيرة المذكورة على الصِّفة المذكورة في ذلك الوقت حتى رآه تميمٌ ومَن معه، وأخبرَ النبي صلى الله عليه وسلم بما سمع منه في ذلك؛ ليكون موعظة وتحذيرًا مِنْ فتنته إذا خرج.

وفيه إشارةٌ: إلى أنَّ أموره ملتبسةٌ غيرُ متَّضحة، ويحتمل أن يكون اللَّه سبحانه وتعالى أظهرَ لأولئك مثالًا على صفته بما يؤول إليه حالُه بعد أن يتحوَّلَ مِنَ المدينة الشريفة، التي مِنْ شأنها أن تنفِي خبثَها، وأنَّه يُسْجَنُ في تلك الجزيرة إلى أن يأذن اللَّه تعالى في خروجه في الوقت الذي يريده، ويكون ذلك مِنْ جُملة الأمور التي يستمرُّ منها خفاءُ حاله وعدم الوقوف على حقيقة أمره، لما يريد اللَّه تعالى مِنْ الافتتان به في أول أمره وفي آخره.

(1) في (ب): "منه".

ص: 908

وقد اختلف في الوقت الذي فُقِدَ فيه، فأخرج أبو داود مِنْ طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما، قال: فقدنا (1) ابنَ صيَّادٍ يومَ الحرَّة. وسنده صحيح.

وصرح جماعةٌ بأنه مات في هذه الحدود، ولكن قد وقع لي أمرٌ يقتضي أنه لم يَمُتْ دان كان فُقِدَ، فأخرج أبو نعيم في أوائل "تاريخِ أصبهان"(2) له مِنْ طريق جعفر بن سليمان الضُّبَعي، عن شُبَيل بن عَزْرَة، قال: حدَّثني حسَّان بنُ عبد الرحمن، عن أبيه، قال: لمَّا افتتحنا أصبهان، كان بين عسكرنا وبين اليهوديَّة -يعني بلدة بأصبهان- فرسخٌ، فكنا نأتيها فتمتارُ منها، فأتيتها يومًا، فإذا اليهودُ يزفُنُون ويضربُون، فأتيتُ صديقًا لي منهم، فقلت: ما شأنكم؟ أتريدون أن تنزعُوا يدًا مِنْ طاعة؟ فقال: لا، ولكن ملِكنا الذي نستفتح به على العرب يدخُلُ المدينة غدًا، فذكر القصَّة، وفيه أنَّه بات هناك، فلمَّا أصبح، رأى اليهود مجتمعين، وبينهم رجلٌ عليه قبَّةٌ مِنْ رَيحانٍ وهم حوله يزفُنون ويضربُون. قال: فنظرت، فإذا هو ابنُ صيَّادٍ [فدخل المدينة]، فلم نره بعد. انتهى.

فإن ثبت هذا الأثر، فلعلَّه لمَّا خرج مِنَ المدينة النبوية صُحْبَة العسكر الواصلِ إلى أصبهان ودخلها، أخذ منها إلى المقر الذي يُحْبَسُ به إلى أن يُؤذَنَ له في الخروج.

وقد أخرج أحمد في "مسنده" بسندٍ حسن عن أنسٍ رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال:"يخرُج الدَّجَّال مِنْ يهودية أصبهان".

وأخرج الطَّبراني مِنْ حديث عمران بن حُصين رضي الله عنه، رفعه، قال:"يخرُجُ الدَّجالُ مِنْ قِبَلِ أصبهان".

واللَّه سبحانه وتعالى أعلم بالصَّواب في أمره، ونسألُ اللَّه عز وجل أن يعيذَنَا مِنْ فتنته. إنه سميع بصير.

(1) في (أ) ومختصر السفيري: "فُقِدَ"، والمثبت مِنْ (ب) وسنن أبي داود رقم 4332.

(2)

1/ 22 - 23، وما بين حاصرتين منه.

ص: 909