الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أجره، وللمعلِّم الأول -وهو الشَّارع صلى الله عليه وسلم نظير جميعِ ذلك. فهذا معنى الزيادة في شرفه، وإن كان شرفه مستقرًا حاصلًا.
وإذا عرف هذا، عرف أن معنى قول الداعي: اجعل مثلَ ثواب تقبُّلِ هذه القراءة، ليحصل مثلُ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.
وأما قولُه: اجعل ثواب ذلك، بغير لفظ "مثل"، فله أصلٌ، وهو الحديث المرويُّ عن أُبَيِّ بن كعب، ففيه: أجْعَلُ لك صلاتي كلَّها؟ قال صلى الله عليه وسلم: "إذًا تُكفى همَّك". وقد قيل: إنَّ المراد بالصلاة هُنا الدُّعاء، وقيل: الصلاةُ حقيقةً، والمرادُ: نفسُ ثوابِها، أو: مثلُ ثوابها. واللَّه أعلم.
[حكم الغلط في النسخ]
ومنها أنه سُئِلَ عن ناسخٍ متحفظٍ مِنَ الغلط له مخالطةٌ بالفقهاء، غير أنَّه لم يقرأ العربية، فهل يحرُم عليه التلفظ بالحديث أو نسخه أم لا؟
فأجاب: لا يحرُم عليه ذلك، ولا يُشتَرَطُ على النَّاسخ أن يعرِفَ النَّحو، بل إذا كان ينقُلُ ما يجده مِنْ غيرِ زيادةٍ ولا نُقصان، جاز له ذلك، ولو قدر أنَّه غلط في بعض الأحيان، لم يُؤاخَذْ بذلك، لأن النسيان جائزٌ على كلِّ إنسان، واللَّه المستعان.
وقد صرح العلماء بمشروعية المقابلة بعد النسخ والتحريض عليها، لجواز وقُوع السَّهو، ولو كان النَّاسخ يعرف العربية، فليس بمعصومٍ مِنَ الخطأ، وإن كان العارفُ أولى مِنْ غيرِ العارف، واللَّه أعلم.
[الاعتراض علي القاضي عياض]
ومنها أنه سئل عن مَنِ اعترضَ على القاضي عياض، حيث قال في "الشفا":(وأما تواضُعه صلى الله عليه وسلم على عُلوِّ منصبه، فكان أشدَّ النَّاس تواضعًا وأقلَّهم كِبْرًا). فإنَّه صلى الله عليه وسلم منْتَفٍ عنه الكِبْرُ أصلًا ورأسًا. وصار هذا المعترِض يتتبَّعُ نُسَخَ "الشفا" فيمحو ذلك منها. أهو مصيب؟
فأجاب: الاعتراضُ باطلٌ، لأنَّ العُلماء قد تكلَّموا على الحديث الذي
رواه النسائي عن عبد اللَّه بن أبي أوفى رضي الله عنه، قال: كانَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يكثر الذِّكرَ ويقلُّ اللَّغوَ. الحديث. فقالوا: قول الراوي: يُقِلُّ اللَّغْوَ، أي: لا يلغُو أصلًا.
فال ابن الأثير في "النهاية" مادة (قلل): ومنه الحديث أنه كان يقلُّ اللَّغْوَ، أي لا يلغو أصلًا، وهذه اللفظة قد تُسْتَعْمَلُ في نفي الشَّيء، كقوله تعالى:{قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} [الحاقة: 41].
فالمعنى في كلام القاضي حينئذٍ: أنه كان قليلَ الكِبْر، أي لا يقعُ منه أصلًا، كما قيل ذلك في الحديث، وليس في ذكره ذلك بأفعلَ التَّفضيل ما يقتضي مشاركة الناس في الكبر، لأن أفعلَ التَّفضيل قد تخرجُ عَنِ المشاركة كما في قوله تعالى:{أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان: 24]، [ولا خيريَّة في مستقرِّ النار ولا حُسْنَ في مقيلها](1).
وقد وقع مثل ذلك في الحديث المتَّفق عليه مِنْ حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: استأذن عمرُ رضي الله عنه على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وعنده نِسْوَةٌ. . . الحديث. وفيه: "أنت أقطُّ وأغلط". فقال النَّووي في "شرح مسلم": قال العلماء: ليست لفظة أفعل هنا للمفاضلة، بل هي بمعنى: قط غليظ. ثم نقل عَنِ القاضي عياض، قال: قد صحَّ حملُها على المفاضلة، وأنَّ القدر الذي منها في النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم هو ما كان في إغلاظه على الكافرين والمنافقين، كما قال تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73 والتحريم: 9]، وكما كان يُغْلِظُ عليهم ويغضَبُ عند انتهاك حرمات اللَّه. انتهى.
فحينئذٍ قولُ القاضي: (وأقلَّهم كبرًا)، بمعنى انتفى الكِبْرِ عنه البَتَّةَ، كما تقدَّم، وقد يُؤوَّلُ على شدَّته على الكُفَّارِ والمنافقين كما في الذي قبله، لأنَّ تواضُعَه ورأفتَه ورحمَتَه كانت بالمؤمنين، كما في قوله تعالى {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].
(1) ما بين حاصرتين ساقط مِنْ (أ).
وقوله في "الصحيح": "إنَّه في التَّوراة ليس بفظٍّ ولا غليظ"، معناه: على المؤمنين، ونظيره قوله تعالى:{أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]، فمعنى {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 54]، أي: عاطفين عليه. {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي متكبرين عليه، يغازونهم ويعادونهم.
ولا يجوز إتلاف نسخ "الشفا"، واللَّه أعلم.
قلت: وقد استدرك القاضي عز الدين الحنبلي على هذا الجواب في موضعين:
أحدهما: عند قوله: ولا خيريَّة في مستقرِّ النار ولا حُسْنَ في مقيلها، فقال: إذا كانت الأعرافُ منزلةً لا عِقابَ فيها، فأفعلُ في قوله:{وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان: 24] على بابها.
ثانيهما: عند قوله: وقد يُؤوَّلُ على شدَّته على الكفار والمنافقين. فقال: تأويلُه الغلظة بكونها على الكفار فيه شيء، وذلك أنَّ غلظة النبي صلى الله عليه وسلم على الكفَّار كانت أشدَّ مِنْ عمرَ بلا شكٍّ ولا ريب. انتهى.
وكذا كانت تَرِدُ عليه الأسئلة مِنْ بلاد المغرب. وممَّن كان يكاتبُه في ذلك محدِّثُ تونس أبو عبد اللَّه محمد بن محمد بن محمد بن القمَّاح، كما استفدتُ ذلك مِنْ ترجمته مِنْ "الإنباء" في سنة سبع وثلاثين وثمانمائة، حيث قال صاحب الترجمة: وكاتبني مرارًا بمكاتبات تدل على شدَّةِ عنايته بذلك، يعني بالحديث، ولكن بقدر طاقته في البلاد.
وكذا ورَدَتْ عليه أسئلةٌ كثيرة مِنْ ثَغْرِ الإسكندرية نظمًا ونثرًا مِنْ شيخ القرَّاءِ الشهاب أحمدَ بن محمَّد بن عمر بن هاشم الصَّنهاجي، وذكر لي ولدُه أنَّ عنده مِنْ ذلك جملةً.
وأمَّا ما قصدته مِنْ إيرإد شرذمَةٍ مِنْ كلامه في العلوم بتنويعها، ونُبذَةٍ مِنَ اختياراته التي ترجَّحَ عنده الدَّليل فيها (1)، فلم يتيسر لي الآن كثيرُ أمر
(1) مِنْ قوله: "في النظم المسؤول عنه". ص 880 هذا الجزء إلى هنا سقط مِنْ مخطوطة (ط)، حيث ضاعت أوراقها، واللَّه المستعان.