الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فاللَّه تعالى يُبقي منشئها، حتى يُسلي الهموم بما يطرب ويُغرب، ويتحف النفوس من مبتكراته بما ليس في كتاب "المرقص (1) والمطرب"، إن شاء اللَّه تعالى.
[تقريظ بديعية ابن حجّة]
ومِنْ ذلك: ما كتب به على "شرح بديعية"(2) المولى شيخ المتأدبين في عصره، التقي بن حجة:
اللهمَّ غُفرًا. كيف لا أسال المغفرة، وقد أُلزمت بكشف عواري، وأُلجِئتُ من تقريظ هذه الدُّرَّة اليتيمة إلى رفع الحُجب عن بنات أفكاري، وأنا لا أزال أغطِّي تلهُّبي على أغراض المعاني الفائقة عني وأواري، وجهدي أن أُحْسِنَ النَّظر فيما أقف عليه من اللطائف الزواهي بالزواهر والزَّواري، وكيف يضيء مصباحُ فكبر قليل المادَّة في مدح (3) هذه النجوم الدراري؟ وكيف أقنَعُ في موضع الإسهاب لها بالألفاظ الموجزة؟ ورَويَّتي عاجزة، وليست لي بديهة معجزة، لكن جرى القلم، فكتبت وتوفرت سهامُ الحقوق، فطرحتُ رداء العصبية، ورميت الغرض فأصبت، وطالعت هذا الشرح، فتلا، لسانُ الحال:{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} ، ورفعتُ يدَ الابتهال للاقتدار على مدحه مع قبول الاعتذار، فقيل لي: قد وضعنا عنك وزرك.
فأقول: أشهد أنَّ أبا بكر مقدَّمٌ على أنظاره، ولا أعدل في هذه الشهادة من أحمد، وأجزم برفعَةِ قدره على كل من انتصب لهذا الفن، ولا أبلغ من حاكم يشهد، لقد بلغ أشُدَّه في البلاغة واستوى، وثبت (4) رشده عند غُواةِ الأدب، لكن ما ضلَّ صاحبُهم وما غوى، ولا نطق في المديح النبوي إلَّا
(1) في (أ): "المراقص"، تحريف. وهو كتاب "المرقص والمطرب في أخبار أهل المغرب" في الأدب، لأبي الحسن علي بن موسى بن سعيد الأندلسي المتوفى سنة 673 هـ. انظر كشف الظنون 2/ 1658.
(2)
في (أ): "بديعة".
(3)
في (ط): "مقابلة".
(4)
في (ح): "وبيت".
بالحق، وحاشى لهذا الصَّاحب أن ينطق عن الهوى، ولفد ظفَرَتْ حبائلُ فكرته (1) بكلِّ سانحة من ظباء البديع وبَارحة، وخطبته من "يتيمة الدهر" و"دمية القصر" كل قرينة صالحة، وأتى طرسُه بكلِّ دُرَّةٍ مونقة معجبة، وأخذ نقسه (2) -الذي هو أبهج من النَّضار- بمجامع القلوب، لشدة ما بينهما في اللَّون من الشَّبَه وأطنب في فَنَّي التورية والاستخدام، وهما قسما البدائع والكواكب الدراري فاستخدم فيما أطاعته من الاستخدامات رقائق الألفاظ فتمَّ وصفها بالجواري، وورّى فتوارى منه المُجاري، وحُقَّ له الهرب عند سماع تلك الاستخدامات الرائقة والتواري. فاق لما جارى ابن سرايا وابن جابر والموصلي. أما الحِلِّي، فالشيعي المسرف قاصر الرُّتبة عن السُّني التقي، وأما الأعمى، فأنَّى يستوي مع ذي النظر السَّوي، وأما العز، فأبو بكر أفضل من
علي.
نعم، هذا الذي نظر الأعمى إلى أدبه، واستفاض تقدمه، فحكم القاضي الفاضل بموجبه، وزاد كمالًا نقص عنده في النظم أبو تمام، وخرق العادة في النثر، فلا كرامة لصاحب "المقامات" ولا إقدام، وأمَّا قُدامة، فحقُّه أن يدرس كتاب تأخر المعرفة، ويقول لعصريِّه نفطويه: لا شكُّ أن ابن حجة مقدَّم على ابن عرفة، وظهرت من حلاوة نظمه حموضةُ "الرُّمانية"، وشهد عبد القاهر أن "الحموية" أشهى من "الجرجانية"، وأشار ابن أبي الأصبع أن يعقد البِنصِر على إمامته، واتَّفق السَّكَّاكي والخلخالي وابن الصائغ على إتقان صياغته في صناعته، ولكن الأوْلى كفُّ العنان عن الجري في الميدان عن ذكر هؤلاء الفحول، والاقتصار على الكلم الجوامع، لئلا يُمَلَّ ما يملى، فأقول: إذا دعا هذا الإمام كل قديم ومحدث إلى الشهادة له بالإجادة في فنون النظم أجابه، وإذا ذُكر أبواب الإنشاءُ، فأبو بكر عليه الرضوان مقدم على جمع الصحابة (3)، والسَّلام.
(1) في (ب، ط): "فكرتي".
(2)
في (ط): وأخف نفسه. والنقس: هو المِداد الذي يكتب به.
(3)
في (ط): جميع أصحابه.