الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكانتِ الفرسُ والرومُ مختلفينَ في الاستشارة، فقالَتْ الرُّومُ: نحنُ لا نُمَلِّكُ من يَحْتاجُ إلى أن يستشيرَ، وقالت الفرسُ: ونحنُ لا نُمَلِّكُ مَنْ يَستَغْني عَنِ المُشاورة، وقَدْ فُضِّلَ الفُرْسُ لقوله تعالى:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} .
المتفادى من أن يُستشار
ومن الناس من يكرَه أن يُشير: استشار عبدُ الله بنُ عليٍّ عبدَ اللهِ بنَ المقفَّع فيما كان بينه وبين أبي جعفر المنصور، فقال ابن المقفع: لَسْتُ أقودُ جيشاً، ولا أتقلَّد حَرْباً، ولا أشيرُ بِسَفْكِ دمٍ، وعثرةُ الحَرْبِ لا تُسْتَقال، وغيري أوْلى بالمَشورةِ في هذا المكان. . .
واجْتَمعَ رُؤساءُ بني سعدٍ إلى أكثمَ بنِ صيفي يَسْتشيرونَه فيما دَهمَهُمْ يومَ الكُلاب، فقال: إنّ وهنَ الكِبَرِ قد فَشا في بَدني، وليسَ معي من حِدَّةِ الذِّهْنِ ما أبْتدِئُ بهِ الرأيَ، ولكن اجتمعوا
وقولوا، فإنّي إذا مَرَّ بي الصوابُ عَرَفْتُه.
الأناةُ والرَّويَّةُ والعَجلة
مَدْحُ الأناة والروية وذمّ العجلة
وكانوا يمدحون الأناةَ في الرأي وإجالةَ الفكرةِ فيه وعدم التسرع.
كان عبد الله بنُ وَهْبٍ الراسيُّ يقول: إيّايَ والرأيَ الفطير! وكان يستعيذُ باللهِ من الرّأيِ الدَّبَرِيّ. الفطير: كلُّ ما أعْجِلَ عن إدْراكِه، تقول فَطَرْتُ العجينَ، وهو
أن تعجنَه ثُمّ تَخْتَبِزَه من ساعته. والدَّبْريّ: الذي يَسنَحُ بَعْدَ الفوتِ يقال: شرُّ الرأيِ الدَّبَرَيّ، وهو الذي يَسْنَحُ أخيراً عِنْدَ فوتِ الحاجة، أيْ أنَّ شَرَّه إذا أدبرَ الأمرُ وفات، ومن ذا قولُهم: عَرفَ الأمر تَدَبُّراً، أي بأَخَرَةٍ قال جرير:
ولا تَتَّقونَ الشَّرَّ حتّى يُصيبَكم
…
ولا تَعْرفونَ الأمْرَ إلا تَدبُّرا
ويقال: إنّ فُلاناً لو اسْتَقبلَ مِن أمرِه ما اسْتَدْبَرَه لَهُدي لِوِجْهةِ أمْرِه، أي لو علمَ في بدء أمره ما علمه في آخره لاسْتَرْشَدَ لأمْرِه وكان عامر بنُ الظّرِبِ حكيمُ العربِ يقول: دَعوا الرأيَ يغِبْ حتّى يختمرَ، وإيّاكم والرأيَ الفطيرَ! يريدُ الأناةَ في الرأيِ والتثبُّتَ فيه. وقال الشّعبيّ - عامر ابْنُ شراحيل -: أصابَ مُتأمِّلٌ أو كاد، وأخْطأ مُسْتَعْجِلٌ أو كاد المتأمّل: المُتثبّت تقول: تأمل فلان: إذاً تثبّت ونَظَرَ في الأمر وقال شاعر:
تأنَّ وشاوِرْ فإنَّ الأمو
…
رَ مِنْها مُضيءٌ ومُسْتَغْمِضُ
فَرَأيانِ أفضلُ مِنْ واحدٍ
…
ورأيُ الثلاثةِ لا يُنْقَضُ
وقال المتنبي:
الرأيُ قبلَ شَجاعةِ الشُّجْعانِ
…
هُوَ أوَّلٌ وهْيَ المَحَلُّ الثّاني
فإذا هُما اجْتَمَعا لِنَفْسٍ مُرّةٍ
…
بَلَغَتْ مِنَ العلياءِ كُلَّ مَكانِ
ولَرُبَّما طَعنَ الفتى أقْرانَه
…
بالرأيِ قبلَ تَطاعُنِ الأقْرانِ