الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(فَإِنْ أَخْرَجَ الْيَسَارَ، وَقَالَ ظَنَنْتهَا تُجْزِئُ) عَنْ الْيَمِينِ فَجَعَلْتهَا بَدَلًا عَنْهَا (فَلَا قِصَاصَ فِي الْيَسَارِ عَلَى الْقَاطِعِ) لَهَا (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ قَالَ ظَنَنْت أَنَّهُ أَبَاحَهَا، أَوْ أَنَّهَا الْيَمِينُ، أَوْ عَلِمْت أَنَّهَا الْيَسَارُ، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ أَمْ قَطَعْتهَا عَنْ الْيُمْنَى وَظَنَنْت أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهَا لِشُبْهَةِ بَذْلِهَا (فَإِنْ قَالَ قَطَعْتهَا عِوَضًا) عَنْ الْيَمِينِ (وَعَلِمْت) أَيْ، أَوْ عَلِمْت (أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ) عَنْهَا، أَوْ ظَنَنْته أَبَاحَهَا (وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي الْيَسَارِ) ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَبْذُلْهَا مَجَّانًا، وَهَذَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ بَعْدُ: وَحَيْثُ سَقَطَ فِي الْيَسَارِ وَجَبَتْ دِيَتُهَا.
(فَإِنْ قَالَ الْمُخْرِجُ دَهَشْت) فَظَنَنْتهَا الْيَمِينَ (أَوْ ظَنَنْته قَالَ أَخْرِجْ يَسَارَك فَكَذَلِكَ) أَيْ فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْيَسَارِ، وَهَذَا دَاخِلٌ فِيمَا ذُكِرَ أَيْضًا فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فَلَا قِصَاصَ (إنْ قَالَ الْقَاطِعُ ظَنَنْتهَا تُجْزِئُ) عَنْهَا (أَوْ أَنَّهَا الْيَمِينُ) ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاشْتِبَاهَ قَرِيبٌ (فَإِنْ قَالَ ظَنَنْته أَبَاحَهَا، أَوْ دَهَشْت) أَيْضًا (أَوْ عَلِمْت أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ) عَنْهَا (لَزِمَهُ الْقِصَاصُ فِي الْيَسَارِ) أَمَّا فِي الْأُولَى فَكَمَنْ قَتَلَ رَجُلًا، وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهُ أَذِنَ فِي قَتْلِهِ وَيُفَارِقُ عَدَمَ لُزُومِهِ فِيمَا لَوْ ظَنَّ إبَاحَتَهَا مَعَ قَصْدِ الْمُخْرِجِ جَعْلَهَا عَنْ الْيَمِينِ بِأَنَّ جَعْلَهَا عَنْ الْيَمِينِ تَسْلِيطٌ بِخِلَافِ إخْرَاجِهَا دَهْشَةً، أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ أَخْرِجْ يَسَارَك، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ الدَّهْشَةَ لَا تَلِيقُ بِحَالِ الْقَاطِعِ، وَأَمَّا فِي الثَّالِثَةِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمُخْرِجِ تَسْلِيطٌ (ثُمَّ) فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ (لَا يَسْقُطُ قِصَاصُ الْيَمِينِ إلَّا إنْ قَالَ) الْقَاطِعُ (ظَنَنْتهَا تُجْزِئُ) عَنْ الْيَمِينِ، أَوْ جَعَلْتهَا عِوَضًا عَنْهَا كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى. (وَحَيْثُ سَقَطَ) الْقِصَاصُ (فِي الْيَسَارِ) بِغَيْرِ الْإِبَاحَةِ (وَجَبَتْ دِيَتُهَا، وَإِنْ قَالَ) لَهُ الْجَانِي (خُذْ الدِّيَةَ عِوَضًا عَنْ الْيَمِينِ فَأَخَذَهَا، وَلَوْ سَاكِنًا سَقَطَ الْقِصَاصُ) وَجُعِلَ الْأَخْذُ عَفْوًا (فَإِنْ كَانَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ مَجْنُونًا فَكَمَنْ قَالَ) بَعْدَ إخْرَاجِهِ الْيَسَارَ (دَهَشْت، أَوْ) كَانَ (الْمُسْتَحِقُّ) لِلْقِصَاصِ (مَجْنُونًا، وَقَالَ) لِلْجَانِي (أَخْرِجْ يَسَارَك، أَوْ يَمِينَك فَأَخْرَجَهَا) لَهُ، وَقَطَعَهَا (أُهْدِرَتْ) ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا بِتَسْلِيطِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِيفَاؤُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ (وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا لَهُ، وَقَطَعَ يَمِينَهُ لَمْ يَصِحَّ اسْتِيفَاؤُهُ) لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لَهُ.
(وَوَجَبَ لِكُلٍّ) مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ (دِيَةٌ وَتَقَاصَّا) وَفِيهِ مَا قَدَّمْته أَوَّلَ الْفَصْلِ (وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا قِصَاصَ الْيَمِينِ فَوَقْتُهُ بَعْدَ انْدِمَالِ الْيَسَارِ) لِمَا فِي تَوَالِي الْقَطْعَيْنِ مِنْ خَطَرِ الْهَلَاكِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ لَهُ التَّوَالِيَ فِيمَا إذَا كَانَ الْجَانِي مُسْتَحِقَّ الْقَتْلِ كَالْقَتْلِ فِي الْحِرَابَةِ (وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا دِيَةَ الْيَسَارِ فِي الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهِيَ فِي مَالِهِ) لَا عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ مُتَعَمِّدًا (وَكَذَا مَنْ قَطَعَ أُنْمُلَتَيْنِ بِأُنْمُلَةٍ وَادَّعَى الْخَطَأَ) كَأَنْ قَالَ أَخْطَأْت وَتَوَهَّمْت أَنِّي أَقْطَعُ أُنْمُلَةً وَاحِدَةً تَجِبُ دِيَةٌ لِأُنْمُلَةِ الزَّائِدَةِ فِي مَالِهِ لَا عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَا يَسْرِي عَلَيْهَا، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِتَعَمُّدِهِ قُطِعَتْ مِنْهُ الْأُنْمُلَةُ الزَّائِدَةُ (وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ) فِي أَنَّهُ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِفِعْلِهِ (وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُخْرِجِ يَدَهُ فِيمَا نَوَى) فَلَوْ قَالَ قَصَدْت بِالْإِخْرَاجِ إيقَاعَهَا عَنْ الْيَمِينِ، وَقَالَ الْقَاطِعُ بَلْ قَصَدْت الْإِبَاحَةَ صُدِّقَ الْمُخْرِجُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِقَصْدِهِ.
(بَابُ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ)
(وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] وَلِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَا رُفِعَ إلَيْهِ قِصَاصٌ قَطُّ إلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ» (وَيَسْرِي) الْعَفْوُ (إنْ تَبَعَّضَ)
ــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: أَيْ سَوَاءٌ قَالَ ظَنَنْت أَنَّهُ أَبَاحَهَا) بَقِيَ قِصَاصُهَا، وَلَا قِصَاصَ فِي الْيَسَارِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ (قَوْلُهُ: وَظَنَنْت أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهَا) أَوْ قَالَ لَهُ لَمْ تَظُنَّ إجْزَاءَهَا (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ الْمُخْرِجُ دَهَشْت أَوْ ظَنَنْته قَالَ أَخْرِجْ يَسَارَك فَكَذَلِكَ) قَالَ الشَّيْخَانِ لَكِنَّ مُقْتَضَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُطَابِقَ لِلسُّؤَالِ كَالْإِذْنِ لَفْظًا أَنْ يَلْحَقَ ذَلِكَ بِصُوَرِ الْإِبَاحَةِ. اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُخْرِجَ لَمْ يَقْصِدْ الْإِبَاحَةَ هُنَا بِخِلَافِهِ ثَمَّ وَالْفِعْلُ الْمُطَابِقُ، وَإِنْ اقْتَضَى الْإِذْنَ لَكِنْ لَا يَقْتَضِيهِ عَلَى جِهَةِ الْإِبَاحَةِ بِخُصُوصِهَا بَلْ الْقَرِينَةُ تَصْرِفُهُ إلَى جِهَةِ الْقِصَاصِ، وَإِنَّمَا صَرَفْنَاهُ إلَى الْإِبَاحَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِقَصْدِ الْمُخْرِجِ الْإِبَاحَةَ كَمَا سَبَقَ (قَوْلُهُ: إنْ قَالَ الْقَاطِعُ ظَنَنْتهَا تُجْزِئُ عَنْهَا) أَوْ أَخَذْتهَا عِوَضًا عَنْهَا، وَهُوَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَفِي جَمِيعِ الصُّوَرِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَالَ ظَنَنْته أَبَاحَهَا قَالَا فَقِيَاسُ مَا مَرَّ انْتِفَاءُ قِصَاصِ الْيَسَارِ) ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ: يَجِبُ كَمَنْ قَتَلَ رَجُلًا، وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهُ أَذِنَ لِي، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِاحْتِمَالِ الْإِمَامِ، وَهُوَ الْمُتَّجَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. اهـ. قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكِنَانِيُّ كَيْفَ يُوَافِقُهُ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا بَدَلٌ، وَلَا رَضِيَ بِقَطْعِ الْيَسَارِ وَثَمَّ بَدَلٌ، وَوَافَقَ الْبَدَلُ ظَنَّ الْإِبَاحَةِ فَالْمَعْنَى هُنَا مُفَارِقٌ غَيْرُ مُوَافِقٍ، وَهَذَا التَّوْجِيهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ بَلْ هُوَ مُتَوَجِّهٌ هُنَا وَغَيْرُ مُتَوَجِّهٍ ثَمَّ لِلْفَرْقِ الْمَذْكُورِ. (قَوْلُهُ: وَجَبَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ دِيَةٌ) قَالَ فِي الْأَصْلِ فَدِيَةُ الْيَسَارِ عَلَى عَاقِلَتِهِ قَالَ جَلَالُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ: وَهُوَ وَهْمٌ سَبَقَ إلَيْهِ الْقَلَمُ، وَإِنَّمَا الصَّوَابُ فِدْيَةُ الْيَمِينِ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُقْتَصَّ الْمَجْنُونَ قُطِعَ بِيَمِينِ الْعَاقِلِ مُكْرَهًا (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ لَهُ التَّوَالِيَ إلَخْ) ، وَهُوَ وَاضِحٌ أَيْ إنْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ لِلَقْطِهِ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لِلنَّفْسِ أَوْ غَيْرَهُ وَعَفَا عَنْ النَّفْسِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ التَّوَالِي لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ التَّشَفِّي عَلَى مُسْتَحِقِّ النَّفْسِ بِتَقْدِيرِ السِّرَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا دِيَةَ الْيَسَارِ فِي الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهِيَ فِي مَالِهِ لَا عَلَى عَاقِلَتِهِ) وَعَنْ نَصِّ الْأُمِّ أَنَّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ وَذَكَرَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِيهِ تَفْصِيلًا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ هَلْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ أَوْ عَلَى الْعَاقِلَةِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي صُورَةِ الْجَهْلِ بِأَنَّهَا الْيَسَارُ فَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَإِنْ كَانَ فِي صُورَةِ الْجَهْلِ بِأَنَّهَا تُجْزِئُ فَيُتَّجَهُ أَنْ يَتَخَرَّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي قَتْلِهِ قَاتِلُ أَبِيهِ بَعْدَ عَفْوِ أَخِيهِ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ الْقَتْلِ.
[بَابُ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ]
(بَابُ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ) يُشْتَرَطُ فِي الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ مَعْرِفَةُ الْعَافِي عَيْنَ الْمَقْطُوعِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ تَقِلُّ، وَقَدْ تَكْثُرُ، وَقَدْ تَكُونُ عَلَى أَطْرَافٍ وَمَعَانٍ، وَفِيهَا مِثْلُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ فِيهِ الْغَرَرُ (قَوْلُهُ: وَيَسْرِي إنْ تَبَعَّضَ) كَقَوْلِهِ عَفَوْت عَنْ بَعْضِ دَمِك أَوْ رَأْسِك أَوْ يَدِك أَوْ عَفَوْت عَنْ نِصْفِ الْجِرَاحَةِ
فَلَوْ عَفَا بَعْضُ الْمُسْتَحِقِّينَ سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَرِهَ الْبَاقُونَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ، أَوْ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ السُّقُوطِ لِحَقْنِ الدِّمَاءِ، وَلَوْ عَفَا عَنْ عُضْوٍ مِنْ الْجَانِي سَقَطَ الْقِصَاصُ كُلُّهُ كَمَا أَنَّ تَطْلِيقَ بَعْضِ الْمَرْأَةِ تَطْلِيقٌ لِكُلِّهَا (فَإِنْ وَقَتَّ) الْعَفْوَ (تَأَبَّدَ) كَالطَّلَاقِ (وَفِيهِ طَرَفَانِ أَحَدُهُمَا فِي حُكْمِ الْعَفْوِ) ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ مَاذَا، وَقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (وَمُوجَبُ الْعَمْدِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ (الْقِصَاصُ فَقَطْ وَلِذَا يَتَبَدَّلُ) عَنْهُ (لَا أَحَدُهُمَا) مُبْهَمًا، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] ، وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي خَبَرِ الرُّبَيِّعِ «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» ، وَقَوْلِهِ «مَنْ قَتَلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ؛ وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ مُتْلِفٌ فَتَعَيَّنَ جِنْسُهُ كَالْمُتْلَفَاتِ الْمِثْلِيَّةِ، وَمَا ذَكَرْته تَبَعًا لِلْأَصْلِ مِنْ أَنَّ الدِّيَةَ بَدَلٌ عَنْ الْقِصَاصِ لَا يُنَافِي قَوْلَ الْمَاوَرْدِيِّ إنَّمَا هِيَ بَدَلٌ عَنْ نَفْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ قَتَلَتْ رَجُلًا لَزِمَهَا دِيَةُ رَجُلٍ، وَلَوْ كَانَتْ بَدَلًا عَنْ الْقِصَاصِ لَزِمَهَا دِيَةُ الْمَرْأَةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَعَ أَنَّهَا عَنْ الْقِصَاصِ بَدَلٌ عَنْ نَفْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ بَدَلٌ عَنْ نَفْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَبَدَلُ الْبَدَلِ بَدَلٌ (وَإِنْ عَفَا) عَنْهُ (عَلَى غَيْرِ مَالٍ) بِأَنْ قَالَ عَفَوْت عَنْهُ، أَوْ عَفَوْت عَنْهُ بِلَا مَالٍ (سَقَطَتْ الدِّيَةُ) يَعْنِي لَمْ تَجِبْ إذْ الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا كَمَا مَرَّ، وَالْعَفْوُ إسْقَاطٌ ثَابِتٌ لَا إثْبَاتُ مَعْدُومٍ.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْعَافِي (حَائِزًا) لِلْمِيرَاثِ (فَلِلْبَاقِينَ حِصَّتُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ) عَلَى الْجَانِي (وَإِنْ عَفَا) عَنْهُ (مُطْلَقًا) بِأَنْ قَالَ عَفَوْت عَنْهُ (وَاخْتَارَهَا) أَيْ الدِّيَةَ (عَقِيبَ الْعَفْوِ وَجَبَتْ، وَإِنْ كَرِهَ الْجَانِي) الْعَفْوَ تَنْزِيلًا لِاخْتِيَارِهَا حِينَئِذٍ مَنْزِلَةَ الْعَفْوِ عَلَيْهَا بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَاخَى اخْتِيَارُهُ لَهَا عَنْ الْعَفْوِ فَلَا تَجِبُ وَالتَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ كَرِهَ الْجَانِي مِنْ زِيَادَتِهِ، وَكَذَا بِقَوْلِهِ (وَإِنْ عَفَا) عَنْهُ (عَلَى بَعْضِهَا جَازَ) كَالْعَفْوِ عَلَى كُلِّهَا وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي (وَلَوْ صَالَحَ هُوَ، أَوْ غَيْرُهُ عَلَى غَيْرِهَا) أَيْ الدِّيَةِ أَيْ غَيْرِ جِنْسِهَا (أَوْ عَلَى دِيَتَيْنِ) ، أَوْ أَكْثَرَ (جَازَ إنْ قَبِلَ الْجَانِي) ، وَإِلَّا فَلَا كَالْخُلْعِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ فَلَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ لَمْ يَحْصُلْ، وَلَيْسَ كَالصُّلْحِ بِعِوَضٍ فَاسِدٍ حَيْثُ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ ثَمَّ قَدْ رَضِيَ وَالْتَزَمَ فَرَجَعْنَا إلَى بَدَلِ الدَّمِ، وَقَوْلُهُ، أَوْ غَيْرِهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ صَالَحَ الْجَانِيَ، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ صَالَحَ الْمُسْتَحِقَّ فَيَحْتَاجُ إلَى تَقْيِيدِ جَوَازِهِ بِقَبُولِ الْمُسْتَحِقِّ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ إنْ قَبِلَ الْجَانِي قَيْدٌ فِي الْأُولَى خَاصَّةً. (وَلِلْمُفْلِسِ وَالْمَرِيضِ وَوَارِثِ الْمَدْيُونِ، وَكَذَا السَّفِيهُ الْقِصَاصُ، وَ) لَهُمْ (الْعَفْوُ عَنْهُ بِلَا مَالٍ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ الْقِصَاصُ عَيْنًا، وَلَيْسَ فِي الْعَفْوِ عَنْهُ تَضْيِيعُ مَالٍ (لَا) الْعَفْوُ (عَنْ مَالٍ ثَبَتَ) ؛ لِأَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ التَّبَرُّعِ بِهِ.
(الطَّرَفُ الثَّانِي فِي صَحِيحِ الْعَفْوِ وَفَاسِدِهِ) وَأَلْفَاظِهِ (إذَا قَطَعَهُ بِإِذْنِهِ، وَهُوَ رَشِيدٌ فَمَاتَ) سِرَايَةً (فَلَا ضَمَانَ) لِلْإِذْنِ وَتَبِعَ فِي تَعْبِيرِهِ بِالرَّشِيدِ الْمِنْهَاجَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ: وَقَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِهِ إخْرَاجُ السَّفِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ لَا فِي نَفْسِهِ وَلِهَذَا لَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الْقِصَاصِ قَطْعًا، وَلَمْ يُعَبِّرْ الْأَصْلُ وَالْمُحَرَّرُ بِالرَّشِيدِ بَلْ بِمَالِكِ أَمْرِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْحُرُّ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ (وَتَجِبُ) عَلَيْهِ (الْكَفَّارَةُ) ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِبَاحَةُ لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا (وَلَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ) مَثَلًا (فَعَفَا) عَنْ مُوجِبِ قَطْعِهَا فَإِنْ لَمْ يَسْرِ الْقَطْعُ فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ أَسْقَطَ حَقَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَإِنْ سَرَى إلَى النَّفْسِ (لَمْ يَبْرَأْ مِنْ السِّرَايَةِ، وَلَوْ قَالَ) مَعَ عَفْوِهِ عَنْ ذَلِكَ (وَ) عَفَوْت (عَمَّا يَحْدُثُ) مِنْ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ عَفْوٌ عَنْ الشَّيْءِ قَبْلَ ثُبُوتِهِ (لَكِنْ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ) ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ تَوَلَّدَتْ مِنْ مَعْفُوٍّ عَنْهُ فَانْتَهَضَتْ شُبْهَةٌ لِدَرْءِ الْقِصَاصِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ النَّفْسِ إلَّا بِاسْتِيفَاءِ الطَّرَفِ، وَقَدْ عَفَا عَنْهُ فَمَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ السِّرَايَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَقَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ (إنْ مَاتَ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ (فَإِنْ، أَوْصَى لَهُ) بَعْدَ عَفْوِهِ عَنْ الْقِصَاصِ (بِدِيَةِ الْيَدِ فَوَصِيَّةٌ لِلْقَاتِلِ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ فَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (فِيمَا يَحْدُثُ) مِنْ الْقَطْعِ (أَيْضًا) كَأَنْ قَالَ: أَوْصَيْت لَهُ بِأَرْشِ الْقَطْعِ، وَأَرْشِ مَا يَحْدُثُ مِنْهُ فَتَسْقُطُ دِيَةُ كُلٍّ مِنْ الْقَطْعِ وَالسِّرَايَةِ (إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ) ، وَإِلَّا سَقَطَ مِنْهَا قَدْرُ الثُّلُثِ.
(وَإِنْ عَفَا عَنْ عَبْدٍ لَزِمَهُ) أَيْ تَعَلَّقَ بِهِ (قِصَاصٌ) لَهُ ثُمَّ مَاتَ سِرَايَةً (صَحَّ) الْعَفْوُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عَلَيْهِ (أَوْ) تَعَلَّقَ بِهِ (مَالٌ) لَهُ بِجِنَايَةٍ (وَأَطْلَقَ الْعَفْوَ، أَوْ أَضَافَهُ إلَى السَّيِّدِ فَكَذَلِكَ) أَيْ يَصِحُّ الْعَفْوُ؛ لِأَنَّهُ عَفْوٌ عَنْ حَقٍّ لَزِمَ السَّيِّدَ فِي عَيْنِ مَالِهِ (أَوْ إلَى الْعَبْدِ لَغَا) الْعَفْوُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ عَلَيْهِ (فَإِنْ عَفَا) الْمَقْطُوعُ ثُمَّ مَاتَ سِرَايَةً (أَوْ عَفَا الْوَارِثُ فِي جِنَايَةِ الْخَطَأِ
ــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: فَإِنْ وَقَّتَ الْعَفْوَ تَأَبَّدَ) كَأَنْ قَالَ عَفَوْت عَنْك إلَى شَهْرٍ أَوْ شَهْرًا (قَوْلُهُ: وَالدِّيَةُ بَدَلٌ عَنْهُ) يُسْتَثْنَى مِنْهُ كُلُّ مَوْضِعٍ وَجَبَ فِيهِ الْقَوَدُ، وَلَا دِيَةَ فِيهِ كَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ مِثْلَهُ، وَقَطْعِ يَدَيْ الْجَانِي، وَالْوَاجِبُ الدِّيَةُ ابْتِدَاءً فِي قَتْلِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ أَوْ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ وَنَحْوِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: إنَّمَا هِيَ بَدَلٌ عَنْ نَفْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) هُوَ الْوَجْهُ (قَوْلُهُ: بِأَنْ قَالَ عَفَوْت عَنْهُ) الْمُنَاسِبُ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَذْفُ هَذَا الْمِثَالِ (قَوْلُهُ: صَالَحَ هُوَ) أَيْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ أَيْ وَارِثُهُ عَلَى غَيْرِهَا أَيْ دِيَةِ مَا دُونَ النَّفْسِ فِي الْأُولَى وَدِيَتِهَا فِي الثَّانِيَةِ.
(قَوْلُهُ: جَازَ إنْ قَبِلَ الْجَانِي) قَالَ الْمُتَوَلِّي وَعَلَى الْجَانِي الْتِزَامُهُ؛ لِأَنَّ إبْقَاءَ الرُّوحِ بِالْمَالِ وَاجِبٌ أَوْ عَلَى دِيَتَيْنِ فَأَكْثَرَ جَازَ إنْ قَبِلَ الْجَانِي قَالَ الْمُتَوَلِّي: يَلْزَمُ الْجَانِيَ الْتِزَامُ الْمَالِ كَالْمُضْطَرِّ إذَا لَمْ يَبِعْ مِنْهُ الطَّعَامَ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ عِوَضِ مِثْلِهِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ) بَلْ هُوَ مُسْتَقِيمٌ إذْ مَعْنَاهُ، وَلَوْ صَالَحَ هُوَ أَيْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ إذْ لَمْ تَكُنْ الْجِنَايَةُ نَفْسًا أَوْ غَيْرُهُ أَيْ وَارِثُهُ فَقَوْلُهُ: إنْ قَبِلَ الْجَانِي قَيْدٌ فِي الثَّانِيَةِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَتَبِعَ فِي تَعْبِيرِهِ بِالرُّشْدِ الْمِنْهَاجِ) عَبَّرَ بِالرَّشِيدِ لِيَعُودَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ قَطْعٌ؛ لِأَنَّهُ قَيْدٌ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ: مِنْ زِيَادَتِهِ إنْ مَاتَ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِشُمُولِ السِّرَايَةِ لِلسِّرَايَةِ إلَى النَّفْسِ، وَإِلَى غَيْرِهَا (قَوْلُهُ: أَوْ عَفَا الْوَارِثُ فِي جِنَايَةِ الْخَطَأِ) أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ
عَنْ الدِّيَةِ، أَوْ عَنْ الْعَاقِلَةِ) ، أَوْ مُطْلَقًا (صَحَّ) الْعَفْوُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ، وَذِكْرُ عَفْوِ الْوَارِثِ عَنْ الدِّيَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ (أَوْ عَنْ الْجَانِي فَلَا) يَصِحُّ الْعَفْوُ (لَا إنْ لَزِمَتْهُ دُونَهُمْ بِأَنْ) الْأَوْلَى كَأَنْ (كَانَ ذِمِّيًّا وَعَاقِلَتُهُ مُسْلِمِينَ) ، أَوْ حَرْبِيِّينَ فَيَصِحُّ الْعَفْوُ لِمُصَادَفَتِهِ الْجَانِيَ وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ بِخِلَافٍ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ تَنْتَقِلُ عَنْهُ فَيُصَادِفُهُ الْعَفْوُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ هَذَا إذَا ثَبَتَتْ الْجِنَايَةُ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِاعْتِرَافِ الْعَاقِلَةِ (فَإِنْ أَنْكَرَتْ الْعَاقِلَةُ الْجِنَايَةَ، وَلَا بَيِّنَةَ فَهِيَ) أَيْ الدِّيَةُ (عَلَى الْقَاتِلِ) ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا ثَبَتَتْ بِاعْتِرَافِهِ، وَيَكُونُ الْعَفْوُ تَبَرُّعًا عَلَيْهِ.
(وَإِنْ جَرَحَهُ جُرْحًا لَا قِصَاصَ فِيهِ) كَالْجَائِفَةُ، وَكَسْرِ الذِّرَاعِ (فَعَفَا عَنْ الْقِصَاصِ لَغَا) الْعَفْوُ لِعَدَمِ الْقِصَاصِ (فَإِنْ مَاتَ) الْمَجْرُوحُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْجُرْحِ (اُقْتُصَّ) مِنْ الْجَارِحِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَمْ تَتَوَلَّدْ مِنْ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ فَإِنْ عَفَا الْوَلِيُّ أَخَذَ الدِّيَةَ (وَكَذَا) يُقْتَصُّ مِنْهُ (إنْ أَخَذَ) الْمَجْرُوحُ (أَرْشَهُ) قَبْلَ مَوْتِهِ لِذَلِكَ (وَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ) مَثَلًا (فَعَفَا) عَنْهُ (بِمَالٍ) ثُمَّ عَادَ الْقَاطِعُ (فَحَزَّهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ) فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الزُّهُوقَ لَمْ يَتَوَلَّدْ مِنْ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ (ثُمَّ لَوْ عَفَا الْوَلِيُّ) عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى بَاقِي الدِّيَةِ (اسْتَحَقَّ بَاقِي الدِّيَةِ لَا الْكُلَّ) وَالْأَطْرَافُ تَدْخُلُ فِي الدِّيَةِ، وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْقِصَاصِ (أَوْ) حَزَّهُ (بَعْدَ الِانْدِمَالِ) لَزِمَهُ (الْقِصَاصُ) فِي النَّفْسِ (وَدِيَةُ يَدٍ) فَإِنْ عَفَا الْوَلِيُّ عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى دِيَةِ النَّفْسِ اسْتَحَقَّهَا وَدِيَةَ الْيَدِ.
(وَلِوَارِثِ الْقِصَاصِ الْعَفْوُ) عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ مُوَرِّثِهِ (فَلَوْ اسْتَحَقَّ) وَاحِدٌ (طَرَفَ إنْسَانٍ، وَنَفْسَهُ) أَيْ قِصَاصَهَا بِأَنْ قَطَعَ طَرَفَهُ ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ، وَلَوْ قَبْلَ الْبُرْءِ (فَعَفَا) وَلِيُّهُ (عَنْ الطَّرَفِ طَالَبَ بِالنَّفْسِ، أَوْ عَنْ النَّفْسِ طَالَبَ بِالطَّرَفِ) ؛ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ ثَبَتَا لَهُ فَالْعَفْوُ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا يُسْقِطُ الْآخَرَ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (لَا إنْ ذَهَبَتْ) أَيْ النَّفْسُ (بِسِرَايَتِهِ) أَيْ قَطْعِ الطَّرَفِ فَلَا يُطَالِبُ الْعَافِي عَنْهَا بِالطَّرَفِ؛ لِأَنَّ مُسْتَحَقَّهُ الْقَتْلُ وَالْقَطْعُ طَرِيقُهُ، وَقَدْ عَفَا عَنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَيْسَ لَهُ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَفَا عَنْ الطَّرَفِ لَا يَسْقُطُ قِصَاصُ النَّفْسِ كَمَا شَمِلَهُ أَوَّلُ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْعُدُولِ إلَى حَزِّ الرَّقَبَةِ فَرُبَّمَا قَصَدَهُ بِالْعَفْوِ؛ وَلِأَنَّ لَهُ الْقَطْعَ ثُمَّ الْحَزَّ فَفِي الْعَفْوِ عَنْ الْقَطْعِ تَسْهِيلُ الْأَمْرِ عَلَيْهِ (وَإِنْ اسْتَحَقَّهُمَا اثْنَانِ لَمْ يُسْقِطْ عَفْوُ أَحَدِهِمَا حَقَّ الْآخَرِ كَأَنْ قُطِعَتْ يَدُ عَبْدٍ فَأُعْتِقَ ثُمَّ مَاتَ بِسِرَايَةٍ فَقِصَاصُ النَّفْسِ لِلْوَرَثَةِ) ، وَقِصَاصُ الْيَدِ لِلسَّيِّدِ (وَإِنْ اسْتَحَقَّ قَتْلَهُ) شَخْصٌ (فَقَطَعَهُ) بِأَنْ قَطَعَ طَرَفَهُ (عُدْوَانًا، أَوْ بِحَقٍّ بِأَنْ كَانَ الْقَتْلُ بِالْقَطْعِ) السَّارِي مَثَلًا (وَعَفَا) بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ النَّفْسِ (لَمْ يَلْزَمْهُ غُرْمٌ) لِقَطْعِ الطَّرَفِ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ طَرَفَ مَنْ يُبَاحُ لَهُ دَمُهُ فَلَا يَضْمَنُهُ كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ مُرْتَدٍّ، وَالْعَفْوُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيمَا بَقِيَ لَا فِيمَا اسْتَوْفَى هَذَا إذَا لَمْ يَمُتْ بِالسِّرَايَةِ (فَإِنْ مَاتَ) بِهَا (بَانَ بُطْلَانُ الْعَفْوِ) ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وُجِدَ قَبْلَهُ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ الْعَفْوُ، وَفَائِدَةُ بُطْلَانِهِ تَظْهَرُ فِيمَا لَوْ عَفَا بِمَالٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ.
(فَإِنْ رَمَى) الْمُسْتَحِقُّ إلَى الْجَانِي (فَعَفَا عَنْهُ فَأَصَابَ صَحَّ الْعَفْوُ، وَوَجَبَ عَلَى الْعَافِي الدِّيَةُ) ؛ لِأَنَّهُ مَحْقُونُ الدَّمِ عِنْدَ الْإِصَابَةِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَرَتُّبِ صِحَّةِ الْعَفْوِ عَلَى الْإِصَابَةِ عَكْسُ مَا فِي الْأَصْلِ مِنْ تَرَتُّبِهَا عَلَى عَدَمِهَا لَكِنَّهُ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْإِسْنَوِيَّ حَيْثُ قَالَ تَصْحِيحُ إيجَابِ الدِّيَةِ بَعْدَ الْجَزْمِ بِبُطْلَانِ الْعَفْوِ غَلَطٌ وَاضِحٌ فَإِنَّهُ إذَا بَطَلَ الْعَفْوُ اسْتَحَقَّ الْعَافِي الدَّمَ فَلَا يَضْمَنُ دِيَةَ الْجَانِي نَعَمْ حَكَى الْغَزَالِيُّ فِي بَسِيطِهِ وَجْهًا أَنَّ عَفْوَهُ صَحِيحٌ مَعَ الْإِصَابَةِ وَيَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالَةِ الْإِصَابَةِ وَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ بِنَاءُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ يُشِيرُ إلَيْهِ، وَكَلَامُ الْقَاضِي صَرِيحٌ فِيهِ. انْتَهَى. وَيُجَابُ عَنْ الْإِشْكَالِ بِأَنَّ بُطْلَانَ الْعَفْوِ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى الْبَدَلِ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ الْعَافِي.
(فَإِنْ قَطَعَ ذِمِّيٌّ مُسْلِمًا) فَاقْتَصَّ مِنْهُ (أَوْ ذِمِّيًّا فَأَسْلَمَ بَعْدَمَا اقْتَصَّ) مِنْ قَاطِعِهِ (ثُمَّ مَاتَ) الْمَقْطُوعُ (بِالسِّرَايَةِ وَجَبَ الْقِصَاصُ) فِي النَّفْسِ (وَلَوْ عَفَا) عَنْهُ (عَلَى مَالٍ فَعَلَى الذِّمِّيِّ) الْقَاطِعِ (خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الدِّيَةِ) أَيْ دِيَةِ مُسْلِمٍ وَيَسْقُطُ سُدُسُهَا بِالْيَدِ الَّتِي اُسْتُوْفِيَتْ؛ لِأَنَّهَا نِصْفُ جُمْلَةِ الذِّمِّيِّ الَّتِي هِيَ ثُلُثُ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِ بِالنَّظَرِ إلَى الدِّيَةِ (وَعَلَى الْمَرْأَةِ) فِيمَا لَوْ قَطَعَتْ يَدَ رَجُلٍ فَاقْتَصَّ مِنْهَا ثُمَّ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ فَعَفَا الْوَلِيُّ عَلَى مَالٍ (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا) أَيْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَا يُقَابِلُ رُبُعَهَا (فَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ فِي) قَطْعِ (الْيَدَيْنِ) لِكَوْنِ الذِّمِّيِّ، أَوْ الْمَرْأَةِ قَطَعَ يَدَيْ مَنْ ذُكِرَ (لَزِمَهُ) أَيْ الذِّمِّيُّ (ثُلُثَا دِيَةٍ) أَيْ دِيَةِ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ اسْتَوْفَى مَا يُقَابِلُ ثُلُثَهَا (وَلَزِمَهَا) أَيْ الْمَرْأَةَ (نِصْفُهَا) أَيْ نِصْفُ دِيَةِ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ اسْتَوْفَى مَا يُقَابِلُ
ــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ:، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَكَمَا لَوْ تَعَدَّدَ الْمُسْتَحَقُّ.
(قَوْلُهُ: وَلَزِمَهَا نِصْفُهَا) وَالْقِيَاسُ جَرَيَانُهُ فِي عَكْسِهَا كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ النَّقِيبِ، وَقَالَ إنَّهُ لَمْ يَرَهُ مَسْطُورًا، وَهُوَ الرَّاجِحُ فَلَوْ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ امْرَأَةٍ فَاقْتَصَّتْ مِنْهُ ثُمَّ مَاتَتْ بِالسِّرَايَةِ وَعَفَا وَلِيُّهَا عَلَى مَالٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.