الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
له ذلك في مرة أخرى، وهي حديثه عند مسلم: «منعت العراق
…
» .
الثالث: إن هذا الوقف له حكم الرفع، إذ هو ليس مما يقال بالرأي.
الرابع: ثبت نحوه، ووقع التصريح برفعه، وهذا البيان:
أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (15/62) بسندٍ جيد عن أبي حكيم مولى محمد بن أسامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
«كيف أنتم إذا لم يُجْب لكم دينار ولا درهم؟» .
قالوا: ومتى يكون ذلك؟
قال: «إذا نقضتم العهد شدد الله قلوب العدوّ عليكم، فامتنعوا منكم» .
فصل
في سياق الألفاظ وما يشهد لها من الآثار
تبين لنا من خلال ما مضى، أن لحديثنا هذا ألفاظ متعددة سبق تخريجها بالتفصيل؛ هي:
أولاً: حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مُدْيها ودينارها، ومنعت مصر إردبّها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم» .
ثانياً: قول أبي هريرة: كيف أنتم إذا لم تجتبوا ديناراً ولا درهماً؟ فقيل له: وكيف ترى ذلك كائناً يا أبا هريرة؟ قال: إي؛ والذي نفس أبي هريرة بيده! عن قول الصادق المصدوق. قالوا: عمّ ذاك؟ قال: تُنتهك ذمّة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيشدّ الله عز وجل قلوب أهل الذمّة، فيمنعون ما في أيديهم.
والأول لفظ مسلم مرفوعاً، والثاني لفظ البخاري، والقسم الأول منه موقوف له حكم الرفع، والآخر مرفوع.
ثالثاً: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
وهذا لفظ ابن لهيعة عن عياش.
رابعاً: عن أبي هريرة، قال:«كيف أنتم إذا لم يُجْبَ لكم دينارٌ ولا درهم ولا قفيز» .
هذا لفظ ابن أبي شيبة (8/639 رقم 297 - ط. دار الفكر) .
خامساً: عن أبي نضرة، قال: كنا عند جابر بن عبد الله، فقال:
«يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذاك. ثم قال:
يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مُدْي. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم. ثم أسكت هنيّة، ثم قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً، لا يعدّه عدّاً» .
هذا لفظ مسلم، وأخرجه غيره كما تقدم.
هذه الألفاظ التي أوردها الشراح والمخرجون. وقبل بيان ما يستنبط منها؛ أضيف إليها ما وقع لي من موقوفات لها صلة بهذا الباب؛ فأقول -والله المستعان-:
سادساً: أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (8/628 رقم 231 -
…
ط. دار الفكر) ، قال:
حدثنا حسين بن علي عن زائدة، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن أرقم بن
يعقوب، قال: سمعتُ عبد الله يقول: كيف أنتم إذا خرجتم من أرضكم هذا (أي: العراق) إلى جزيرة العرب، ومنابت الشيح (1) ؟ قلت: من يخرجنا من أرضنا؟ قال: عدو الله.
وإسناده ضعيف، أبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله بن عبيد السَّبيعي «روى عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره» (2) ، «وفي روايةِ زائدةَ (3) بن قدامة عنه كلام» (4) ، «وروايته عنه في «سنن أبي داود فقط» (5) .
نعم؛ تابعه زكريا بن أبي زائدة، أخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (2/684 رقم 1932)، قال:
حدثنا عبدة بن سليمان، عن زكريا، به.
ورواية زكريا عن أبي إسحاق في «الصحيحين» ، كما في «الكواكب النيرات» (ص 351) ، فزالت هذه العلة، وبقيت علة أخرى؛ هي:
الأرقم بن يعقوب يُعد في الكوفيين (6) ، وذكره مسلم في كتابه «المنفردات والوحدان» (ص 139/رقم 380) ضمن (من تفرد بالرواية عنه أبو إسحاق السبيعي ممن لم يرو عنه أحد سواه) .
(1) الشيح: نبات له أنواع، كلها طيب الرائحة، منه نوع ينبت في بلاد العرب، ترعاه الماشية، انظر:«المعجم الوسيط» (1/502) و «إحياء التذكرة» (404-405) ، وأطال الكلام على أنواعه.
(2)
«الكواكب النيرات» (ص 347) .
(3)
هو ابن قدامة أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت صاحب سنة، ترجمته في «التهذيب» (3/306) ، و «الكاشف» (1/317) .
(4)
«الكواكب النيرات» (ص 350) .
(5)
«الكواكب النيرات» (350) و «التقييد» للعراقي (ص 446) .
(6)
«التاريخ الكبير» (2/46-47 رقم 1638) للبخاري.
ولم ينفرد به، بل توبع عليه: تابعه ابن سيرين -وستأتي روايته قريباً (1) -، إلا أنه منقطع، فابن سيرين لم يسمع ابن مسعود، ولكن هذا يدلل على أن للأثر أصلاً، ولا سيما مع ضميمة ما ورد في الباب ما مضى، وسيأتي ما يشهد له في المعنى.
ثم ظفرتُ بإسنادٍ حسنٍ لِذاته، يشهد لهذا الأثر:
أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (15/175 - ط. الهندية) عن جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن شداد بن معقل، قال: قال عبد الله بن مسعود: «يوشك أن لا تأخذوا من الكوفة نقداً ولا درهماً، قلت: وكيف يا عبد الله بن مسعود!! قال: «يجيء قوم كأن وجوههم المجان المطرقة، حتى يربطوا خيولهم على السواد، فيجلوكم إلى منابت الشيح، حتى يكون البعير والزاد أحب إلى أحدكم من قصورهم هذه» .
قلت: فيه شداد بن معقل وهو صدوق، كما في «التقريب» (ص 264/ رقم 2758) ، وبقية رواته ثقات، وعليه؛ فإنه حسن لذاته.
ويشهد لسائر ما في هذا اللفظ طريق (الربيع بن ناجذ) الآتي تحت (عاشراً) ، وهو به صحيح لغيره.
ويحتمل أن يكون المذكوران أثرين منفصلين، وأن المذكور في رواية (الأرقم) هو (الدجال)، ويوضحه:
ما أخرجه البيهقي في «البعث والنشور» (ص 28/رقم 31 - الاستدراكات) بسندٍ قوي -قاله الحافظ ابن حجر في «الفتح» (11/311) - من طريق أبي الزعراء -واسمه: عبد الله بن هانئ، وثقه العجلي وابن حبان-، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود، فذكر الدجال، فقال: يفترق الناس عند
(1) في أول (الفصل) الآتي.
خروجه ثلاث فرق: فرقة تتبعه، وفرقة تلحقُ بأهلها منابتَ الشيح، وفرقة تأخذ شط هذا الفرات يقاتلهم ويقاتلونه، حتى يقتلون بغربي الشام، فيبعثون طليعة فيهم فرس أشقر وأبلق، فلا يرجع منهم أحد
…
» وساق خبراً طويلاً.
وأخرجه ابن أبي شيبة (7/511-512) ، والحاكم في «المستدرك» (2/507-508 و4/496، 598) ، والطبراني في «الكبير» (9/413، 413-414 رقم 9760، 9761) ، وعزاه في «الدر المنثور» (8/259) -أيضاً- إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم -وهو في «تفسيره» (10/3366-3368 رقم 18957 - القسم غير المسند) -، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وتعقبه الذهبي في «التلخيص» بقوله:«ما احتجا بأبي الزعراء» (1) .
سابعاً: أخرج ابن أبي شيبة -أيضاً- (8/628 رقم 232)، قال:
حدثنا وكيع، عن محمد بن قيس، عن الشعبي، قال: قال حذيفة:
«كأني بهم مُشرِّفي (2) آذانَ فِيَلِهم رابطيها بحافّتي الفرات» .
وهذا إسناد رجاله ثقات، محمد بن قيس هو الأَسْدِي، ثقة، والشعبي مات سنة ست أو سبع مئة، وهو ابن سبع وسبعين (3) ، ومات حذيفة سنة ست وثلاثين (4) ، وكان للشعبي آنذاك نحو سبع سنوات! وهذا يُؤْذِنُ بالانقطاع، ولم يذكر أحدٌ ممن ألف في (المراسيل)(5) أنه أرسل عنه، ولم تقع للشعبي رواية عن حذيفة في الكتب الستة، ولا في «المسند» ، ولا في «إتحاف
(1) انظر: «مجمع الزوائد» (10/330) .
(2)
في «القاموس» : «أُذُن شرفاء: طويلة» ، و «شَرِفَ الأذنان: ارتفعا» .
(3)
«تهذيب الكمال» (14/40) .
(4)
«تهذيب الكمال» (5/510) .
(5)
كالعلائي في «جامع التحصيل» وابن العراقي في «تحفة التحصيل» ، فضلاً عن المتقدمين.
المهرة» (1) .
فهذا الإسناد ضعيف لإرساله.
ولكن له طريق أخرى:
أخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (2/680 رقم 1916)، قال:
حدثنا أبو المغيرة عن ابن عياش، عن أبي وهب الكلاعي، عن بسر، عن حذيفة، قال لأهل الكوفة:«ليخرجنكم منها قوم صغار الأعين، فطس الآنف، كأن وجوههم المجانّ المطرقة، ينتعلون الشعر، يربطون خيولهم بنخل (جوخا) (2) ، ويشربون من فرض الفرات» .
وهذا إسناد حسن، إسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن الشاميين، وأبو وهب دمشقي -واسمه: عبيد الله بن عبيد الكلاعي-، صدوق -أيضاً-.
ورواه منصور بن صقير: نا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: حدثني عامر بن واثلة، قال: سمعت حذيفة بن أسيد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك خيل لتُرْكٍ أن تُرْبَط بسعُف نخلٍ» (3) .
فجعله من المرفوع، وهو ليس كذلك.
(1) وهو يحتوي على: «الموطأ» ، «الأم» ، «مسند أحمد» و «زوائد عبد الله» عليه، و «سنن الدارمي» ، و «المنتقى» لابن الجارود، و «صحيح ابن خزيمة» ، و «مسند أبي عوانة» ، و «شرح معاني الآثار» للطحاوي، و «صحيح ابن حبان» ، و «سنن الدارقطني» ، و «المستدرك» .
(2)
جُوخا: بالضم، والقصر، وقد يفتح: اسم نهر عليه كورة واسعة في سواد بغداد، بالجانب الشرقي منه (الراذانان) ، وهو ما بين (خانقين) و (خوزستان)، قالوا: ولم يكن ببغداد مثل كورة (جوخا) ، كان خراجها ثمانين ألف ألف درهم، حتى صرفت دجلة عنها، فخربت، وأصابهم بعد ذلك طاعون (شيروَيه) ، فأتى عليهم، ولم يزل السواد وفارس في إدبار منذ كان طاعون (شيرويه) . قاله ياقوت في «معجم البلدان» (2/178) .
(3)
عزاه في «كنز العمال» (14/239) لابن قانع بلفظ: «يوشك خيل الترك مخرمة أن تُربط بسعفِ نخل نجدٍ» .
أخرجه ابن قانع في «معجم الصحابة» (4/1462 رقم 383) ، وأبو عمرو الداني (1) في «الفتن» (4/904 رقم 468) ، والبيهقي في «البعث والنشور» (ص 80/رقم 42) من طرق عن عمرو بن غالب التمتام، عن منصور، به.
وإسناده ضعيف، منصور بن صقير ضعيف، والتمتام متكلم فيه.
ثامناً: وأخرج الحاكم في «المستدرك» (4/445) من طريق سفيان عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن سعيد (2) بن وهب، عن أبيه، عن حذيفة رضي الله عنه، قال:
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي في «التلخيص» .
قلت: إسناده صحيح، وعبد الرحمن بن سعيد لم يخرج له البخاري في «صحيحه» ، وإنما في «الأدب المفرد» ، وهو ثقة، وأبوه كذلك.
تاسعاً: أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (7/554 رقم 15 و8/672-673 رقم 66) عن عفان: ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، قال: قال لي عبد الله بن عمرو: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: والذي نفسي في يده! لتساقُنَّ (3) منها إلى أرض العرب لا تملكون قفيزاً ولا درهماً، ثم لا ينجيكم.
(1) لفظه «ستشد خيل ترك، أو تربط بسعف نخل» .
(2)
في مطبوع «المستدرك» : «عن الأعمش وأبجر عن عبد الرحمن بن سعيد» ! والمثبت من «إتحاف المهرة» (4/239 رقم 4182) .
(3)
في الموطن الأول من «المصنف» : «ليسافر منها» .
وهذا إسناد حسن، وعطاء بن السائب الثقفي صدوق اختلط، ووالده السائب بن مالك أو ابن يزيد الكوفي ثقة، ورواية حماد بن سلمة عن عطاء قبل اختلاطه.
قاله ابن معين وأبو داود والطحاوي وحمزة الكناني، وعزاه العراقي في «التقييد والإيضاح» (443) وابن الكيال في «الكواكب النيرات» (ص 325) إلى الجمهور.
والأثر صحيح، وله شواهد تأتي قريباً.
عاشراً: أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (15/186 - ط. الهندية، أو 8/673 رقم 172 - ط. دار الفكر) : حدثنا غندر، عن شعبة، عن الحكم (1)، قال: سمعتُ أبا صادق يحدث عن الربيع بن ناجذ، عن ابن مسعود، قال:
وأبو صادق هو مسلم بن يزيد الأزدي، وقيل: عبد الله بن ناجذ، صدوق (2) ، والربيع -كذا في الأصل، وصوابه:«ربيعة» - بن ناجذ -بالذال المعجمة، كما في «التبصير» (4/1403) ، وفي «التقريب» (ص 208 رقم 1918 - ط. عوامة) بالدال المهملة- الأزدي، هو أخو أبي صادق الراوي عنه، قال عنه ابن حجر في «التقريب» :«ثقة» ، ووثقه ابن حبان والعجلي وابن خلفون، وقال الذهبي في «الميزان» (2/45 رقم 2758) :«لا يكاد يعرف» ،
(1) هو ابن عتيبة أبو محمد الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، إلا أنه ربما دلس، كذا في «التقريب» (ص 175/رقم 1453) .
(2)
انظر: «التاريخ الكبير» (7/264 رقم 1117) ، و «التقريب» (ص 649/رقم 8167) .
وقال في «المغني» (1/335 رقم 2109) : «فيه جهالة» (1) .
وأخرجه ابن الشجري في «أماليه» (2/266-267) من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، به، وجعله من قول حذيفة لا ابن مسعود، ولفظه:
وهذا الأثر صحيح لغيره عن ابن مسعود وحذيفة بالطُّرُق التي تقدمت تحت (سادساً) و (سابعاً) ، ولآخره عن ابن مسعود شاهد من طريق أخرى عن ابن سيرين؛ يأتي قريباً.
حادي عشر: أخرج ابن أبي شيبة (8/696 رقم 70) عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس: أن رجلاً كان يمشي مع حذيفة نحو الفرات، فقال: كيف أنتم إذا خرجتم لا تذوق منه قطرة؟ قلنا: أتظن ذلك؟ قال: ما أظنه، ولكن أستيقنه.
وقيس هو ابن أبي حازم، قال علي بن المديني في «العلل» (ص 86-87 - ط. غراس) : «قيس بن أبي حازم سمع من:
…
وحذيفة بن اليمان» ، وإسماعيل هو ابن أبي خالد.
فالإسناد صحيح على شرط الشيخين.
وتابع وكيعاً: مروان بن معاوية الفَزَاري، وسمى الرجل الذي كان يمشي مع حذيفة (عروة بن أبي الجعد البارقي) .
(1) انظر: «تهذيب الكمال» (9/145-146 رقم 1888) و «التاريخ الكبير» (3/281 رقم 966) .