المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصلفي خروج خيار أهل العراق منها - العراق في أحاديث وآثار الفتن - جـ ١

[مشهور آل سلمان]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌فصلفي بيان أنّ العراق تهيّج منها الفتن،وصلتها بأهمّ فتن هذا العصر

- ‌ طرق في ألفاظها نُكْرة

- ‌ أحاديث أخرى وقع التصريح فيها بذكر العراق، وأن الفتن تهيج منها، أو تكون فيها، وفي أسانيدها ضعف:

- ‌فصلفرية وردّها

- ‌فصلالفتن تموج موج البحر

- ‌فصلضروب الفتنة

- ‌الضرب الأول: لا ينفك عن الإنسان في أي مكان أو زمان كان

- ‌الضرب الثاني: الفتن التي تموج موج البحر

- ‌فصلزمن الفتنة (نشأتها، اشتدادها، آخرها)

- ‌فصلالخوارج والعراق

- ‌فصلاستمرار خروج الخوارج ووصول فتنتهم إلى كل مكان

- ‌فصلالخروج في عصرنا

- ‌فصلمظاهر الخروج الجديد ونواره الذي لم ولن يعقد

- ‌فتنة جهيمان والحرم المكي

- ‌فصلفتنة حماة

- ‌فصلفتنة الجزائر المتولّدة عن الخروج الأول في العراق

- ‌ فتنة الجزائر وجبهة الإنقاذ الإسلامية

- ‌مما زاد وَحَل هذه (الفتنة) :

- ‌فصلالتباس (الثورة) بمفهوم الجهاد

- ‌فصلالفرق بين المطلوب الشرعي وواجب الوقتوما عليه أصحاب الثورات والانقلابات ودعاة الخروج

- ‌فصلالفتن في كل زمان حسب رجاله

- ‌فصلاشتداد الفتن مع مضي الزّمن

- ‌فصلحرمة التشبه بأهل العراق في خروجهم الأول

- ‌فصلالفتنة وكلت بثلاث

- ‌فصلكلام جملي عن محور الفتنة وثمرتها ووقتهاومادتها ووسيلتها ووقت اشتدادها

- ‌فصلمكان الفتنة

- ‌فصلرد شيخنا الألباني لفرية (نجد) التي يطلع منها قرن الشيطانهي دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى

- ‌فصلالعراق والفتنة وإبليس

- ‌فصلفي تخريج حديث: «منعت العراق

- ‌فصلفي ألفاظ الحديث

- ‌فصلفي غريبه

- ‌فصلتنبيهات مهمات

- ‌فصلتبويبات العلماء على الحديث

- ‌ تبويبات المخرجين له:

- ‌ معرض الاستشهاد

- ‌فصلتعليقات وإيضاحات على حديث: «منعت العراق

- ‌فصلفي بيان معنى (المنع) الوارد في الحديث

- ‌فصلفي بيان الراجح في معنى (المنع) الوارد في الحديث عند الشراح

- ‌فصلفي سياق قول جابر وتخريجه

- ‌فصلفي سياق كلام العلماء في تحديد من هم المانعون

- ‌فصلفي سياق كلام أبي هريرة رضي الله عنه

- ‌الإشكال الأول: كيف يقال عن حديث مسلم الذي فيه «منعت العراق…» متفق عليه

- ‌الإشكال الثاني: كيف يقال عن لفظ مسلم: متفق عليه

- ‌فصلفي سياق الألفاظ وما يشهد لها من الآثار

- ‌فصلفي بيان أن المراد بالأخبار السابقة أكثر من حادثة

- ‌فصلفي أحاديث الترك وإخراج أهل العراق

- ‌الحديث الأول: حديث بريدة بن الحصيب

- ‌ الكلام على إسناد حديث بريدة

- ‌الحديث الثاني: حديث معاوية بن أبي سفيان

- ‌الحديث الثالث: حديث أبي بكرة نُفَيع بن الحارث بن كَلَدة

- ‌ الكلام على إسناد حديث أبي بكرة

- ‌ هل الحديث منكر

- ‌ ثلاث ملاحظات مهمات، وكليّات معتبرات، وإفاضات وإضافات:

- ‌ شواهد بمعانٍ مقاربة من المرفوع والموقوف

- ‌فصلفي وصول الشر والفتن آخر الزمان كل مكان

- ‌الأول: كثرة الخير الذي ظهر من الشام في زمن عمر للمسلمين

- ‌الثالث: الفتن ظهرت في زمن الصحابة

- ‌الرابع -وبيت القصيد-: إن الفتن آخر الزمان ستشتد

- ‌فصلفي الأخبار السابقة، هل مضت وانتهت

- ‌فصلفي فتنة التتر والمغول

- ‌من الجدير بالذكر هنا أمور:

- ‌أولاً: وردت في بعض الحوادث صفاتٌ تأذن بأن بعض الآثار المتقدم ذكرُها إنما هي في هذه الفتنة

- ‌ثانياً: وقعت حوادث كثيرة قبل الاجتياح المذكور لبغداد

- ‌ثالثاً: تتابعت غزوات التتار

- ‌خامساً: حمل بعض شراح الحديث ما حصل من التتار على أنهم هم يأجوج ومأجوج

- ‌فصلحصار العراق الاقتصادي

- ‌أولاً: تبويبات بعض العلماء

- ‌ثالثاً: المتمعن في الكلام السابق يجد أن القائلين بأن الأمر قد ظهر تتفاوت أزمانهم

- ‌رابعاً: في الحديث ما يشير إلى هذا التكرار

- ‌فصلالمدينة النبوية ونصيبها من الفتن

- ‌فصلفي معنى قوله صلى الله عليه وسلم «وعدتم من حيث بدأتم»

- ‌فصلفي خروج خيار أهل العراق منها

الفصل: ‌فصلفي خروج خيار أهل العراق منها

وقد تشتد الغربة، فيكون «الغرباء هم الذين هجروا أوطانهم إلى الله

-تعالى-» (1) .

‌فصل

في خروج خيار أهل العراق منها

أخرج أحمد (5/249) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (1/97) -: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن الجُرَيري، عن أبي المشّاء

-وهو لقيط بن المشّاء- عن أبي أمامة، قال:

«لا تقوم الساعة حتى يتحوّل خيار أهل العراق إلى الشام، ويتحول شرار أهل الشام إلى العراق» .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالشام» .

وأخرجه أبو المعالي المشرّف بن المرجي في «فضائل بيت المقدس» (ص 450-451) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، به، ووقع في مطبوعه «أبو المسافر» ، وهو تحريف عن «أبي المشاء» .

وعزاه لأحمد: شهاب الدين المقدسي في «مثير الغرام» (ص 101) ، وفي مطبوعه «أبو المساور» ، وابن رجب في «فضائل الشام» (ص 55/رقم 49) ، ومحمد بن عبد الهادي في «فضائل الشام» -أيضاً- (ص 23/رقم 7)، وفي مطبوعهما:«عن أبي المثنى -وهو لقيط بن المثنى» ، وكذا وقع في الطبعة الميمنية من «المسند» (5/249) ، وفي «تعجيل المنفعة» (355، 519 (2) -

(1)«شرح النووي على صحيح مسلم» (2/177) .

(2)

هو في الكنى في حرفه بعد الميم والسين، ولكن رسمه «المثنى» ! ثم ظفرتُ به على الجادة في الموطنين (2/161، 541 رقم 915، 1393 - ط. دار البشائر) .

ص: 458

ط. الهندية) ، وكله تحريف، صوابه ما أثبتناه، وهو على الجادة في كتب التراجم (1) و «أطراف المسند» (6/35) ، و «المسند» (36/461 - ط. مؤسسة الرسالة) ، و «إتحاف المهرة» (6/258 رقم 6478) .

وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (2/631 رقم 1762) : حدثنا ابن عبد الوارث، به.

وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (15/245 - ط. الهندية و8/701 رقم 97 - ط. دار الفكر) عن يزيد بن هارون، أخبرنا حماد، به، دون المرفوع (2) .

وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (1/316) من طريق معاذ بن هانئ، نا حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس (3) ، عن أبي المشاء، عن أبي أُمامة، قال:«لا تقوم الساعة حتى تتحول أشرار الناس إلى العراق، وخيار أهل العراق إلى الشام، حتى تكون الشام شاماً، والعراق عراقاً» .

وهذا إسناد رجاله رجال الصحيح، غير أبي المشاء لقيط بن المشاء،

(1) انظر: «الجرح والتعديل» (7/177 رقم 1012) ، و «الإكمال» (7/308) لابن ماكولا، و «المؤتلف والمختلف» (4/2108) للدارقطني، و «الكنى والأسماء» (3/1015 - ط. ابن حزم) ، و «تبصير المنتبه» (4/1290) ، و «الإكمال» للحسيني (ص 551/رقم 117) ، و «الكنى» للدولابي (2/115) ، و «توضيح المشتبه» (3/68) .

(2)

وعلقه البخاري في «التاريخ الكبير» (8/446-447) من طريق حجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة، به، بالمرفوع دون الموقوف.

وشذ بعض الرواة؛ فجعل المرفوع عن حماد، به من (مسند أبي هريرة) ؛ كما عند ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (1/97-98) .

وتحرف (أبو المشاء) في مطبوع «الفتن» لنعيم. وفي طبعتَي «مصنف ابن أبي شيبة» إلى (أبي المثنى) ؛ فليصوَّب.

(3)

وهو الجُرَيري.

ص: 459

روى عنه قُرة بن خالد والجُريري، وذكره ابن حبان في «الثقات» (5/344)، وقال:«يخطئ ويخالف» .

وله شواهد كثيرة تدلل على صحته؛ منها:

ما أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (1/316) بسندٍ جيد عن شرحبيل بن مسلم، عن أبيه، قال: بلغنا أنه لن تقوم الساعة حتى يخرج خيار أهل العراق إلى الشام، ويخرج شرار أهل الشام إلى العراق.

ومنها: ما أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (11/373 رقم 20778) ، وابن أبي شيبة في «المصنف» (رقم 19438) ، والحاكم في «المستدرك» (4/457) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (1/315) عن عبد الله بن عمرو، قال: «ليأتينّ على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا كان بالشام. وإسناده جيد.

وأخرجه المشرَّف بن المرجَّى في «فضائل بيت المقدس» (ص 450) ، وابن عساكر (1/315-316) مرفوعاً، وقال:«وليس بالمحفوظ، والمحفوظ الموقوف» . وأقره ابن رجب في «فضائل الشام» (ص 45) .

قلت: وله حكم الرفع (1) ، وأسنده ابن عساكر (1/316) بعده عن ابن عمر قوله.

وفضائل الشام كثيرة، وكون جند الشام هم خير الناس (2) شهيرة، ولكن

(1) ثم وجدتُ العز بن عبد السلام يقول في «ترغيب أهل الإسلام في سكنى الشام» (ص 37) على إثر الأثر المذكور: «ومثل هذا لا يقوله إلا توقيفاً، ولمّا علم الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- تفضيل الشام على غيره؛ دخل إليه منهم عشرة آلاف عين رأت النبي صلى الله عليه وسلم، على ما ذكره الوليد بن مسلم» .

قلت: نقله صاحب «حدائق الإنعام» (ص 115) عن أبي بكر بن سفيان بن الأشعث لا عن الوليد بن مسلم

(2)

انظر: «الحنائيات» (رقم 172 - بتحقيقي) ، فقد أطلت تخريج الحديث الوارد في ذلك.

ص: 460

هذا في غير الأوان الذي نحن بصدده، مع التنويه بأن هذا التحول إلى الشام يكون على وجه ظاهر في أتون الفتنة، وشدّتها، وانتشارها في أقطار الأرض (1) .

أخرج أحمد في «المسند» (5/33) وفي «فضائل الصحابة» (719) ، والطيالسي في «المسند» (2/577-578 رقم 1345 - ط. هجر) -ومن طريقه أبو نعيم في «الإمامة والرد على الرافضة» (152) -، وابن أبي عاصم في «السنة» (1294) ، والقطيعي في «زوائد الفضائل» (825) عن ابن حوالة ضمن حديث طويل، فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم:«يا ابن حَوالة! كيف تصنع في فتنة تثور في أقطار الأرض، كأنها صياصي بقر؟ قال: قلت: أصنع ماذا يا رسول الله؟ قال: عليك بالشام» .

وإسناده صحيح، وعزاه البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (10/159-160 رقم 9767) للطيالسي وابن أبي شيبة في «مسنديهما» (2)، وقال الهيثمي في «المجمع» (7/225-226) :«رواه أحمد والطبراني بنحوه، ورجالهما رجال الصحيح» .

وقوله: «كأنها صياصي بقر» ؛ أي: قرونها، شبه الفتنة بها لشدتها، وصعوبة الأمر فيها (3) .

أخرج أبو داود في «السنن» في كتاب السنة (باب في الخلفاء)(5/32 رقم 4638 - ط. الدعّاس) -ومن طريقه برواية اللؤلؤي عنه: ابن عساكر في

(1) ينظر في هذا: (الباب الثالث: فيما ورد في حفظ الشام من الفتن، وأنها معقل المسلمين في ذلك الزمان) من كتاب «فضائل الشام» لابن رجب (ص 49-52) ، وليس المقام هنا الكلام التفصيلي على فضل الشام، وإنما هو خروج أهل العراق إليها فقط، وانظر: حث النبي صلى الله عليه وسلم سكنى الشام عند الفتن في «فضائل الشام» للسمعاني (الأرقام: 13، 14، 15) .

(2)

هو ليس في القسم المطبوع من «مسند ابن أبي شيبة» .

(3)

«النهاية» (3/67) .

ص: 461

«تاريخ دمشق» (1/245) - بسندٍ صحيح عن مكحول، قال:

لتَمخُرَنَّ الرومُ الشامَ أربعين صباحاً، لا يمتنع منها إلا دمشق وعَمّان.

وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (2/437 رقم 1257) مثله؛ إلا أن في آخره: «إلا دمشق وأعالي البلقاء» .

وأخرج أبو داود -أيضاً- (5/32-33 رقم 4639 - ط. الدعاس)

-ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (1/245) - عن أبي الأَعيس عبد الرحمن بن سلمان، قال:

«سيأتي مَلِكٌ من ملوك العجم، يظهر على المدائن كلها إلا دمشق» .

وهذان الأثران موجودان في بعض نسخ «سنن أبي داود» (1) دون بعض، وأثبتها الحافظ ابن حجر في حاشية نسخة، وعزا الثاني لرواية اللؤلؤي وحده، وهما في «عون المعبود» (12/390-391، 391 رقم 4614، 4615) ، و «بذل المجهود» (18/161-162)، وفيه على الأثرين:

«كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في «تقريره» : «ولا يدرى متى يكون ذلك» ، وعلى الثاني:«وهذا -أيضاً- موقوف على أبي الأعيس، ولعله سمعه من بعض الصحابة، ولعله إشارة إلى ما وقع من تيمور على بلاد الإسلام» !

قلت: الظاهر خلافه، فإن تيمور اعتدى على دمشق، ولم تسلم منه، وهذا -والله أعلم- في آخر الزمان، وبوب عليه ابن عساكر مع أحاديث وآثار أخر (أنها -أي: دمشق- فسطاط المسلمين يوم الملحمة) (2) .

(1) انظره (5/199 - ط. عوامة)، وعزاهما لأبي داود -بالترتيب-: المزي في «تحفة الأشراف» (13/397، 272 رقم 19464، 18962) . وقال عن الثاني: «قيل: إنه في رواية اللؤلؤي وحده» ، ولم يقل شيئاً عن الأول!

وعزا البقاعي في «الإعلام بسنّ الهجرة إلى الشام» (ص 115/رقم 45) الثاني لأبي داود.

(2)

ومثله عند ابن رجب في «فضائل الشام» ، فإنه أوردهما (ص 146، 147 برقَمَيْ =

ص: 462

ثم وجدتُ عند نعيم بن حماد في «الفتن» (2/438 رقم 1258) بلفظ يدل على ما ذكرتُ؛ وهو: «يغلب ملك من ملوك الروم على الشام كله، إلا دمشق وعمان، ثم ينهزم، وتبنى قيسارية أرض الروم، فتصير جند من أجناد أهل الشام، ثم تظهر نار من عدن أبين» . وأعاد آخره (2/628 رقم 1753) .

ومعنى: «لتَمخُرَنَّ الروم الشام» ؛ أراد: أنها تدخل الشام وتخوضه، وتجوس خلاله، وتتمكن منه، فشبهه بمخر السفينة البحر (1) .

ومع هذا؛ فالشام معقل للمسلمين من الفتن، وذلك عند اشتدادها بالعراق خاصة، وأما عند قيام الساعة، وخراب المدينة؛ فهي تعمر، ولا سيما فلسطين منها، وهي التي ينتقم الله بأهلها من الروم في الملاحم.

والظاهر مما ورد من الأخبار، أن الخروج من العراق يقع مرات، ويكثر ويعسر مع اشتداد اعتداء العجم عليها، وهذا البيان والدليل:

أولاً: مضى حديث أبي بكرة المرفوع، وفيه: «يفترق المسلمون ثلاث فرق:

» (2) .

وجاء في مرسل أبي قلابة عند نعيم بن حماد في «الفتن» (2/678 رقم 1908) : «وفرقة تلحق بالشام، وهي خير الفرق» .

ثانياً: أخرج نعيم في «الفتن» -أيضاً- (2/678 رقم 1909) عن أبي هريرة، قال: «أعينهم كالودع، ووجوههم كالحجف، لهم وقعة بين الدجلة والفرات، ووقعة بمرج حمار، ووقعة بدجلة، حتى يكون الجواز أول النهار

= 264، 265) ، وعزاهما لنعيم، وبوب عليهما ضمن أحاديث وآثار كثيرة (فيما ورد في السنة والآثار من أنها -أي: الشام- فسطاط المسلمين ومعقلهم في الملاحم) .

(1)

«النهاية» (4/305) ، و «عون المعبود» (12/391) ، و «بذل المجهود» (18/162) .

(2)

انظر: (ص 310 وما بعد) .

ص: 463

بمئة دينار للعبور إلى الشام (1) ، ثم يزيد آخر النهار» .

ثالثاً: أخرج عبد الرزاق في «المصنف» (11/373-374) ، والحاكم في «المستدرك» (4/504 رقم 20779) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (1/313-314) ، وابن العديم في «بغية الطلب» (1/367، 511) من طرق عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: شكي إلى ابن مسعود الفرات، فقالوا: نخاف أن ينفتق علينا، فلو أرسلت من يَسْكُره (2)، فقال عبد الله:«لا نَسْكُره، فوالله ليأتين على الناس زمان لو التمستم فيه ملء طست من ماءٍ ما وجدتموه، وليرجعنّ كل ماء إلى عنصره، ويكون بقية الماء والمسلمين بالشام» لفظ عبد الرزاق.

ولفظ الحاكم: «يوشك أن تطلبوا بفراتكم (3) هذا ماء فلا تجدونه

» بنحوه.

ورجاله ثقات، إلا أنه منقطع.

وفي رواية الحاكم: «عن القاسم عن أبيه» ، وقال:

«صحيح الإسناد» ، ووافقه الذهبي، وأقرّهما شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى- في «السلسلة الصحيحة» (3078) بقوله:

(1) وأخرج سعيد بن منصور -ومن طريقه ابن العديم في «بغية الطلب» (1/506) بسند لين عن ابن مسعود، قال:«طريق المسلمين هاربين من الدجال: ملطاط الفرات إلى الشام» .

والملطاط: طريق على ساحل البحر، ومنه قول رؤبة:

نحنُ جمعنا الناس بالمِلطاطِ

في وَرْطة، وأيُّما إيراط

انظر: «لسان العرب» (7/390) مادة (لطط) .

(2)

في «القاموس» (406) : «سكر النهرَ يسْكُرُه سَكْراً: سدَّ فاه» .

(3)

تحرف في مطبوع «المستدرك» إلى «قراكم هذه» ، وفي مطبوع «إتحاف المهرة» (10/307 رقم 12816) إلى:«بقرآنكم» !

ص: 464

«قلت: وهو كما قالا؛ فإن المسعودي هذا -واسمه: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة-وإن كان قد اختلط؛ فقد ذكروا أن رواية سفيان-وهو: الثوري- عنه قبل الاختلاط؛ كما ذكروا أن أحاديثه عن القاسم صحيحة، وهذا من روايته عنه كما ترى، فراجع إن شئت ترجمته في «التهذيب» و «الكواكب النيرات» (ص 282-298) .

والحديث وإن كان موقوفاً؛ فهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، كما هو ظاهر.

والحديث حمله مؤلف كتاب «المسيح الدجال قراءة سياسية في أصول الديانات الكبرى» (ص 214) على أنه يكون بعد القحط الذي قال: إنه يأتي بعده الدجال! وليس فيه، ولا في غيره -فيما أعلم- ما يدل على هذا التحديد (1) ، فيمكن أن يكون قبل ذلك أو بعده، وهذا لعله هو الأقرب أن يكون بين يدي القيامة» .

قال أبو عبيدة: سبب ما رجحه شيخنا العلامة الألباني هو تحريف وقع في رواية الحاكم: «يوشك أن تطلبوا بقريتكم (2) هذه» . ولم يعزه شيخنا

رحمه الله إلا للحاكم، وهذا الحديث من القسم الذي طبع ونشر بعد موته دون مراجعته.

وتبيّن لنا من خلال جمع طرقه وألفاظه أن الصواب: «يوشك أن تطلبوا فراتكم هذا» ، وحينئذ ينبغي أن يفهم على ضوء الأحاديث الأخرى التي فيها

(1) قال أبو عبيدة: أخرج نعيم بن حماد في «الفتن» (2/527 رقم 1485) -ومن طريقه ابن العديم في «بغية الطلب» (1/506) من طريق الحكم بن نافع، عن جراح، عن أرطأة، قال: «تفتح القسطنطينية، ثم يأتيهم الخبر بخروج الدجال

» ، وفيه: «ومن علامات خروج الدجال:

وتقلع زيتون المغرب والشام من أصولها، وتيبس الفرات والعيون والأنهار» .

(2)

يراد بها الكوفة؛ لو كانت هذه الرواية محفوظة، وهي ليست كذلك!

ص: 465

انحسار الفرات عن (تل) أو (جزيرة) أو (كنز) أو (جبل) -على تعدد الروايات (1) ، وسيأتي -إن شاء الله- بيان ذلك في فصل مستقل بالتفصيل.

بقي التنويهُ على أن للأثر متابعاً للمسعودي في روايته عن القاسم، فقد رواه الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود متصلاً، وهو صحيح، ولفظه:

«شكونا إليه الفرات، وقلة الماء، فقال: يأتي عليكم زمان لا تجدون فيه ملء طست من ماء، ويرجع كل ماء إلى عنصره، ويبقى الماء والمؤمنون بالشام» .

أخرجه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» ، ومن طريقه وطريق غيره: ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (1/314-315)، وابن العديم في «بغية الطلب» (1/511) . ونقل ابن عساكر وابن العديم (2) عن ابن المنادي قوله:«في رواية الأعمش هذه ذكر قلة الماء في الفرات، وفي رواية المسعودي ذكر كثرته فيه، ثم إن الروايتين على الاتفاق؛ أن الفرات يقل ماؤه قلة ضارة بالناس، والله أعلم» .

قلت: وهذا يؤكد أن هذا التحوّل يكون قبل المهدي (3) ؛ شأنه شأن

(1) ولا تعارض بينها كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في محلِّه.

(2)

قال في «بغية الطلب» (1/512) على إثر الطريق الأولى: «ففي روايته انقطاعاً، وفي هذه عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود متصلاً، ذكر قلّة الماء في الفرات» ، قال:«وفي رواية المسعودي انقطاع ليس بين القاسم وبين ابن مسعود أحد، ذكر كثرة الماء في الفرات» .

ثم نقل مقولة ابن المنادي الآتية، وعلق على إثرها بقوله:

«قلت: ويحتمل أن الاختلاف في الكثرة والقلّة؛ إنما جاء لاختلاف الواقعتين، بأن يكون ماء الفرات مدَّ سنة، ونقص أخرى، فقال عبد الله ما يؤول حاله إليه» .

(3)

إذ حسر الفرات عن جبل من ذهب -وهو ثابت في «الصحيح» ، وسيأتي الكلام عليه رواية ودراية مفصّلاً- قبل ظهور المهدي.

ص: 466

الحصار، ووقته وقته.

ومن المفيد هنا أن أنقل إلى القراء ما جاء في كتاب «المسيح الدجال قراءة سياسية في أصول الديانات الكبرى» (ص 210) فيما يتعلق بنضوب المياه:

«أصدر معهد (وواردوانش) الأمريكي دراسة تشير إلى أن العالم استخرج كميات كبيرة من المياه الجوفية، وفي (تكساس) و (نيومكسيكو) أصبح هناك احتمال بنضوب المياه الجوفية تماماً في هذه المنطقة؛ وفي الأقاليم الشمالية يهبط مستوى المياه الجوفية بمقدار 12 قدماً كل عام (1) .

وأشارت دراسة في الولايات الأمريكية أن العالم سوف يتعرض لنقص في موارد المياه التي لا علاج لها، ولن تفيد الطرق التقليدية في توفير المياه؛ مثل: السدود والخزانات والقنوات (2) .

كما أعلن مركز تحليل المناخ الفيدرالي في الولايات المتحدة في بيان له أن درجة حرارة مياه المحيط الهادي آخذة في الارتفاع، وهذه الظاهرة تؤثر على الأحوال المناخية في جميع أنحاء العالم، وتؤدي إلى تفاقم حالة الجفاف في إفريقيا واستراليا، وفيضانات في الصين، وسيول رعدية في (بيرو) و (أكوادور) ، وعواصف وأعاصير على الولايات المتحدة وكندا وجنوب إفريقيا (3) .

ولا يفهم من هذه الآثار السابقة أن الشام لا تصلها الفتن ألبتة؛ وإنما هي معْقل ومُتَنفّس لأهل الديانة، ولا سيما في فترة، وهي قاصمة للروم في الملاحم، إلا أن حصار الروم ينتقل إليها بعد حصار العجم للعراق، ويضيَّق

(1) جريدة «الأهرام» (1/10/1985م) .

(2)

جريدة «الأهرام» (2/10/1985م) .

(3)

جريدة «الأهرام» (16/10/1985م) .

ص: 467

على أهلها، ويخرجهم الروم من بعض مناطقها (1) ،

وأورد ابن عساكر في «تاريخ دمشق» في ذلك آثاراً ومقطوعات كثيرة، فيها ضعف، مجموعها يدلل على أن لذلك أصلاً (2) ؛ مثل:

أخرج نعيم بن حماد في «الفتن» (2/489 رقم 1374) ، وابن المنادي في «الملاحم» -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (2/214) واللفظ له- عن خالد بن معدان، قال:«لا يذهب الليل والنهار حتى يطرد الروم أهل الشام، فيموت منهم ناس كثير من العيال بالفلاة، جوعاً وعطشاً» .

وأخرج ابن عساكر (12/214) عن أبي الدرداء، قال:«ليخرجنكم الروم من الشام كَفْراً (3) كفراً، حتى يوردونكم البلقاء، كذلك الدنيا تبيد (4) وتفنى، والآخرة تدوم وتبقى» .

وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (ص 371/رقم 1390 -

(1) أخرج أبو القاسم البغوي -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (1/227) ، وابن العديم في «بغية الطلب» (1/488) - بسندٍ صحيح عن سعيد بن عبد العزيز، أن من أدرك من علمائنا كانوا يقولون: يخرجون أهل مصر من مصرهم إلى ما يلي المدينة، ويخرج أهل فلسطين إلى مشارق -أو مشارف بالفاء- البلقاء وإلى دمشق، ويخرج أهل الجزيرة وقنسرين وحمص إلى دمشق.

قال أبو عبيدة: و (مشارف) البلقاء فيها هذه الساعة كثير من أهل فلسطين ممن أخرجوا منها، على هيئة (مخيمات) نازحين في أواخر الستينات من القرن السابق، وبيوت وشقق و (فلل) سكنية هذه الأيام، تأريخ كتابة هذه السطور.

(2)

وأورَدَ من ألّفَ في «فضائل الشام» آثاراً أخرى شبيهة بها، وليس همي هنا الاستقصاءَ وشدَّ النَّفَسِ في التخريج، فذاك له موضع آخر، وانظر -على سبيل المثال-:«فضائل الشام» لابن رجب (ص 146-149)

(3)

الكَفْر: الأرض المستوية، والغائط الوطي، والنَّبْت، كذا في «القاموس» (605) . والكَفْر -أيضاً-: القرية النائية عن الأمصار؛ كما في «النهاية» (4/189) .

(4)

في مطبوع «التاريخ» : «تميد» ! والمثبت من «مختصر ابن منظور» له (1/246) .

ص: 468

ط. التوفيقية) مختصراً بإسنادٍ لين.

وأخرج نعيم بن حماد في «الفتن» (2/468 رقم 1318) ، وابن عساكر (2/214-215) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: «ليخرجنكم الروم من الشام كَفراً كَفراً، حتى يوردونكم حِسْمى (1)

جذام، حتى يجعلوكم في ظُنبُوبٍ (2) من الأرض» .

وورد في بعض الآثار أن هذا الإخراج يتم والروم في العراق.

أخرج ابن عساكر (2/215) عن أبي هريرة، قال:«يا أهل الشام! ليخرجنكم الروم منها كَفْراً كَفراً، حتى تلحقوا بسُنْبُك (3) من الأرض. قيل: وما ذاك السُّنْبُك؟ قال: حِسْمى جُذام، ولتسيرنّ الرومُ على كَوادنها (4) مُتعلِّقي جعابَها (5) بين بارق ولعلع» .

و (بارق) : ماء بالعراق، وهو الحد بين القادسية والبصرة، وهو من أعمال

(1) حِسْمَى -بكسر أوله، وسكون ثانيه، وفتح الميم، وسكون آخره-: جبال وأرض بين أيلة وجانب تيه بني إسرائيل، انظر:«معجم البلدان» (2/ 258-259) .

قال ابن ناصر الدين في «التوضيح» (2/364) في معنى (حِسْمى) : «ذكر أبو نصر الجوهري أنه اسم أرضٍ بالبادية غليظة، لا خير فيها تنزلها بنو جُذام، ويقال: آخر ماء نَضب من ماء الطُّوفان (حِسْمَى) ، فبقيت منه هذه البقية إلى اليوم، وفيها جبال شواهق، مِلْسُ الجانب، لا يكاد القَتَامُ يُفارقها» .

(2)

أصله: حرف العظم اليابس من الساق؛ أي: عَرِيَ عَظمُ ساقِها من اللحم لهُزالها. كما في «النهاية» (3/162) .

(3)

سنبك من الأرض: الغليظة القليلة الخير، كذا في «القاموس» (ص 1218) ، وطَرَفُ مُقَدّم الحافر، فشبَّه الأرضَ التي يُخرَجُون إليها بالسُّنْبُك في غِلَظهِ وقِلَّةِ خيره. قاله الجوهري في «الصحاح» (4/1589) ، ونقله عنه ابن ناصر الدين في «التوضيح» (2/364) .

(4)

الكوادن: البراذين الهجن.

(5)

جعابها جمع (جَعْبة) ؛ وهي: كِنانة النَّشّاب.

ص: 469

الكوفة، وقد ذكره الشعراء فأكثروا (1) .

و (لعلع) : منزل بين البصرة والكوفة، بينها وبين (بارق) عشرون ميلاً (2) .

وانتقال خيار أهل العراق إلى الشام عامٌّ في الفتن التي تموج موج البحر كلِّها، ودل على ذلك:

ما أخرجه أحمد (2/84، 198-199) عن عبد الرزاق (20790) -ومن طريقه -أيضاً- الحاكم (4/486) ، والبغوي (4008) ، وابن عساكر (1/160) -، والطيالسي (2293) -ومن طريقه أحمد (2/209) ، وأبو نعيم في «الحلية» (6/53-54) ، وابن عساكر (1/160-161) -، وإسحاق بن راهويه -ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (6/66) -، وأبو داود في «السنن» (2482) -مختصراً دون الشاهد المذكور-، وابن عبد الحكم في «فتوح مصر» (ص 232) ، ونعيم بن حماد في «الفتن» (2/630، 632 رقم 1758، 1765) ، والحاكم (4/510، 511) عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«إنها ستكون هجرة بعد هجرة (3) ، ينحاز الناس إلى مُهاجَر إبراهيم» (4) .

(1)«معجم البلدان» (1/319-320) .

(2)

انظر: «معجم البلدان» (5/18، 19) .

(3)

أي: ستكون هجرة إلى الشام بعد هجرة كانت إلى المدينة.

(4)

أي: موضع هاجر إليه؛ وهو الشام، ولاحظ أن هجرته كانت من العراق، وهذه الهجرة هي المذكورة في قوله -تعالى-:{وَأَرادُوا به كَيداً فَجَعَلناهُم الأخسرين. ونَجّيْناه ولُوطاً إلى الأرضِ الّتي بارَكْنا فيها للعالَمِين} [الأنبياء: 70-71]، قال الحسن: إن {الأرضِ الّتي بارَكْنا فيها} : الشام. ومثله عن مجاهد، وابن زيد، وابن جريج.

وعن قتادة: كانا بأرض العراق، فأُنجيا إلى أرض الشام، وكان يُقال للشام: عمادُ دارِ الهجرة، وما نقص من الأرض زِيدَ في الشام، وما نقص من الشام زِيدَ في فلسطين. وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها مجمع الناس، وبها ينزل عيسى ابن مريم، وبها يُهلِكُ الله شيخَ =

ص: 470

= الضلالة الكذّاب الدّجّال. كذا عند ابن جرير في «التفسير» (17/57 - ط. دار إحياء التراث العربي) وغيره.

وقال ابن جرير رحمه الله (17/59) : «وإنما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك لأنه لا خلاف بين جميع أهل العلم أن هجرة إبراهيم من العراق كانت إلى الشام، وبها كان مقامه أيام حياته، وإن كان قد كان قدم مكة، وبنى بها البيت، وأسكنها إسماعيل ابنه مع أمه هاجر، غير أنه لم يُقِمْ بها، ولم يتخذها وطناً لنفسه، ولا لوط، والله إنما أخبر عن إبراهيم ولوط أنهما أنجاهما إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين.

وقال ابن تيمية رحمه الله: «ومعلوم أن إبراهيم إنما أنجاه الله ولوطاً إلى أرض الشام من أرض الجزيرة والعراق» ، وقال عن الحديث المذكور:«فيه بشرى لأصحابنا الذين هاجروا من حران -يشير إلى عائلته لما هاجرت من حران عندما هاجمها التتار، وكان عمره آنذاك ست سنوات- وغيرها إلى مهاجر إبراهيم» .

وقال ابن كثير رحمه الله: «يقول الله -تعالى- مخبراً عن إبراهيم أنه سلَّمه الله من نار قومه، وأخرجه من بين أظهرهم مهاجراً إلى بلاد الشام، إلى الأرض المُقَدَّسَةِ منها» .

وقال الشيخ السعدي رحمه الله: «أي: الشام،

ومن بركة الشام، أن كثيراً من الأنبياء كانوا فيها، وأنَّ الله اختارها، مُهاجَراً لخليله، وفيها أحد بيوته الثلاثة المقدسة، وهو بيت المقدس» .

وقال الشنقيطي رحمه الله: «وما أشار إليه -جل وعلا- من أنه بارك للعالَمين في الأرض المذكورة التي هي الشام على قول الجمهور

بيَّنه في غير هذا الموضع» .

قال الخطابي: «فالهجرة الثابتة هي الهجرة إلى الشام يرغب فيها خيار الناس، وهي مهاجر إبراهيم -صلى الله على نبينا وعليه وعلى آلهما وسلم-» .

(1)

له شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه أحمد (2/84) ، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (ص 464) ، وابن عساكر (1/162، 163)، وقال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (10/285 رقم 9974) عنه:«رواته ثقات» ، وذكره شيخنا الألباني في «الضعيفة» (3697) ، وفي «ضعيف الجامع الصغير» (رقم 3259) ، وتراجع عن ذلك في «السلسلة الصحيحة» (3203) ؛ فانظره. =

ص: 471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وجزم شيخ الإسلام ابن تيمية بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما موضع من «فتاويه» ؛ فانظر (ص 41 و44 و509) من المجلد (27) من «مجموع الفتاوى» ، وقال في الصفحة الأخيرة من المذكورات؛ في فصل كان عقده في فضل الشام وأهله:

«وفي هذا الحديث بشرى لأصحابنا الذين هاجروا من (حرّان) وغيرها إلى مهاجر إبراهيم، واتبعوا ملة إبراهيم، ودين نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان أن هذه الهجرة التي لهم بعد (كذا، ولعل الصواب: تعدل) هجرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؛ لأن الهجرة إلى حيث يكون الرسول وآثاره، وقد جعل مهاجر إبراهيم يعدل لنا مهاجر نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فإن الهجرة انقطعت بفتح مكة» .

وقال شيخنا الألباني رحمه الله بعده في «السلسلة الصحيحة» (7/1/615-617) ما نصه:

«وبهذه المناسبة يحق لي أن أقول بياناً للتاريخ، وشكراً لوالدي -رحمه الله تعالى-:

وكذلك في الحديث بشرى لنا: آلَ الوالد الذي هاجر بأهله من بلده (أشقودرة) عاصمة (ألبانيا) يومئذٍ؛ فراراً بالدين من ثورة (أحمد زوغو) أزاغ الله قلبه، الذي بدأ يسير في المسلمين الألبان مسيرة سلفه (أتاتورك) في الأتراك، فجنيت -بفضل الله ورحمته- بسبب هجرته هذه إلى (دمشق الشام) ما لا أستطيع أن أقوم لربي بواجب شكره، ولو عشت عمر نوح عليه الصلاة والسلام؛ فقد تعلمت فيها اللغة العربية السورية أولاً، ثم اللغة العربية الفصحى ثانياً، الأمر الذي مكّنني أن أعرف التوحيد الصحيح الذي يجهله أكثر العرب الذين كانوا من حولي -فضلاً عن أهلي وقومي-؛ إلا قليلاً منهم، ثم وفقني الله -بفضله وكرمه دون توجيه من أحد منهم- إلى دراسة الحديث والسنة أصولاً وفقهاً، بعد أن درست على والدي وغيره من المشايخ شيئاً من الفقه الحنفي وما يُعرف بعلوم الآلة؛ كالنحو والصرف والبلاغة، بعد التخرج من مدرسة (الإسعاف الخيري) الابتدائية، وبدأت أدعو مَن حولي مِن إخوتي وأصحابي إلى تصحيح العقيدة، وترك التعصب المذهبي، وأُحذّرهم من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وأُرغِّبهم في إحياء السنن الصحيحة التي أماتها حتى الخاصة منهم، وكان من ذلك: إقامة صلاة العيدين في المصلى في دمشق، ثم أحياها إخواننا في حلب، ثم في بلاد أخرى في سوريا، واستمرت هذه السُّنَّة تنتشر حتى أحياها بعضُ إخواننا في (عمان/الأردن) ؛ كما حذّرت الناس من بناء المساجد على القبور والصلاة، وألَّفت في ذلك كتابي «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» ، وفاجأت قومي وبني وطني الجديد بما لم يسمعوا من قبل، وتركت الصلاة في المسجد الأموي، في الوقت الذي كان يقصده بعض أقاربي؛ لأن قبر يحيى فيه كما يزعمون! ولقيت في سبيل ذلك -من الأقارب والأباعد- ما يلقاه كل داعية للحق لا تأخذه في الله لومة لائم، وألَّفت بعض الرسائل في بعض المتعصبين الجهلة، وسُجِنتُ مرتين بسبب وشاياتهم إلى الحكام الوطنيين والبعثيين، وبتصريحي =

ص: 472

قال ابن رجب بعد كلام في فضل الشام: «

وعقيبها جرت واقعة ببغداد، وقتل بها الخليفة وعامة من كان ببغداد، وتكامل خراب أرض العراق على أيدي التتار، وهاجر خيار أهلها إلى الشام من حينئذ» (1) .

وقال قبل ذلك بعد إيراده لجملة أحاديث وآثار في فضائل الشام:

«وأما إضاءة قصور بُصرى بالنور الذي خرج معه؛ فهو إشارة إلى ما خصّ الشام من نور نبوّته، فإنها دار مُلكه» ، قال:«فمن مكة بدئت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإلى الشام ينتهي ملكه، ولهذا أسري به صلى الله عليه وسلم إلى الشام، إلى بيت المقدس، كما هاجر إبراهيم عليه السلام من قبله إلى الشام. قال بعض السلف: ما بعث الله نبيّاً إلا من الشام، فإن لم يبعث منها هاجر إليها، وفي آخر الزمان يستقرّ العلم والإيمان بالشام، فيكون نور النبوة فيها أظهرَ منه في سائر بلاد الدنيا» (2) .

= لبعضهم حين سُئلت: لا أؤيد الحكم القائم؛ لأنه مخالف للإسلام، وكان خيراً لي وسبباً لانتشار دعوتي.

ولقد يسَّر الله لي الخروج للدعوة إلى التوحيد والسنة إلى كثير من البلاد السورية والعربية، ثم إلى بعض البلاد الأوروبية، مع التركيز على أنه لا نجاة للمسلمين مما أصابهم من الاستعمار والذل والهوان، ولا فائدة للتكتلات الإسلامية، والأحزاب السياسية إلا بالتزام السنة الصحيحة وعلى منهج السلف الصالح رضي الله عنهم؛ وليس على ما عليه الخلف اليوم

-عقيدة وفقهاً وسلوكاً-؛ فنفع الله ما شاء ومن شاء من عباده الصالحين، وظهر ذلك جليّاً في عقيدتهم وعبادتهم، وفي بنائهم لمساجدهم، وفي هيئاتهم وألبستهم، مما يشهد به كل عالم منصف، ولا يجحده إلا كل حاقد أو مخرِّف، مما أرجو أن يغفر الله لي بذلك ذنوبي، وأن يكتب أجر ذلك لأبي وأمي، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات:{رَبِّ أَوزِعنِي أنْ أشكُرَ نِعمَتَكَ التي أَنعَمتَ عَلَيَّ وعلى والِدَيَّ وأن أعمَلَ صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عِبَادِك الصّالحين} ، رب {.. وَأَصلِحْ لي في ذُرِّيَّتي إني تُبتُ إليك وإنّي مِنَ المُسلمين} » .

(1)

«لطائف المعارف» (ص 175-176 - ط. ياسين السواس) ، ونقله عنه عبد الرحمن ابن إبراهيم الدمشقي في «حدائق الإنعام» (ص 114) .

(2)

«لطائف المعارف» (ص 174) ، ونقله صاحب «حدائق الإنعام» (ص 114) ، ثم أورد ابن رجب بعد ذلك مقولة أبي أمامة «لا تقوم الساعة حتى ينتقل خيار أهل العراق إلى الشام» .

ص: 473

وقال بعد جملة أخرى من الأحاديث والآثار: «فهذا كله يدل على أن خيار الناس في آخر الزمان مهاجرون إلى مُهاجَر إبراهيم عليه السلام؛ وهي الشام طوعاً، فيجتمعون فيها» (1) .

ولذا استحبّ الإمام أحمد سكنى الشام عند الفتن.

قال إبراهيم بن هانئ في «مسائل أحمد» (1/150 رقم 472) :

«سئل عن الرجل إذا كره ما هو من مسكن بأرض، فإلى أين ترى له أن ينتقل؟

قال: إلى المدينة.

قال له: فغير المدينة؟

قال: مكة.

قيل له: فغير مكة؟

قال: أما الشام إلى دمشق؛ لأنها يجتمع إليها الناس إذا غلبت عليهم الروم» .

وفي رواية المروزي التي نقلها الخلال في «الجامع» (2)، قال:

«الشام، والشام أرض المحشر. ثم قال: دمشق؛ لأنها يجتمع إليها الناس إذا غلبت عليهم الروم» .

ونقل أبو طالب عن أحمد قريباً من ذلك، وزاد أبو طالب:

«قلت له: فأصير إلى دمشق؟ قال: نعم. قلت: فالرملة؟ قال: لا؛ هي قريبة من الساحل» .

(1)«فضائل الشام» (ص 114) .

(2)

وعنه ابن رجب في «فضائل الشام» (ص 39-40) ، وجميع الروايات الآتية عن أحمد فيه.

ص: 474

ونقل حنبل عن أحمد، قال: إذا لم يكن للرجل حرمة، فالسّاحل والرباط أعظم للأجر، يردُّ عن المسلمين، والشام بلد مبارك.

ونقل أبو داود (1) عن أحمد أنه قيل له: هذه الأحاديث التي جاءت: «إن الله تكفل لي بالشام وأهله» ونحو هذا؟ قال: ما أكثر ما جاء في هذا! قيل له: فلعله في الثغور (2) ؟ قال: لا. وقال: أرض بيت المقدس أين هي؟ «ولا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق» ؛ هم أهل الشام.

ونقل يعقوب بن بُخْتان، قال: سمعت أبا عبد الله -يعني: أحمد- يقول: كنت آمر بحمل الحريم إلى الشام، فأما اليوم فلا.

ونقل مُهَنّا وبَكر بن محمد وأبو الحارث عن أحمد نحوه، وزاد في روايتهما: قال: لأنّ الأمر قد اقترب.

زاد مُهنّا: قال: أخاف على الذّريّة من العدو.

وقال جعفر بن محمد: سألت أبا عبد الله عن الحُرمة: قلت: دمشق؟ فأعجبه ذلك، وأحسبه قال: نعم.

ونقل حنبل: قيل لأبي عبد الله: فأين أحبُّ إليك أن ينزل الرجل بأهله، وينتقل؟ قال: كلُّ مدينةٍ معقلٌ للمسلمين؛ مثل دمشق.

(1) في «مسائل أحمد» (ص 228 - ط. محمد رشيد رضا) .

(2)

المراد بالثغور: أطراف البلاد الإسلامية المواجهة لدار الحرب، المعرّضة للغزو في كل وقت، فالواجب أن يقيم بها المرابطون المستعدون للدفاع عنها، دون النساء والأطفال الذين يُخشى عليهم السبي، ودليل ذلك: ما أخرجه عبد الرزاق (5/162 رقم 9250) ، وأبو عبيد في «غريب الحديث» (3/325) بسند حسن عن عمر، قال:«فرِّقوا عن المنيّة، واجعلوا الرأس رأسين، ولا تُلِثُّوا بدار معجزة، وأصلحوا مثاويكم، وأخيفوا الهوامَّ قبل أنْ تخيفكم» .

والشاهد منه: قوله: «ولا تلِثُّوا -وتحرف في مطبوع «المصنف» إلى: «تلبثوا» ! فليصحح- والإلثاث: الإقامة، قال أبو عبيد: أراد الإقامة بالثغور مع العيال، يقول: ليس هذا بموضع ذريّة، فهذا هو الإلثاث بدار معجزة» .

ص: 475

قال أبو بكر الخلال: كل ما ذكروه عن أبي عبد الله -يعني: أحمد- من معاقل المدن، ثم ذكرهم عنه -أيضاً-؛ فهذا لما يبلغه من الحوادث، فأما ذكرهم عنه دمشق فهي عنده معقل دون الشام ودون غيرها، إلا ما ذكر في أول الباب من محبته المدينة على غيرها. انتهى.

وحاصل ما نقل عن الإمام أحمد: أنه يَستَحِب سكنى الشام، والانتقال بالذرية والعيال إلى معاقلها؛ كدمشق، وأما أطرافها وثغورها القريبة من السّواحل فلا يستحب سكناها بالذرية؛ لما يُخشى عليهم من إغارة الكفار، وإنما يَستحب الإقامة بها للرِّباط بدون نقل النساء والذرية.

وكل ما كان من بلدانها أقرب إلى السواحل، وأشد خوفاً، فإنه يكره نقل الذرية إليه.

وأما الأحاديث في فضائل الشام فلا تختصُّ عنده بثغورها، بل هي عامة لجميع أرض الشام؛ كبيت المقدس وما والاه، ودمشق وغيرها. والله

-تعالى- أعلم (1) .

ويلاحظ أنّ الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- كان في العراق عند سؤال السائل له عن التحوّل، فأرشد إلى الشام، هذا في زمنه، فما بالك في هذا الزمان؟ فماذا نقول؟ ولا سيما عند سؤال إخواننا العراقيين من أهل السنة والحديث لنا، وهم الغريبون -حقّاً- في الديار، وفي الظاهر (2) ، غير القادرين على ذكر أسماء أئمة الدين والهدى (3) في دروسهم ومساجدهم، فضلاً عن

(1)«فضائل الشام» (46) لابن رجب.

(2)

أعني: هديهم الظاهر من اللحية واللباس، وهي عبارة تكثر دورانها على ألسنة النبهاء من طلبة العلم منهم، ولعل ذلك زال باحتلال أمريكا ديارهم! ولكنهم مع تمكنهم من إقامة هديهم الظاهر؛ إلا أنهم ضاقت الأرض بهم، وكادوا أن ينكروا أنفسهم، حسرة وكمداً، فاللهم! فرِّج عنهم ما هم فيه.

(3)

مثل أئمة الإسلام، وشيوخه العظام: ابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب،

وابن باز، والألباني، وابن العثيمين رحمهم الله جميعاً، ورفع درجاتهم، وألحقنا بهم في الصالحين-.

ص: 476

تداول مصنفاتهم، ونشر اختياراتهم، ليقع التواصي بالحق والصبر، الذي عليه -مع الإيمان والعمل الصالح- مدار النجاة، والله الهادي إلى الصالحات، والموفق للخيرات.

ص: 477