المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثالثا: تتابعت غزوات التتار - العراق في أحاديث وآثار الفتن - جـ ١

[مشهور آل سلمان]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌فصلفي بيان أنّ العراق تهيّج منها الفتن،وصلتها بأهمّ فتن هذا العصر

- ‌ طرق في ألفاظها نُكْرة

- ‌ أحاديث أخرى وقع التصريح فيها بذكر العراق، وأن الفتن تهيج منها، أو تكون فيها، وفي أسانيدها ضعف:

- ‌فصلفرية وردّها

- ‌فصلالفتن تموج موج البحر

- ‌فصلضروب الفتنة

- ‌الضرب الأول: لا ينفك عن الإنسان في أي مكان أو زمان كان

- ‌الضرب الثاني: الفتن التي تموج موج البحر

- ‌فصلزمن الفتنة (نشأتها، اشتدادها، آخرها)

- ‌فصلالخوارج والعراق

- ‌فصلاستمرار خروج الخوارج ووصول فتنتهم إلى كل مكان

- ‌فصلالخروج في عصرنا

- ‌فصلمظاهر الخروج الجديد ونواره الذي لم ولن يعقد

- ‌فتنة جهيمان والحرم المكي

- ‌فصلفتنة حماة

- ‌فصلفتنة الجزائر المتولّدة عن الخروج الأول في العراق

- ‌ فتنة الجزائر وجبهة الإنقاذ الإسلامية

- ‌مما زاد وَحَل هذه (الفتنة) :

- ‌فصلالتباس (الثورة) بمفهوم الجهاد

- ‌فصلالفرق بين المطلوب الشرعي وواجب الوقتوما عليه أصحاب الثورات والانقلابات ودعاة الخروج

- ‌فصلالفتن في كل زمان حسب رجاله

- ‌فصلاشتداد الفتن مع مضي الزّمن

- ‌فصلحرمة التشبه بأهل العراق في خروجهم الأول

- ‌فصلالفتنة وكلت بثلاث

- ‌فصلكلام جملي عن محور الفتنة وثمرتها ووقتهاومادتها ووسيلتها ووقت اشتدادها

- ‌فصلمكان الفتنة

- ‌فصلرد شيخنا الألباني لفرية (نجد) التي يطلع منها قرن الشيطانهي دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى

- ‌فصلالعراق والفتنة وإبليس

- ‌فصلفي تخريج حديث: «منعت العراق

- ‌فصلفي ألفاظ الحديث

- ‌فصلفي غريبه

- ‌فصلتنبيهات مهمات

- ‌فصلتبويبات العلماء على الحديث

- ‌ تبويبات المخرجين له:

- ‌ معرض الاستشهاد

- ‌فصلتعليقات وإيضاحات على حديث: «منعت العراق

- ‌فصلفي بيان معنى (المنع) الوارد في الحديث

- ‌فصلفي بيان الراجح في معنى (المنع) الوارد في الحديث عند الشراح

- ‌فصلفي سياق قول جابر وتخريجه

- ‌فصلفي سياق كلام العلماء في تحديد من هم المانعون

- ‌فصلفي سياق كلام أبي هريرة رضي الله عنه

- ‌الإشكال الأول: كيف يقال عن حديث مسلم الذي فيه «منعت العراق…» متفق عليه

- ‌الإشكال الثاني: كيف يقال عن لفظ مسلم: متفق عليه

- ‌فصلفي سياق الألفاظ وما يشهد لها من الآثار

- ‌فصلفي بيان أن المراد بالأخبار السابقة أكثر من حادثة

- ‌فصلفي أحاديث الترك وإخراج أهل العراق

- ‌الحديث الأول: حديث بريدة بن الحصيب

- ‌ الكلام على إسناد حديث بريدة

- ‌الحديث الثاني: حديث معاوية بن أبي سفيان

- ‌الحديث الثالث: حديث أبي بكرة نُفَيع بن الحارث بن كَلَدة

- ‌ الكلام على إسناد حديث أبي بكرة

- ‌ هل الحديث منكر

- ‌ ثلاث ملاحظات مهمات، وكليّات معتبرات، وإفاضات وإضافات:

- ‌ شواهد بمعانٍ مقاربة من المرفوع والموقوف

- ‌فصلفي وصول الشر والفتن آخر الزمان كل مكان

- ‌الأول: كثرة الخير الذي ظهر من الشام في زمن عمر للمسلمين

- ‌الثالث: الفتن ظهرت في زمن الصحابة

- ‌الرابع -وبيت القصيد-: إن الفتن آخر الزمان ستشتد

- ‌فصلفي الأخبار السابقة، هل مضت وانتهت

- ‌فصلفي فتنة التتر والمغول

- ‌من الجدير بالذكر هنا أمور:

- ‌أولاً: وردت في بعض الحوادث صفاتٌ تأذن بأن بعض الآثار المتقدم ذكرُها إنما هي في هذه الفتنة

- ‌ثانياً: وقعت حوادث كثيرة قبل الاجتياح المذكور لبغداد

- ‌ثالثاً: تتابعت غزوات التتار

- ‌خامساً: حمل بعض شراح الحديث ما حصل من التتار على أنهم هم يأجوج ومأجوج

- ‌فصلحصار العراق الاقتصادي

- ‌أولاً: تبويبات بعض العلماء

- ‌ثالثاً: المتمعن في الكلام السابق يجد أن القائلين بأن الأمر قد ظهر تتفاوت أزمانهم

- ‌رابعاً: في الحديث ما يشير إلى هذا التكرار

- ‌فصلالمدينة النبوية ونصيبها من الفتن

- ‌فصلفي معنى قوله صلى الله عليه وسلم «وعدتم من حيث بدأتم»

- ‌فصلفي خروج خيار أهل العراق منها

الفصل: ‌ثالثا: تتابعت غزوات التتار

قامت الدنيا مثلُه (1) ، وقُتل الخليفةُ، وإن كان وقع في الدنيا أعظمُ منه إلا أنه أضيف له هوانُ الدِّين والبلاءُ الذي لم يختص، بل عمّ سائر المسلمين، وهذا أمرٌ قدره الله -تعالى-، فثبّط له عزم هذا الخليفة، ليقضِيَ الله ما قدره» .

ثم ذكر ما حصل للمسلمين في الشام، ومما قال:

«وشمخت النصارى بدمشق، وصاروا يرفعون الصليب، ويمرون به في الأسواق، والخمر معهم يرشُّونه على المساجد والمصلين، ومن رأى الصليب ولا يقوم له عاقبوه» (2) !

‌ثالثاً: تتابعت غزوات التتار

الذين أسسوا لهم عدةَ ممالك في بلاد الهند وبلخ وبخارى وغزنة والعراق، وصار منهم عدة ملوك فيها، ثم كان منهم ذلك الطاغية الجبار (تيمرلنك بن أيتمش) الذي ولد سنة (728هـ) بقرية تسمى (خواجا أبغار) من عمل (كش) إحدى مدائن (ما وراء النهر) ، وهي تبعد عن سمرقند يوماً واحداً، وأمه من ذرية (جنكيز خان) اللعين، وكان منه ما كان في طروقه لبلاد العراق وبلاد الدولة العثمانية، ثم البلاد السورية، وكان منه فيها ما كان، وذلك في سنة (803هـ) ، ثم هلك في سنة (807هـ)(3) .

رابعاً: الناظر في كتب التأريخ، ولا سيما في الغارات التي حصلت سنة (803هـ) ، وقبل ذلك بقليل على بلاد المسلمين؛ يعلم علم اليقين أنها أخت الغارات التي تحدثنا عنها سابقاً، والتي كانت سنة (656هـ) وسنة (658هـ) ؛ لأنها أتمَّت تخريب هذه البلاد، وتقويض عمرانها، والقضاء على مدنيتها الزاهرة، والمدارس والعلوم التي كانت مشيّدة وزاخرة فيها.

وهذا تفصيل للخطيب الجوهري علي بن داود الصيرفي في كتابه «نزهة

(1) ترى ماذا سيقول لو رأى ما رأيناه، وسمع ما سمعناه؟!

(2)

(8/276) .

(3)

انظر: «شذرات الذهب» (7/62-67) .

ص: 403

النفوس والأبدان في تواريخ الزمان» (1) قال تحت (فصل: فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة بعد الثمان مئة) مفصلاً ما وقع ببلاد المسلمين آنذاك من قبل (تيمورلنك) ، أسوقه على طوله، وهو لا يَقِلُّ عما أوردناه سابقاً من أمر (التتار) ، وفي عباراته تألمّ وتوجّع واستشهاد بأشعار، وبعرضه على ما سمعنا ورأينا في بعض ديار المسلمين، نقول:(التاريخ يعيد نفسه) ! ولا قوة إلاّ بالله، وإليه المشتكى.

وهذا نص كلامه، مقتصراً على ما وقع بالمسلمين في اختلاف أمصارهم، قال:

«وفي يوم الإثنين التاسع منه، حضر طغيتمر مقدم البريدية من الشام، وأخبر بأنّ تمرلنك قد أخذ سِيواسَ في آخِر السَّنةِ الماضِية، وأنّه قاصدٌ مملكة الشَّام، وكان تمرلنك قد جاء على سيواس من ناحية تبريز وأقامَ عليها وحاصَرها أشدَّ المحاصرة، وأذاقَ أهلها أشد العذاب، وفيها نائبٌ من جهة ابن عثمان يُسمَّى: أمير مصطفى، ومعه من العساكر ما يزيدُ على عشْرةِ آلاف نفر، ولم يُفد هؤلاء شيئاً، فآخر الأمر مُسِك نائبُها، واستَوْلى تمرلنك عليها، وقتل من أهلها ما ينوفُ على ثلاثة آلاف نفْس، وأخرب أسوارها، وحرقَ بقاعها، وأزالَ بهجَتها، وبدَّد جمعها، وفرَّق شملها، وأفسدَ عسْكَرُه فيها مفاسد عظيمةً، من نهبِ الأموالِ، وسفْكِ الدماء، وسبي الحريم، وأسر الأطفال، فأقاموا عليها نحوَ شهر أو فوقه وهم يفسدون، وفي أرجائها يعيثون.

ثم رحلوا منها وجاءوا على لارندة والبلستين، وأفسدوا فيها فساداً لا يُعدُّ ولا يُحْصَى.

ثم توجهوا إلى مَلْطية، ودخلوا فيها وأفسدوا فيها وعتَوْا عُتُوّاً كبيراً، بعد أن أقاموا عليها فوق عشرة أيام.

(1)(2/71-72) .

ص: 404

ثم رجعوا منها وتوجهوا إلى بهسنا، وهم يفسدون في كل موضع ينزلون فيه، وفي أطراف كل بقعة وأرجائها، وأثناء كلِّ طريق وأنحائها، بحيث لم يَسلمْ منهم مقيم من أهل الحضر، ولا مسافرٌ من أهل الخبَا والوبَر، إلى أن نزلوا على بهسنا وأطرافها وأذاقوا أهلها العذاب من أوضاعِها وأشرافِها، وأفسدوا فيها فساداً عظيماً، وبغَوْا على أهلها بغْياً جَسيماً.

ثم رحلوا عنها بعد أن أقاموا عليها عشرين يوماً متوجهين إلى مدينة عينتاب، موصلين إلى أهل تلك البلاد من أنواع العذاب، فقدِمُوا عليها وأخرَبوا دُورها، وأحرقُوا أسواقها، وهدّوا أبراج قلعتها.

ثم رحلوا منها -بعد أن أقاموا عليها أربعة أيام- متوجهين إلى حلب، طالبين لأهلها جميع الشرّ والنّصَب، وكل ذلك في أوائل السنة» .

وقال في (2/74-77) تحت عنوان (ذكرُ مجيء تمرلنك على حلب وأخذها) :

«بتاريخ الحادي والعشرين من ربيع الأول، وصل بَريديٌّ من الشام إلى الأبواب الشريفة، وأخبر بأنَّ تمرلنك حضر إلى حلب، واحتاط بها يوم الخميس الحادي عشر من ربيع الأول، معه العساكر ما لا يحصيهم إلا الله عز وجل من سائر الطوائف: من الخراسانية، والسَّمْرَقندية، والقحطانية، والمغل، والتراكمين، وغيرهم من المفسدين والكفار ما لا يَعرِفون اللهَ

-تعالى- ولا رسوله، فنزلوا على حلبَ وأرجائِها، واشْتملُوا على أطرافها وأنحائها، بحيثُ صارَت بقعةُ حلبَ الشهباء مظلمةً كالليلة الدهماء، فَخرَجَتْ من العساكر المنصورة طائفةٌ بمثلها مقرونة، وتقاتلوا مع طلائعهم المفسدة، فتحاربوا وتشاجروا، وتخابطوا وتعابطوا، وتراموا بالحجارة والنبال، وتقابلت النساءُ والرجالُ، وارتفعت الأصواتُ كما يلبي العُمّار والحجيج، وجُرحَتْ ناسٌ كثيرون، وسُفكت دماءٌ غزيرة، فافترقوا على ذلك، وخواطِرُ المسلمين في همٍّ وغمٍّ من ذلك.

ص: 405

ولما كان يوم السبت الثالثَ عشَر من ربيع الأول، ركبَتْ عساكرُ تمرلنك وتكردسوا على المسلمين وركسوا، وصبرَ المسلمون على ذلك صبراً عظيماً، وابتُلُوا بلاءً مبيناً، ثم ضعُفَت قلوبُهم وبالهُم، وتشتّت شملهم وتلاشَت أحوالهُم، إلى أن ولَّوا مدبرين، وطلبوا أبواب المدينة هاربين، فتزاحموا على الدخول في الأبواب، حتى هلكَ خلقٌ كثيرٌ على الأعتاب، ووقع في المدينة الهرجُ والمرج، وارتفعتْ أصواتُهم بالنَّوح والضجّ، واجتمعت نساؤهم في الجامع الكبير، وتزاحم الكبير على الصغير؛ فكأنهم وقد نفخ فيهم الصور، وحُشروا إلى يوم النشور، فبينما هم في هذه الداهية الدهماء، وإذا هم بالتمرلنكية لحقوهم بالسيوف السود، وركبوا أقْفِيتهم إلى أنْ دخلوا مدينتهم، فتفرقوا في أزقَّتها وهم ينهبون، وشرعوا يقتلون ويأسرون، ويخربون ويحرقون، فأذاقوا أهل الشهباء من أنواع العذاب، من القتل والعصر والكي والعقاب، ولله درُّ من قال:

على حلبَ الشهباء حلّتْ مصائب

بأيدي تمرلنكَ ومغلَ وجقطاي

مِنْ آل هلاوز وباطو وجنكز

وإلغاز وقازان وبيد وطقطاي

وطوسى وخربندا وننجى وكتبغا

نويس وصمغار وقيدو وبولاي

وروس ونكداد وبلطد وطلسبا

وطولوا وسور وزيخى ونوغاي

ولم يزالوا في أزقَّتها جاثمين، وفي دماء المسلمين عائمين، فقتلوا خَلقاً لا يُحصى عددُهُم من الصغار والكبار، غيرَ من ماتَ من الأطفال تحت سنَابك الخيول من الدوس والعثار، وغير من مات من النساء في أبواب الجوامع وسوق البلاط، ومن مات من شدة الرعب وكثرة الصياح والعياط.

ثم اشتغلوا بنقْبِ القلعة وتخريبها، وصَرفِ المياه عنها وسيْبِها، وذلك بعد أن تحصّن بها أمراؤُها ونائبها، ونوابُ القلاع الشامية ممّن ذكَرناهم سالفاً، ونزل تمرلنك في السلطانية التي تجاه باب القلعة، ثم إنه أرسل للأمراء وغيرهم وغَشَّهُم، إلى أن اطمأنّوا إليه وأقبلوا عليه، فنزلوا واحداً بعد واحد،

ص: 406

فأخلعَ على بعضهم خِلَعاً ظاهُرها رضىً وصفا، وباطُنها مكرٌ وجورٌ وجَفا، فلما تمثلوا كلَّهم بين يديه، أقبل يخاطبُ كل واحد بما لَديه، ثم أشار بمسك الجميع، بعد التهديد والتقريع، وأخذ جميع ما في القلعة من الحواصِل والأموال من الذهب والفضة والقماش والسلاح والأثقال، ومسك أعيان الشهباء وقضاتِها وكبراءَها وولاتها، واستخلَص منهم أموالاً تعجز عن حصرها العقولُ والأفهام، ويَكِلُّ عن ضبطها الحِسابُ بالأقلام، وأقام عليها عشرين يوماً يسقيهم عذاباً أليماً، ويعاقِبُهم عقاباً عظيماً، فصارت الشهباءُ عبرةً للنّاظرين، وموعظةً للمتذكرين، فكأنها وقد صاح بها صائح فإذا أهلُها خامدون، ولسان حالها يقول: يا حسرة على العباد الذين كانوا بالأمس في أمن راغدين، فـ:{إنّا للهِ وَإنَّا إليهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 46] .

فصار أغنياؤها فقراءَ يسألون، وتجارُها لابسين الأجلال، والأعدال يدورون، ومخدّراتُها عارياتٍ مأسورات، ثكْلى على أولادهن مكسورات، وجوامعُها ومساجدها عن الأذان والصلاة والخُطب خاليةً، ودورُها على أرضها خاويةً، ولسانُ حالها يقول:{مَا أغْنى عَنّي مَاليه. هَلَكَ عَنّي سُلطانية} [الحاقة: 28-29] .

وقال في (2/82-86) تحت عنوان: (ذكر دخول السلطان دمشق وخروجه منها وما جرى عليه وعلى عسكره وعلى المسلمين) ما نصه:

«ولما كان بتاريخ يوم الخميس السادس من جمادى الأولى، دخل السلطان الملك الناصر وصحبته العساكر المنصورة المصريون إلى دمشق، واستقرّ ركابُه في القلعة، وكان تمرلنك قد أتى إلى تحت جبل الثلج.

وفي يوم السبت جاءت من عند تمرلنك طائفة زهاءَ عشرة آلاف فارس، ومقدّمتهم رجلٌ يقال له السلطان حسين، فتقدم إليهم من عسكر السلطان جماعة، فتقابلوا وقتلوا منهم خلقاً، فولّوا منهزمين، ولم يتحرّك تمرلنك من منزِله ذلك مدة أيام، وكان كلَّ يوم يخرج من عسكره شِرذمة إليهم ويقرُبُون

ص: 407

منهم، ثم يرجعون، ثم أرسل تمرلنك إلى السلطان فطلب منه شخصاً يقال له أطلمش، وكان الملكُ الظاهرُ قد مَسَكه وحبَسَه، واستمرَّ محبوساً بقلعة الجبل من مدَّة سنينَ، وقال:«أرسلوا إليّ هذا وأنا أرحل!» ، وذلك مكرٌ وخديعةٌ وكذِب.

ثم بعد أيام قلائل حضر للسلطان الملك الناصر حسينٌ المذكور طائعاً، وعلى رأسه تاج مرصع بالجوهر والفصوص، وهو شاب ذو صورة جميلة وقامة حسنة، فخلع عليه السلطان قباء بطرز زركش، وأنعمَ عليه بفرس بسرج ذهب وكنبوش زركش، وذكر عن تمرلنك أنه في التلاشي والهوان، ثم إنه تواخَى مع الأمير يشبك الدوادار، وقد قيل إنّ مجيئه كان بطريق النصيحة للمسلمين، والله أعلم بحقيقة ذلك.

وكان المذكورُ عند تمرلنك من الأمراء الكبار ومعه حاشيته فوق ألف نفس، وكانوا كلُّهم ينتهزون الفرصة للهروب والمجيء عند السلطان لأجل مخدومهم حسين، وكان ما تهيّأ لهم ذلك بسبب هروب العسكر المصري.

ثم بعد أيامٍ قلائل رحل تمرلنكَ من منزلته تلك وأخذ ناحية شُقحب من فوق جبل الكسوة، فلما رأت العساكرُ المصريةُ ذلك طمعوا فيهم وقالوا إنه يريدُ الهرب، فقام جماعةٌ من الأمراء وبرزوا إليهم حتى عدوا جسر الكسوة، وكان تمرلنك قد أكمن جماعة كثيرة وراء الجبل، ولم يظهر للمصريين منهم إلا أناسٌ قلائل، فهزت أنفسَهم أريحيَةُ الشجاعةِ، فحملوا عليهم، فعند ذلك ظهرت أناسٌ مثلُ قطع الليل المظلم، كردوساً بعد كردوس، وصفّاً بعد صف، إلى أن هجموا على المسلمين، فلما رأى المصريون ذلك شرَعوا في تولي الأدبار، ونوَوا الهروب والفرار، فرجعوا وهم يقاتلون مدافعةً عن أنفسهم، ولم يزالوا على ذلك إلى أن تفرقوا كلُّهم شغر بغَر، ودخلوا المدينة متفرقين، وقد أُخذَ منهم بعضُ ناسٍ من ورائهم ممن كان فرسُه ضعيفاً، وقُتِل من عسكر تمرلنك جماعة، ولم يزل عسكر تمرلنك في السوق وراءهم إلى أن وصلوا

ص: 408

قريباً من قبَّة يلبغا الخاصكي، فنزلوا تحت جبال الكسوة مد البصر، فلما أظلم الليل أوقدوا نيراناً عظيمة، بحيث أوقعوا في قلوب الناس رعباً عظيماً.

فلما أصبحوا اصطفَّ الفريقان وتجهزوا للقتال، وكان ذلك يوم الخميس العشرين من جمادى الأولى، فقام تمرلنك وصفّف عسكره مدَّ البصر فوق سبعين صفّاً، واصطفت المصريون كذلك، وجعل الأمير نوروز الحافظي رأس الميمنة، ويشبك الدوادار رأس الميسرة، والسلطان واقف في القلب، فوقع بينهم بعضُ القتال من أطراف الطرفين، ولم يزالوا على ذلك إلى آخر النهار.

ثم وقع بين المصريين هرْج عظيم؛ لما قيل: إن بعض الأمراء الخاصكية قد هربوا من دمشق طالبين الديار المصرية، وكثر الكلامُ والقيل والقال، حتى وقع في قلوب الناس رعبٌ عظيم وخوف جسيم.

ولما كان نصف الليل -ليلة الجمعة الحادي والعشرين من جمادى الأولى- خرج السلطان وصحبته بعضُ المماليك، ويشبك الدوادار والأمير أقباي وقطلوبغا الكركي، فأخذوا طريق بعلبك، وساقوا من فوق جبل الثلج على طريق عكا، ولم يلتفتوا وراءهم، فعند ذلك وقع الجفل بين الأمراء المصريين، فلما تواترت الأخبار بذلك نهض كل منهم وساق، ولم يتخلف أحد من الأمراء الكبار والصغار إلا أربعةُ أنفس من العشرات؛ وهم: سودون البجاسي، وألطنبغا الحبشي، وآقبغا رأس نوبة، ومصطفى بن تكا.

ثم حضروا بعد أيام كثيرة ما خلا مصطفى المذكور، فإنه لحق بتمرلنك، وتخلفت غالب المماليك السلطانية هناك متفرقين، ولم يجىءْ في صحبته غير مقدار خمس مئة نفس من مماليكه ومماليك الأمراء، والجميع تركوا الخيول والهجن والجمَال والأسلحةَ والأثقال والخيام والبغال وسائر الأصناف من الذهب والفضة والدروع وغير ذلك، حتى ذكِر أنّ جملة ما خلفوه من الخيول ما يقاربُ ثلاثين ألفَ رأس، ومن البغال ما يقارب عشرين ألف رأس، ومن الجمال ما يقارب خمسين ألف رأس، ومن الهجن ما يقارب عشرة آلاف

ص: 409

رأس، ثم إنهم قاسَوْا في الطريق من التعب والنصب والخوف والجوع والبرد ما لا يوصف، حتى ذكر أن منهم من أصبح صائماً ثلاثة أيام ولا يجد غير الماء، ومنهم من كان يأكلُ العشب والكلأ، ومنهم من مشى حافياً عارياً حتى تورمت قدماه، وغالبُهم قلعُوا دروعهم ورموها حتى أخذها العشير، وذكر أن منهم من حل سيفه ورمى به، ثم كلُّ من سمع من المماليك المتخلفة أن السلطان أخلى دمشق وطلب الديار المصرية ترك ثَقَله وخرج طالباً متوجهاً إليهم، فمنهم من أُسِر ومنهم من عُرِّي، وما عُرِّيَ أكثرهم إلا العشير من جبال صفد واللجون وقاقول وغير ذلك.

واختلفت طرقُهم؛ فمنهم من جاء من عقبة دمر، ومنهم من جاء من عكّا، ومنهم من جاء من وادي التيم، ومنهم من ركب البحر المالح من طرابلس، ومنهم من ذهب إلى ناحية حلب، ومنهم من ذهب إلى ناحية السواحل، ومنهم الأمير آقبغا الجمالي والأمير دمرداش نائب حلب، وتفرقت العساكر شَغَر بَغَر.

ولم يزل كلُّ يومٍ كان يدخل القاهرة جماعة من المماليك المسلحين بعد أخرى إلى أكثر من شهرين؛ فمنهم من جاء ماشياً وقد ورمت رجلاه، ومنهم من جاء راكباً على حمار، ومنهم من جاء على الجمال وعلى رؤوسهم الزموط الدنسة العتيقة، وعلى أكتافهم اللبابيد الدنسة المهرية، والبُسُط العُتُق، وكلٌّ من المذكُورين يذكر عن أفعال العشير أنها أنجس من أفعال تمرلنك في حق المسلمين، فإن عسكر تمرلنك -مع ما فعله قاتله الله- كانوا يشفقون على أسراهم بشيء من القُوت والكِسوة، بخلاف العَشير، ولا سيما في تلك الأيام الباردة، أيام الثلج والمطر والصقعة، مع الجوع والخوف الزائد» .

وقال في (2/87-94) تحت عنوان: (ذكر استيلاء تمرلنك على دمشق وما أفسده فيها لعنه الله) ما نصه:

«لما أخْلت العساكرُ المصريَّة مدينة دمشق في التاريخ الذي ذكرناه،

ص: 410

استولى تمرلنك بعسكره عليها، ونزلوا في حواليها.

وفي يوم الجمعة الحادي والعشرين صبيحة الليلة التي رحل فيها السلطان، نهض الشاميون وقاتلوا مع عسكر تمرلنك قتالاً عظيماً، فقُتل منهم ناسٌ كثير، فلما كان يوم الإثنين الرابع والعشرين من جمادى الآخرة ملَك تمرلنك دمشق وفتحوا الأبواب، وولى على كلِّ باب شِحْنَةً، ونادى بين الناس بالأمان والاطمئنان حتى سكن أهل المدينة، وكلُّ ذلك مكر منه وحيلة وخبث وخديعة، ثم شرَع في حصار القلعة، ونصب عليها مجانيق (1) من نواحيها، فنصبوا منجنيقاً في وسط جامع بني أمية وقفلوا أبواب الجامع، ولم يُصَلَّ فيه الجمعةُ بعد دخول تمرلنك الشام إلا مرة واحدة، ونصبوا منجنيقاً آخر في ناحية حكر السماق، وآخر في ناحية الصالحية، وآخر في ناحية العقَبة، وآخر من ناحية التربة، ورسم بالنُّقوب، وصرف ماء الخندق، فنقبوا إلى أن علقوا البرج الذي عليه الطارمة وهدّوه، وزحفوا زحفاً عظيماً، فقُتل من جماعة تمرلنك خلق كثير تحت الردم، ثم لم يزل أهل القلعة في رمي المكاحل والمدافعِ والحجارةِ والقتال ليلاً ونهاراً مدة شهر، ثم لما تعبوا وضجروا وخافوا على أنفسهم لعدم من يساعدهم سلموا، فتسلَّمها تمرلنك يوم الجمعة الحادي والعشرين من رجب، فولى فيها شِحْنةً من جهَته، ومسَك جميعَ مَن فيها ونائِبَهم معهم، وهو الأمير يزدار، وقيّدهم ولم يقتل أحداً منهم.

ثم شرع في أخذ أموال الناس، فحوّل من القلعة أموالاً لا تُعدُّ ولا تحُصى ولا تحُصر، ما بين ذهب وفضة وقماش وسلاح وأثاث، وغير ذلك من أموال الشاميين والمصريين.

ثم إنه باع دمشق لأهلها ثلاث مرات، في كل مرة بجملة مستكثرة من الذهب والفضة،

» ، قال:

(1) في الأصل: «مناجيق» !

ص: 411

«ثم إنه رسم بهدِّ القلعة فهُدمَتْ وهدُّوا معها جامعَها، الذي تحيَّرت العقول في تكْوينه وكُنْهه وحُسنه، الذي لم يكن فيه عَيبٌ سوى أنه لم تَقَع العيونُ على نظيره، ولله درُّ مادِحه، فقد أجادَ في المقال:

دمشقُ لها مَنْظرٌ فائق

وكلٌّ إلى وصْلِهَا مائِقُ

وكيفَ تُقَاسُ بها بلدةٌ

أبى اللهُ والجامِع الفارقُ»

ثم فصَّل في ذكر محاسنِ جامع دمشق، وما قيل فيه، وقال بعد ذلك:

«فبينما المدينة بجامعها على هذه الصفة البهية، إذ وردت عليها الطغاة من التمرلنكية، فأزالوا بهجَتها بالهدّ والنيران، وغيّروا رسومها وآثارها من العمران، فصارت النيران كأنها قد نشرت في مدد الطعام ومعصفرات عصائبها، وصعدت إلى عنان السماء عذباتُ ذوائبها.

ذوائبُ لجتْ في عُلُوٍّ كأنمَّا

تُحاولُ ثأراً عنِد بعضِ الكَواكب

وعلَتْ في الجوِّ كأنّها أعلامُ ملائكة النّصر، وكان الواقف في الميدان يراها وهي ترمي بشرَر كالقصر، فكَم زخر لذلك الدخان جاثيةٌ، وكم نفْسٌ كانت في النزعات وهي تتلو:{هَلْ أتَاكَ حَدِيْثُ الغَاشِيَة} [الغاشية: 1] ، ولم تزلِ النارُ تأكلُ ما يليها، وتُفْني ما يُشعِلُها ويقليها، إلى أن شملَت على دُورها ومدارسها، وعلَتْ على أسواقها ومجالسها، فكادت تكون كنار القيامة، وقودُها الناسُ والحِجارة، وأصبحَ بابُ الساعات وهو من آيات الساعة، وخلت مصاطب الشهود من السُّنَّةِ والجماعة، وأصبحَت الدْهشَة وقد آل أمرُها إلى الوَحْشَة، كأن لم يكن بها شهيد ولا شهود، من ثيابها وقماشها جبة وحرير، وأصبحت الميادين وقد صارت كالعِهن المنفوش، ومحُيَتْ بأيدي النار سطورُ كلِّ جامٍ منقوش، وأصبح أصحابها كالحمام ينوح على أقفاصها، وتودُّ اللآلىء أنها لم تخرج إليهم من مغائصها، فما منهم إلا ربُّ نعمة سُلبت، وأصبح بعد الجديد في خَلَق، وغنيّ أمسى فقيراً يكدى في الخلق، ولله در الشاعر الماهر:

ص: 412

حريقُ دمشقَ قَدْ بدا لعَيانِ

ليُظهر لي عِنْدَ البيانِ معاني

غدَتْ نارهُ في الجوِّ تعلُو وَتَرْتَقي

كأنّ لها عندَ النُّجوم أمَاني

ولو لمَ تكُنْ نارُ الأعَادِي لما غَدَتْ

وخَبآتُها بادٍ لكلِّ بنَان

ولا صبَغَتْ بالزعفران قميصَها

سروراً بها ولا طارَتْ بكل لسان

فيا لَسيوف المكفن كيف باد، وفتتت به الأكباد، وأين بأسُه الشديد، ومنافعه التي لا تبيد، وبالسيوف الخيم كيف ذهب، وعدم النصر على الكافرين فتَبَّتْ يدا أبي لهب، لقد تمسكت النارُ بأطْنابه وتجلّدَ بها، والنار تحت ثيابه وياما حصل لها ولأهلها، من ضرْبٍ بسِياط كَشَطَ غِلَظَ جِلدِهم، وأوْهى قُوى شجاعتهم وجلَدهم، كم فيه من أَسوَدِ اللحية فتَق جلدَه الشيبُ، وخُطّ على جنبه ما كان مخبوءاً له في الغيب، وكم من عالم في الذل بالهزء واليد، وكم من تاجر يقاد وهو في قيد، وكم من شاب يستَغيبُ وهو ينقلُ التراب، وكم من شيخ يصيح وهو في العِقَاب، وكم من صغير تحت سنابك الخيل طريحٌ، وكم من فقير من الجوع يصِيح، وكم من بِكر قد أزيلَت عذرَتُها، وكم من مخدَّرة قد هُتك سِترها، وكم من غنيّ كان يُطعم الناسَ ويعطيهم، فصار اليوم يسألُ الناسَ ويسْتَعطِيهم، وكم من عزيز وصاحبِ رفْعَة وشأنٍ، صار اليوم في قهرٍ وخذلان، فصار أهلُها ما بين كسير وطريح، وأسير وجريح، فصاروا كبني إسرائيل في القضايا، سُلِّطَ عليهم أنواعُ البلايا، قهرُ تمرلنك وأسرُه وخرابُ الدور والبقاع، ووقوعُ الحريق في الأصقاع، وسبْيُ الحريم والأطفال، واستِعباد النساء والرجال، والغلاءُ المفرِطُ الشامل، والبردُ والثلجُ والمطر النازل.

ثم بعد ذلك كلِّه جرادٌ منتشر وموت ذريع، وخوف مستمر وضَنْكٌ منيع، آيات بينات فيها عبر وتنبيه، ولم تزل دمشقُ ترى أموراً عجاباً، ولسان حالها يقول:{يا لَيْتَني كُنتُ تُرَاباً} [النبأ: 40] ، فَلَعِبَتْ فيها التمرلنكية يميناً وشمالاً، في أرضها: وهاداً وجِبالاً، ولم يزل خيلُهم ورَجِلُهم تركض من باب الشَّهباء،

ص: 413

إلى جسر الحديد، ومن جسر الحديد إلى جسر الشريعة الزهراء، إلى أن خرجوا في أوائل شعبان، بعد أن أخربوا العمران، وهدُّوا البنيان، فصارت أسوارُها كيماناً سوداً، ينعِق عليها غربانها جُرْداً.

ولما رحلوا أخذوا معهم غالب النساء الجميلة والجواري والعبيد والطواشية والصناع الحذاق من كل طائفة، وذهب معهم قاضي القضاة محيي الدين محمود ابن القاضي نجم الدين الحنفي وأخوه بهاء الدين محمد الشهيران بابني الكشك.

فلما قربوا من حلب جاء إليهم من كان تمرلنك خَلفَهُم فيها لحماية الأموال التي أخذوها، وهم ثلاثة آلاف نفس أو يزيدون، وذلك بعد أن أخربوا قلعة حلب، فأَرَمُوا أبراجها وأسوارها في الخندق.

ثم اجتمعوا وعدَّوْا من جسر البيرة، ولم يتعرضوا لنائبها وهو الأمير ناصر الدين محمد بن شهرى يُعرَفُ بصرق سيدي، وذلك لإظهار الطاعة إليهم، فقرره على أنه نائب غزة.

ثم ذهبوا وأخذوا طريق ماردين، فلما وصلوا إليها نازلوها واستنزلوا صاحبها وهو الملك الظاهر مجد الدين عيسى، وكان قد تحصن بقلعتها، فلم يسمع منهم ولا أصغى إليهم، فأقاموا مدة عشرين يوماً.

ثم لما رحلوا، أمرهم تمرلنك بتخريب المدينة فأخربوها كلها وطمّوا آبارها، وقلعوا أشجارها، وجعلوا أعاليها أسافِلَها، ولقد أخبر من الثقات جماعةٌ أنّ تمرلنك لما وصل إلى حلب وقرر رجوعه، أرسل شرذمة وراء طائفة من التركمان يقال لهم ابن كُبْك -بكافين أولاهما مضمومة، بينهما باء موحدة ساكنة-، وكانوا نازلين عند عينتاب من ناحية الشمال فناجزوهم بالكبس، وأخذوا أموالَهم وحريمَهم وأغنامَهم وجِمالَهم، وخلّوهم على الأرض السوداء.

ص: 414

ثمّ لما رجعوا دخلوا عينتاب مرة أخرى، وأخذوا كل امرأة جميلة فيها، وما ظفروا به من الأموال والأطفال، بل أخذوا مثل الزبيب ومثل الدبس ومثل الأرز، ونهبوا الأسواق، ثم لحقوا بتمرلنك، فعند ذلك وصلت غرارة القمح في دمشق إلى ثلاثةِ آلافِ درهمٍ فِضّةً، والغرارة ثلاثة أردَابٍّ مصرية، ووصلت كلُّ عَليقَةٍ إلى نصف دينار أو عشرين درهماً.

وأما أهل القرى فماتوا من الجوع والعري والبرد، وكانت التمرلنكية يأخذون لحوم الكلاب يطعمونها للجمال.

ولقد خربت في هذه السنة على أيدي التمرلنكية من البلاد الشمالية: ملطية، وأبلستين، ودرنده، وزبطرا، وكختا، وكركر، وحصن منصور، وبهسنا، وقلعة الروم، وعينتاب، وتل باشر، وكلت، وأغزاز، وحلب الشهباء، والباب، والرها، ومعرة النعمان، وحماة، وبعلبك، وأعظمها دمشق التي لم يكن مثلها في البلاد من زمن إرم ذات العماد.

وأما التي أخذ منها الأموال، ووقع فيها الشتات والنكال: صفد وصيدا وبيروت وخحمي وإلبيرة.

وأما التي وقع فيها الحوادث وأُخلِيَ أهلُها منها: رواندان وتبريز وبيسة وحارم وسرمين وشيزر وكرك نوح وطرابلس، وكل ذلك بمقدور الله -تعالى- وصغر سن المقام الشريف، ورأي يشبك الدوادار ومن وافقه على ذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إذا أراد أمراً بلغه.

فمن جملة ما قيل في وصف هذه السنة؛ أعني: سنة ثلاث وثمان مئة المشهورة بأمور الشواطية:

سَنةٌ بها أبصَرْتُ ما لا أبْصَرَتْ

عينٌ ولا سَمِعَتْ به أذنانِ

مِنْ نهْبِ أموالٍ وسَفْكِ دِمَا، ومن

تسليطِ شَيْطَانٍ على السُّلْطانِ

وقال آخر:

ص: 415