الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بأعمال الدولة إلى أن أعادها إلى أصحابها أبو علي بن الأفضل، ومن الأموال ما لا يحصيه إلا الله.
ثم انتبه الآمر من رقدته، وأفاق من سكرته، وأدركته الحمية الإسلامية والغيرة المحمدية، فغضبَ لله غضبَ ناصرٍ للدين وبارٍّ بالمسلمين، وألبس الذمة الغيار (1) ، وأنزلهم بالمنزلة التي أمر الله -تعالى- أن ينزلوا بها من الذل والصغار، وأمر ألا يولوا شيئاً من أعمال الإسلام، وأن ينشؤوا في ذلك كتاباً يقف عليه الخاص والعام، فكتب عنه ما نسخته:
…
» وذكره بطوله.
فصل
المدينة النبوية ونصيبها من الفتن
في هذه الفترة التي يطمع بها الكفار في خيرات بلاد المسلمين، في (العراق) و (الشام) و (مصر) تعمر المدينة بالإيمان، وتشتد الفتن في غيرها بمضيّ الزمان، ويكون حال أهلها كالمرابط على الثغران.
أخرج أبو داود (4250، 4299) وتمام في «الفوائد» (5/157 رقم 1733 - ترتيبه «الروض البسام» ) والطبراني في «المعجم الصغير» (2/113 رقم 873 - «الروض الداني» ) والحاكم في «المستدرك» (4/511) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون آخر مسالح أمتي بسلاح من خيبر» .
ولفظ أبي داود: «يوشك المسلمون أن يُحاصروا إلى المدينة، حتى يكون أبعد مسالحهم سَلاح» ، وإسناده قوي.
(1) الغيار: اصطلاح يراد به نوع من الزي مغاير لزي المسلمين، وذكره ابن القيم تفصيلاً لدى «شرح شروط عمر» في «أحكام أهل الذمة» (3/1295-1299) . وانظر:«إعلام الموقعين» (6/97-98 - بتحقيقي) ، و «البداية والنهاية» (أحداث سنة 700هـ)، و «تشبيه الخسيس» للذهبي (ص 191 - ضمن مجلة «الحكمة» : العدد الرابع - بتحقيقي) .
وأخرجه هشام بن عمار في «حديثه» (ص 161 رقم 73) وأحمد في «المسند» (2/402) والطبراني في «المعجم الصغير» (1/385 رقم 644 - «الروض الداني» ) و «الأوسط» (7/24 رقم 6743 - ط. الحرمين) بسندٍ ضعيف عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:«يوشك أن يرجع الناس إلى المدينة، حتى تصير مسالحهم بسَلاح» .
وأخرجه الحاكم (4/511) بسند صحيح عن أبي هريرة، قال:«يوشك أن يكون أقصى مسالح المسلمين سلاح» (1) ، وسلاح قريب من خيبر (2) .
ومعنى (مسالح) جمع (مَسْلَحة) ؛ «وهي كالثغر والمَرْقب، يكون فيه أقوام يرقبون العدو، لئلا يطرقهم غفلةً» (3) .
و (سَلاح) موضع أسفل خيبر (4) ، وهو حد بينها وبين المدينة.
وظاهره أن المسلمين يحاصرون في المدينة إلى جهة خيبر، وأن خيبر وما وراءها تصيبها الغربة التي تحل بسائر الأقطار، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(1) قال أبو حاتم الرازي في «العلل» (2/317 رقم 951) عن الموقوف: «أشبه» ، وهذا الذي صوبه الدارقطني في «العلل» (3/ق215/ب) ، وانتصر له صاحب «مرويات الإمام الزهري المعلة في كتاب العلل» (1/261-266 رقم 7) .
وفي رواية عند ابن ماجه (4094) بإسنادٍ ضعيف جدّاً: «حتى تكون أدنى مسالح المسلمين ببَوْلاء» من حديث عمرو بن عوف.
(2)
هذه العبارة مدرجة من كلام الزهري، فعند أبي داود -في حديث ابن عمر السابق- حدثنا أحمد بن صالح عن عنبسة، عن يونس، عن الزهري، قال:
…
وذكرها، والإدراج كثير من الزهري رحمه الله في الأحاديث.
(3)
«النهاية في غريب الحديث» (2/388) ، ونحوه في «مجمع بحار الأنوار» (3/97-98) .
(4)
المرجعان السابقان، و «المغانم المطابة في معالم طابة» (2/844) ، و «فضائل الشام» (118) لابن رجب.
وفي هذا الوقت يخرج ناس من المدينة رغبة عنها، وطمعاً برزق ورخص فيتبعونه، ويبدلها الله خيراً منهم، والخروج من المدينة بالجملة يخالف (الأحاديث الواردة في الحث على سكناها)(1) ، وهذا الخروج غير الخروج المذكور عند الفتوحات لبلادها المجاورة، الوارد في «الصحيحين» من حديث سفيان بن أبي زهير رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تفتح اليمن، فيأتي قوم يَبُسّون (2) ، فيتحَمَّلون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتُفتح الشام، فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتُفتح العراق، فيأتي قومٌ يبسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» (3) .
(1) للأخ الشيخ صالح الرفاعي كتاب مفيد غايةً، مطبوع بعنوان «الأحاديث الواردة في فضائل المدينة» .
(2)
يَبُسون: بفتح الياء المثناة من تحت، وبعدها باء موحدة تضم وتكسر، من «بَسْ» أو «بِسْ» ، وهي كلمة زجر للدواب عند سوقها لتسرع، وقد ذكر العلماء لها عدة معان، قال النووي: «
…
الصواب الذي عليه المحققون أن معناه الإخبار عمن خرج من المدينة، متحملاً بأهله باسّاً في سَيْره، مسرعاً إلى الرخاء في الأمصار التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بفتحها» . انظر:«غريب الحديث» لأبي عبيد القاسم بن سلام (3/89) ، و «شرح مسلم» للنووي (9/158-159) ، و «فتح الباري» (4/92) .
(3)
أخرجه البخاري (1875) ومسلم (1388) ، وفي هذا الحديث إخباره صلى الله عليه وسلم بفتح اليمن والشام والعراق قبل وقوع ذلك، ولذا ذكره السيوطي في «الخصائص الكبرى» (ص 286 - «تهذيبه» ) .
المتأمل في الحديث يجد أن الخروج من المدينة متعدد -أيضاً- بسبب الفتوحات، فكلما حصل فتح لقُطر؛ خرج بعض من أهل المدينة منها، وذهب غير واحد من الشراح إلى ما قررته، وأجمعُ نقلٍ وجدته للبرزنجي في كتابه «الإشاعة» (ص 53)، قال:
«قال القاضي عياض: إن هذا جرى في العصر الأول، وإنها تركت أحسن ما كانت من حيث الدين والدنيا، أما الدين فلكثرة العلماء بها، وأما الدنيا فلعمارتها، واتساع حال أهلها. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وذكر الأخباريون أنه رحل عنها أكثر أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي وخلت مدة، ثم تراجعوا، قال: وقد حكى قوم كثيرون: أنهم رأوا ما أنذر به صلى الله عليه وسلم من تغذية الكلاب على سواري مسجدها. انتهى.
وقال النووي: الظاهر المختار أن الترك لها يكون آخر الزمان.
قال السيد السمهودي في «تاريخها» : إنه ورد ما يقضي أن الترك لها يكون متعدداً.
فقد روى ابن شبة: ليخرجنّ أهل المدينة منها، ثم ليعودن إليها، ثم ليخرجن منها، ثم لا يعودون إليها.
وروى -أيضاً- عن عمر مرفوعاً: يخرج أهل المدينة منها، ثم يعودون إليها فيعمرونها، ثم تمتلئ وتبنى، ثم يخرجون منها، ولا يعودون إليها أبداً.
قال: فالظاهر أن ما ذكره القاضي عياض هو ترك الأول، وسببه كائنة الحرة كما في حديث أبي هريرة: يخرجهم أمراء السوء، وأنه بقي الترك الذي يكون آخر الزمان» انتهى.
قلت: ويؤيد ما ذكره ما في رواية شريح السابقة: «ليغشين أهل المدينة أمر يفزعهم حتى يتركوها» » .
قال أبو عبيدة: لي إيضاحات على كلام القاضي عياض السابق، تتمثل في النقاط الآتية:
أولاً: ترك المدينة للعواف ثابت في «الصحيحين» ، ولفظه:«يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلى العوافّ، وآخر من يحشر راعيان من مزينة، يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشاً، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرّا على وجوههما» .
ثانياً: أخرج مالك (2/888) ، والحاكم (4/426)، وابن عبد البر (24/122) عن أبي هريرة رفعه:«لتتركنّ المدينة على أحسن ما كانت، حتى يدخل الكلب أو الذئب فيُغَذِّي على بعض سواري المسجد، أو على المنبر، فقالوا: يا رسول الله! لمن تكون الثمار ذلك الزمان؟ قال: للعوافي: الطير والسباع» .
فهذان الحديثان هما المعنِيَّان بكلام القاضي عياض رحمه الله، والثاني وقع فيه اضطراب عن مالك، ذكره مفصلاً ابن عبد البر في «التمهيد» (24/122) ، وابن حجر في «إتحاف المهرة» (16/1/291) .
ثالثاً: وأما قوله: «فَيُغَذِّي» ؛ معناه: أن يبول على سواري المسجد دفعة بعد دفعة، لعدم سُكّانه، وخُلوّه من الناس. كذا في «النهاية» (3/347) .
وقال ابن عبد البر (24/123) : «فمعناه أن الذئب يبول على سواري المسجد، أو على =