الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا يؤكد مقولة ابن كثير: «وقعت وستكثر وتتفاقم في آخر الزمان» (1) .
رابعاً: في الحديث ما يشير إلى هذا التكرار
، وأنّ وقوعه عند اشتداد غربة الإسلام (2) في سائر الدّيار، عدا مدينة المختار -صلى الله عليه وعلى آله ومن سار على دربه ما تعاقب الليل والنهار-.
وسبقت (3) رواية مسلم، أن جابراً بعد أن ذكر «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم
…
يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم
…
» رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم حديث: «يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً، ولا يعدُّه عدّاً» .
وكذا صنع في رواية البيهقي في «الدلائل» وغيره، وزاد قوله على إثره:
«والذي نفسي بيده، ليعودن الأمر كما بدأ، ليعودن كل إيمان إلى المدينة، كما بدأ منها، حتى يكون كل إيمان بالمدينة» . ثم أسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم:
«لا يخرج رجل من المدينة رغبةً عنها؛ إلا أبدلها الله خيراً منه، وليسمعن ناس برخص من أسعار ورزق يتبعونه، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» . وإسناده صحيح (4) .
ويستفاد من هذا: إن منع خيرات العراق والشام يسبق المهدي، فالخليفة الذي يحثي المال حثياً، ولا يعده عدّاً هو المهدي، وترجم عليه أبو عمرو الداني في كتابه «الفتن» (5/1029، 1053)(باب ما جاء في المهدي)، وعلى هذا جمهور مَن ألّف في أشراط الساعة؛ مثل: القرطبي في «التذكرة» ، فوضعه في (باب: في الخليفة الكائن في آخر الزمان المسمى بالمهدي،
(1)«الفتن والملاحم» (1/35) .
(2)
انظر: الفصل الآتي في بيان معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «وعدتم من حيث بدأتم» .
(3)
(ص 242) .
(4)
مضى تخريجه (ص 244) .
وعلامة خروجه) (1)، وممن تحمّس لهذا: صديق حسن خان، قال:
«وهذا الحثو الذي يفعله هذا الخليفة، يكون لكثرة الأموال والغنائم، والفتوحات، مع سخاء نفسه.
قاله النووي (2) ، ولم يزد على ذلك، ولم يبين المراد من هذا الخليفة، من هو؟ وهل مضى، أو يكون؟
«قال (3) : قلت لأبي نضرة، وأبي العلاء: أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟» الخليفة الأموي، الذي كان خير الناس في زمنه، ويقال له:(عمر الثاني)(4) ، لعدله وتقواه.
«فقالا: لا» (5) ، وإنما أنكرا ذلك؛ لأن الحديث يدل على أن هذا الخليفة يكون في آخر أمته صلى الله عليه وسلم، ولم يكن زمن (ابن عبد العزيز) آخر مدة هذه الأمة، لأحاديث أخرى وردت في بقائها، إلى مدة طويلة، وأمد بعيد.
وفي رواية أخرى، بلفظ:«يكون في أمتي خليفة، يحثُو المال في الناس حثْياً» أخرجه الدارقطني. قال الشوكاني رحمه الله: رجاله رجال الصحيح. انتهى.
(1)(3/211 - ط. دار ابن كثير) ، ونحوه في «فتح المنعم» (4/362) .
(2)
في «شرح صحيح مسلم» (18/54 - ط. قرطبة) .
(3)
السائل هو سعيد بن إياس الجُريريّ، كما تقدم.
(4)
منهم من يقول عنه (الخليفة الخامس) ! وفي هذا نظر؛ إذ فيه طعن ضمني بمعاوية
…
رضي الله عنه، وسبب تعيينهم عمر بن عبد العزيز كثرة الخير الذي وجد في زمانه.
أخرج الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (1/599) بسنده عن عمر بن أسيد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب، قال: إنما ولي عمر بن عبد العزيز سنتين ونصفاً (ثلاثين شهراً) ، لا والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون من الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، يتذكر من يضعه فيهم فلا يجده، فيرجع بماله، قد أغنى عمر ابن عبد العزيز الناس.
(5)
هذه القطعة عند مسلم في «صحيحه» ، كما تقدم.
وهذا محمول على حديث الباب، والظاهر أن المراد بهذا الخليفة؛ هو:(المهدي)(1) الفاطمي، الموعود المنتظر، لتظاهر الأدلة على ذلك، وقد ذكرنا جملة الأحاديث الواردة فيه عليه السلام، في (اليقظة) ؛ فراجعْهُ» (2) .
قال أبو عبيدة:
يدل عليه رواية داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد وجابر، وذكراه مرفوعاً مختصراً بلفظ:«يكون في آخر الزمان خليفة، يقسم المال ولا يعده» .
أخرجه مسلم (2913، 2914) بعد (69) ، وأبو يعلى (1216) ، وأحمد (3/333) ، والحاكم (4/454) .
وأخرجه أحمد (3/98) عن مجالد، عن أبي الوَدَّاك، عن أبي سعيد، قال:
قلت: والله ما يأتي علينا أمير إلا هو شرٌّ من الماضي، ولا عام إلا وهو شرٌّ من الماضي. قال:
لولا شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقلت مثل ما تقول، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«إن من أمرائكم أميراً يحثي المال حثياً، ولا يعدُّه عدّاً، يأتيه الرجل يسأَلُهُ، فيقول: خُذْ، فيبسُطُ الرجلُ ثوبَه فيحثي فيه -وبسط رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) وقع التصريح باسمه في معرض السياق المذكور في أحاديث عديدة، لا يتّسع المقام لسردها، انظرها في:«البرهان في علامات مهدي آخر الزمان» (2/534-553 رقم 23-40) ، و «أحاديث المهدي» لعبد العليم البستوي (ص 209، 260، 266) .
(2)
«السراج الوهاج» (11/381-382) ، ويعجبني ما بوب بعضهم عليه (سعة المال الكائن في آخر خليفة لهذه الأمة) .
ملحفةً غليظة، كانت عليه؛ يحكي صنيعَ الرجل-، ثم جمع إليه أكنافَها، فيأخذه، ثم ينطلق» .
ومجالد -وهو: ابن سعيد- ليس بالقوي، وبقية رجاله ثقات.
وفي رواية أخرى عنده (3/37) من طريق المعلى بن زياد: ثنا العلاء ابن بشير، عن أبي الصِّدِّيق النّاجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أبشِّرُكُم بالمهدي، يُبعثُ في أمتي على اختلافٍ من الناس وزلازلَ، فيملأُ الأرض قسطاً وعدلاً؛ كما مُلئت جَوراً وظُلماً، يَرضَى عنه ساكنُ السَّماء وساكن الأرض، يَقسِمُ المالَ صَحَاحاً» . فقال له رجل: ما صَحَاحاً؟ قال: «بالسَّوية بين الناس» . قال: «ويملأ الله قلوبَ أمة محمد صلى الله عليه وسلم غنىً، ويسعُهُم عَدْلَه، حتى يأمرَ منادياً فينادي، فيقول: مَنْ له في مال حاجة؟ فما يقومُ من الناس إلا رجل، فيقول: ائت السَّدّان (يعني: الخازن)، فقل له: إنّ المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً، فيقول له: احثُ! حتى إذا جعله في حِجْره وأبرزه نَدِمَ، فيقول: كنت أجْشَعَ أمةِ محمد نَفْساً، أَوَعَجَزَ عني ما وَسِعَهُم؟! قال: فيرُدُّه فلا يُقبلُ منه، فيُقال له: إنا لا نأخذ شيئاً أعطيناه.
فيكون كذلك سبعَ سنين، أو ثمان سنين، أو تِسْعَ سنين، ثم لا خير في العيش بعده، أو قال: ثم لا خير في الحياة بعده» .
قلت: ورجاله ثقات رجال مسلم؛ غير العلاء بن بشير -وهو المزني-، وهو مجهول؛ كما في «التقريب» ، لم يرو عنه غير المعلى بن زياد القردوسي، لم يوثقه غير ابن حبان، لكن قد توبع على بعضه عند الحاكم (4/558) .
ورواه عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً بلفظ:
«يخرج عند انقطاعٍ من الزمان، وظهورٍ من الفتن رجلٌ يقال له: (السَّفّاح) ، فيكون إعطاؤه المال حثياً» .
أخرجه أحمد (3/80) ، وإسناده ضعيف؛ لضعف عطية (1) ، وبقية رجاله ثقات.
وأخرجه ابن أبي شيبة (15/196) ، وأبو يعلى (1105) ، وأبو نعيم في «ذكر أخبار أصبهان» (2/136) من طرق عن عطية، دون لفظ (السفاح) !
ولفظ ابن أبي شيبة: «يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمن، وظهور من الفتن، يكون عطاؤه حثياً» .
والشاهد أن قول جابر: «ليعودن الأمر كما بدأ، ليعودن كل إيمان إلى المدينة، كما بدأ منها» بعد ذكر منع خيرات (العراق) و (الشام) يدل على أنه سيكون على وجه ظاهر آخر الزمان، ويبدأ بالعراق، ثم ينتقل إلى الشام، ثم إلى مصر (2) ، ويكون ذلك عند غربة الإسلام، وطمع الكفار فيهم، وأن الفتن آنذاك تعم البلاد جميعها، ويبقى الإيمان والدين الظاهر في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا معنى قول أبي هريرة بعد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم:«منعت العراق درهمها وقفيزها، منعت الشام مُدْيها ودينارها، منعت مصر إِرْدبَّها ودينارها» (3)، قال:
«وعدتم من حيث بدأتم» ، وأكده بأمرين:
الأول: تكرار هذه المقولة ثلاثاً.
(1) انظر: «مجمع الزوائد» (7/314) .
(2)
وقع التصريح به في الحديث الذي نحن بصدده «منعت العراق
…
» ، وانظر: ما مضى من كلام الشراح.
(3)
أخرجه مسلم، ومضى تخريجه.
والآخر: قوله عقب التكرار: «شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه» .
معناه: صدّق بهذا الحديث، وشهد بصدقه كل جزء في أبي هريرة، وهذا يستلزم بأن هذا الحديث حق في نفسه، ولا بد من وقوعه (1) .
ومن الجدير بالذكر أن هذا الحديث ليس في ألفاظه إلا «منعت العراق
…
» ، ولا يستفاد بأبي دلالة من الدلالات المعتبرة منه وقوع (الحصار) ، وإن كان الواقع من جهة، والعقل السليم من جهة أخرى يستلزم من (منع) العراق خيراتها لأهلها، أن يكون ذلك من خلال قوة ضاغطة عليها، تحول دون ذلك، وقد يبتدئ ذلك بـ (الحصار) ، وينتهي بـ (الاحتلال)، ويساعد على الثاني:
ما أخرجه ابن النجار (3) -كما في «كنز العمال» (11/232 رقم 31348) - عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كأنكم براكبٍ قد أتاكم، فنزل، فقال: الأرض أرضُنا، والمصر مصرُنا، والفيء فيئنا، وإنما أنتم عبيدُنا، فحال بين الأرامل واليتامى وما أفاء الله عليهم» .
وفي هذا الحديث ذكر لـ (مصر) ، وقد جاءهم (الراكب) -على فرض
(1)«المفهم» (7/230) .
(2)
«السراج الوهاج» (11/369) .
(3)
لم أقف على إسناده لأحكم عليه، ولكن ما سقناه يشهد لعموم معناه.
ثم وقفتُ عليه مسنداً عند الحاكم في «المستدرك» (4/445) ، وأبي نعيم في «الحلية» (1/275) بسندٍ صحيح عن حذيفة قوله، وله حكم الرفع، ولفظه:«كأني براكب قد نزل بين أظهركم حال بين اليتامى والأرامل وبين ما أفاء الله على آبائهم، فقال: المال لنا» . وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. والخطاب فيه لأهل الكوفة، وتأمل قوله:«ما أفاء الله على آبائهم» ، وما سيرد في كلام ابن القيم الآتي، والله الهادي.
صحة الحديث-، وسيعود لما دللنا عليه من أن منع الخيرات سيسبق المهدي، وظفرتُ بكلام للإمام ابن القيم في «أحكام أهل الذمة» (1) فيه بيان وقوع الحديث على وجهٍ جليٍّ جدّاً، وهذا نص كلامه بحروفه:
«وكذلك في أيام الآمر بأمر الله امتدت أيدي النصارى، وبسطوا أيديهم بالجناية، وتفننوا في أذى المسلمين وإيصال المضرة إليهم، واستعمل منهم كاتب يعرف «بالراهب» ولقب بالأب القديس، الروحاني النفيس، أبي الآباء وسيد الرؤساء، مقدم دين النصرانية، وسيد البتركية، صفيّ الرب ومختاره، ثالث عشر الحواريين، فصادر اللعين عامة مَنْ بالديار المصرية من كاتب وحاكم وجندي وعامل وتاجر، وامتدت يده إلى الناس على اختلاف طبقاتهم، فخوفه بعض مشايخ الكتاب من خالقه وباعثه ومحاسبه، وحذّره من سوء عواقب أفعاله، وأشار عليه بترك ما يكون سبباً لهلاكه. وكان جماعة من كتاب مصر وقبطها في مجلسه، فقال مخاطباً له ومسمعاً للجماعة: نحن مُلاّك هذه الديار حرباً وخراجاً: ملكها المسلمون منا، وتغلبوا عليها، وغصبوها، واستملكوها من أيدينها، فنحن مهما فعلنا بالمسلمين فهو قبالة ما فعلوا بنا، ولا يكون له نسبة إلى من قتل من رؤسائنا وملوكنا في أيام الفتوح، فجميع ما نأخذه من أموال المسلمين وأموال ملوكهم وخلفائهم حِلّ لنا، وبعض ما نستحقه عليهم، فإذا حملنا لهم مالاً كانت المنة لنا عليهم. وأنشد:
بنت كرم غصبوها أمَّها
…
وأهانوها فديست بالقدم
ثم عادوا حكّموها فيهمُ
…
ولَناهيكَ بخصم يحتكم
فاستحسن الحاضرون من النصارى والمنافقين ما سمعوه منه، واستعادوه وعضوا عليه بالنواجذ حتى قيل: إن الذي اختاطَّ عليه قلم اللعين من أملاك المسلمين مئتا ألف واثنان وسبعون ألفاً ما بين دار وحانوت وأرض
(1)(1/226-227 - تحقيق صبحي الصالح) .