الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المتبحّر، لا بزيادة علم عنده عليه (1) ؛ وإنما بما يحسّه ويشاهده ويدور حواليه (2) !
(1) قال ابن قتيبة في مقدمة كتاب «إصلاح الغلط» (ص 46-47) : «قد كنّا زماناً نعتذر من الجهل، فقد صرنا الآن نحتاج إلى الاعتذار من العلم (!!) ، وكنّا نؤمّل شكر الناس بالتنبيه والدلالة، فصرنا نرضى بالسلامة، وليس هذا بعجيب مع انقلاب الأحوال، ولا يُنكر مع تغيُّر الزمان، وفي الله خَلَفٌ، وهو المستعان» .
(2)
هنا
ثلاث ملاحظات مهمات، وكليّات معتبرات، وإفاضات وإضافات:
الأولى: مُخطئٌ أشدَّ الخطأ من تجاوز (قواعد العلماء) باسم (التجديد) -زعموا-، ومخطئ من لم يعرف (الثابت) من (المتغيّر) من (الأحكام) ، سواء الفقهية منها أو الحديثية، ومخطئ من جمد على (النتائج) التي تَوَصّل إليها الأقدمون، ولم يلحَظْ ما استجدَّ من (أشياء) ، أو قال بما قالوا، ولم يعرف من أين أخذوا، والحق -كعادته- متأرجح بين هذين الصنفين، الغالي والجافي، وهو وسط بينهما.
الثانية: ما أشرتُ إليه نظير ما قاله الفقهاء (لا ينكر تغير الأحكام بتغيُّر الأزمان) ، وكم بودّي لو أن نابهاً متفنناً من (طلبة العلم) أفرد (الأشباه والنظائر) في كليات العلوم، وهذا يحتاج إلى شبعان ريّان منها جميعاً، ومن سبر أغوارها، ومعرفة أحوالها وأقسامها.
الثالثة: من تجاوزات بعضهم: المناداة بتصحيح الحديث بناءً على موافقة الواقع له (!!)
ويعجبني كلام صاحب «في ضوابط منهجية للتعامل مع النص الشرعي» (ص 11-12) حيث قال بعد كلام:
والنكارة المذكورة عند الإمام أبي حاتم الرازي غير ظاهرة لمن نظر في شروح الحديث، ولا لمن جمع أحاديث الباب، والله أعلم بالصواب، اللهم إلا أن يقال: إنّ المدينة المشهورة في أحاديث الفتن هي (الكوفة) لا (البصرة)، وقد سبقت جملة من الآثار في ذلك عن ابن مسعود وعبد الله بن عمرو وحذيفة (1) ! وهذا مزيد آخر منها:
فصل
في أخبار أخرى في الفتن
فيما ذكر للكوفة والبصرة أو إحديهما
أخرج أحمد (5/385) وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (6/6-7) والبزار في «البحر الزخار» (7/347-348 رقم 2944) من طرق عن محمد ابن عبيد الطنافسي: حدثنا يوسف -يعني: ابن صُهيب- عن موسى بن أبي المختار، عن بلال العبسي، قال:
قال حذيفة: ما أَخبيةٌ بعد أَخبيةٍ كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدرٍ يُدفعُ عنهم، ما يُدْفعُ عن أهل هذه الأخبية (2) ، ولا يُريد بهم قومٌ سوءاً إلا أتاهم ما يشغلهم عنه. لفظ أحمد، وليس عند البزار «ببدر» ، وآخره عنده:«ولا يريدهم قوم بسوء إلا أتاهم الله بما يشغلهم عنهم» (3)، وقال البزار عقبه:
«يعني الكوفة» ، وقال:
(1) يحتمل -أيضاً- أن تكون النكرة في آخره، ولا سيما مع عرضه على سائر النصوص، والظاهر من كلامه ما قدمناه من عدم قبوله جملةً، دون هذه التفريعات والتفصيلات، وإلا لصرّح بذلك، وليته فعل!
(2)
الأخبية: جمع خباء؛ وهي البيوت، والمراد بهم أهل الكوفة، وسيأتي إيضاحه مفصلاً.
(3)
وكذا آخره عند ابن سعد، ولفظه:«إلا أتاهم ما يشغلهم عنهم» .
«وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن بلال بن يحيى عن حذيفة إلا بهذا الإسناد» .
قلت: وأورده ابن سعد في (طبقات الكوفيين: تسمية من نزل الكوفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
) وبوب عليه في «كشف الأستار» (3/324 رقم 2854)(باب في أهل الكوفة) .
وأخرجه الطبراني في «الأوسط» (4/40 رقم 3052 - ط. المعارف) من طريق الزِّبرقان عن موسى بن المختار، به، وآخره عنده:
« «ما يدفع الله عن هذه الأخبية» ؛ يعني: الكوفة» ، ونقله عنه هكذا الهيثمي في «المجمع» (10/64)، وقال:
قال أبو عبيدة: فيه موسى بن أبي المختار مجهول، تفرد بالرواية عنه يوسف بن صهيب، ولم يوثقه غير ابن حبان (7/456) ، وترجمه ابن أبي حاتم (8/164) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
وبلال بن يحيى العبسي، مختلف في سماعه من حذيفة، قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/396) :«وجدته يقول: بلغني عن حذيفة» ، وقال أبو الحسن القطان: هو ثقة، روى عن حذيفة أحاديث معنعنة، ليس في شيء منها ذكر سماع، أما الترمذي فقد حسّن له حديثاً من روايته عن حذيفة. وقال ابن معين: روايته عن حذيفة مرسلة (1) .
وظفرتُ له بطريق أخرى عن بلال:
أخرجه أحمد (5/391) بسندٍ صحيح إلى بلال عن حذيفة، قال:
(1) انظر: «التهذيب» (1/443) ، و «جامع التحصيل» (ص 151/رقم 69)، و «تحفة التحصيل» :(ص 40) .
وورد هذا الخبر من طرق كثيرة بعضها صحيح لذاته، مثل:
ما أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (12/188 - ط. الهندية أو 7/4، 5 - ط. دار الفكر) ، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (6/6) عن وكيع، عن مسعر، عن الركين بن الربيع الفزاري، عن أبيه، قال: قال حذيفة مثل اللفظ الأول، وفي آخره:«يعني الكوفة» .
وإسناده صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة (12/186 - ط. الهندية أو 7/553 - ط. دار الفكر) ، وابن سعد (6/6) من طريق الأعمش عن عمرو بن مرة المرادي، عن سالم بن أبي الجعد، عن حذيفة، قال:
ورجاله ثقات إلا أن سالماً لا تعرف له رواية عن حذيفة، وهو كثير الإرسال (1) .
وأخرجه ابن سعد (6/6) عن مغيث البكري عن حذيفة قال: «والله ما يُدفع عن أهل قرية ما يُدفع عن هذه -يعني: الكوفة- إلا أصحاب محمد الذين اتبعوه» .
وأخرجه الطيالسي (2) في «المسند» (ص 59/رقم 440) بسندٍ صحيح
(1) انظر: «تهذيب الكمال» (10/130-133) ، «جامع التحصيل» (ص 179-180 رقم 218) ، «تحفة التحصيل» (ص 120-121) .
(2)
من الجدير بالذكر أن ابن حجر في «المطالب العالية» (17/150 رقم 4194 -
…
ط. العاصمة) وضع هذه الرواية في (باب فضل البلدان) وبوب عليها (باب البصرة والكوفة) .
إلى نعيم بن أبي هند (1) قال: قال حذيفة رضي الله عنه:
«ما رأيت أخصاصاً إلا أخصاصاً كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدفع عن هذه، يعني: الكوفة» .
قال الطيالسي عقبه: «الأخصاص: بيوت عندنا من قصب» .
ولم يقتصر هذا المعنى على (حذيفة) ؛ وإنما ذكره سلمان -أيضاً رضي الله عنهما، وهذا يدل على أن له حكم الرفع (2) .
أخرجه ابن سعد (6/6) : أخبرنا الفضل بن دُكين، حدثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل عن سلمان، قال:
وما يُدفع عن أرض بعد أخبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُدفع عن الكوفة، ولا يريدها أحد خارباً إلا أهلكه الله، ولتصيرنّ يوماً وما من مؤمن إلا بها أو يصير هواه بها» .
وسلمة بن كهيل لم يدرك سلمان.
وقد دفع الله عن أهل الكوفة في عصر الصحابة رضي الله عنهم كلَّ شرٍّ وسوء وبلاء، وأصبحت مهوى المؤمنين، وانتشرت منها الفتوحات، فعمل
(1) في سماعه من حذيفة نظر، حذيفة توفي سنة ست وثلاثين، ونعيم سنة عشر ومئة، وانظر:«تهذيب الكمال» (29/497-499) .
(2)
تذكر قول حذيفة: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً، فحدَّثنا بما هو كائن إلى قيام الساعة، فحفظه من حفظه، ونسيه من نسيه» أخرجه البخاري (6604) ، ومسلم (2891) .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتّل كلامه ويفسِّره، فلعله قال في مجلسه ذلك ما يُكتب في جزء، فذكر أكبر الكوائن، ولو ذكر ما هو كائن في الوجود، لما تهيّأ أن يقوله في سنة، بل ولا في أعوام، ففكر في هذا. قاله الذهبي في «السير» (2/366) .
قلت: وأكبر الكوائن التي تخص الفتن فيما مضى، وما عايشناه، وما أخبرنا عنه النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا وتحققنا ثبوته في العراق (عراق العرب والعجم) .
الصحابة والتابعون من خلالها على فتح البلاد بالجلاد، وفتح قلوب العباد بالتعليم والحُجج والبراهين، فاجتمعت لهم رضي الله عنهم فروسيتان: فروسية العلم والبيان، وفروسية السيف والسنان (1) ، وكان دفع الله عنهم، ونصرته لهم خارج (جزيرة العرب) ، كدفع الله عن أهل بدر وحفظه لهم، ونشرهم الإسلام فيها، فرضي الله عنهم جميعاً (2) .
ثم استمر الحال بخير وعافية، وأمن وإيمان، حتى وقع ما ليس بالحسبان، من توالي الفتن واشتدادها على مرّ الزمان، والله المستعان، لا ربّ سواه.
أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (8/638 رقم 291) بسندٍ صحيح
(1) ومن لم يكن من أهل هاتين الفروسيتين، ولا ردءاً لأهلهما؛ فهو كلّ على نوع بني الإنسان.
(2)
ذكر مسلم في كتابه «الطبقات» : (89) صحابياً و (11) صحابية ممن سكن الكوفة، بينما ذكر (461) من تابعي أهل الكوفة، فالنشاط الحديثي -إذ مسلم اقتصر على ما يخص علم الحديث- فيها كاد أن يضاهي المدينة، ولا عجب من ذلك؛ فرجال العلم وُجدوا حيث كانت مراكز الثقافة، وقد كان -أيضاً- للدور السياسي الذي لعبته الكوفة في القرن الأول الهجري خاصة أثر كبير في تنشيط الرواية فيها، أما دور البصرة في الرواية؛ فهو يلي دور الكوفة، فقد نزلها (61) صحابيّاً، و (4) صحابيات، و (294) تابعياً.
وسمى الذهبي في كتابه «الأمصار ذوات الآثار» (ص 174-177) أعيان الصحابة والتابعين ومشاهير الخالفين ممن سكن الكوفة، وقال:«وما زال العلم بها متوفراً» ، قال:«ثم تناقص شيئاً فشيئاً، وتلاشى، وهي الآن دار الروافض» .
وقال في «تذكرة الحفاظ» (3/840) : «الكوفة تَغلي بالتشيّع، وتفور، والسُّنيُّ فيها طُرفة» .
قلت: ومن وضع الرافضة على عليّ رضي الله عنه ما أخرجه ابن سعد في «طبقاته» (6/6) بسندٍ فيه وضاع، قال:«الكوفة جمجمة الإسلام، وكنز الإيمان، وسيف الله ورمحه، يضعه حيث يشاء، وأيمُ الله! ليُنصَرنَّ الله بأهلها في مشارق الأرض ومغاربها كما انتصر بالحجارة» . ونحوه حديث مرفوع آخر عند ابن عساكر، فيه:«الكوفة فسطاط الإسلام، والبصرة فخر العابدين» ، انظره بطوله في «اللآلئ المصنوعة» (2/466-467) .
إلى حذيفة يخاطب أهل الكوفة:
وأخرج -أيضاً- (8/627-628 رقم 330) بسندٍ صحيح على شرط الشيخين عن مسروق، قال: أشرف عبد الله -أي: ابن مسعود- على داره -أي: في الكوفة-، فقال:
أعظم بها حرمة، ليحطبنّ. فقيل: ممن؟ فقال: أناس يأتون من ههنا، وأشار أبو حصين -الراوي عن يحيى بن وثّاب عن مسروق، واسمه عثمان بن عاصم- بيده نحو المغرب.
وأخرج ابن أبي شيبة (8/639 رقم 299) بسندٍ صحيح عن أبي موسى الأشعري، قال: إن لهذه -يعني: البصرة- أربعة أسماء: البصرة، والخريبة، وتدمر، والمؤتفكة.
وأخرج أبو عمرو الداني في «الفتن» (4/908 رقم 471) بسندٍ فيه ضعف (1) عن عليّ قال: لتغرقنّ البصرة -أو لتحرقن- كأني بمسجدها وبيت مالها كأنه جؤجؤ (2) سفينته» .
وله طريق أخرى فيها انقطاع، أخرجه عبد الرزاق (11/252 رقم 20463) عن معمر، عن قتادة: أنّ عليّاً قال: «تخرب البصرة إما بحريق وإما بغرق،
…
» مثله.
ثم ظفرتُ له بطريق ثالثة، ولكنها ضعيفة.
(1) راويه عن عليّ أبو خيرة، وله عنه أثر آخر في «تاريخ دمشق» (12/ق395) نعت فيه:«وكان من أصحاب عليّ» .
(2)
الجؤجؤ: الصدر، وقيل: عظامه، والجمع (الجآجي)، انظر:«النهاية» (1/232) .
أخرج الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» (2/559) من طريق سيف ابن عمر، عن حَصيرة بن عبد الله والحارث بن حَصيرة -ابنه- كلاهما عن أبي صادق، قال: قال علي رضي الله عنه:
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي، صاحب كتاب «الردة» ، الكوفي، ضعيف الحديث، عمدة في التاريخ، أفحش ابن حبان القول فيه. قاله ابن حجر في «التقريب» (ص 262/رقم 2724) .
والحارث بن حَصيرة، صدوق يخطئ، وروايته مقرونة مع رواية أبيه.
وأخرج عبد الله بن أحمد في «زيادات الزهد» : حدثني عمر بن شبة (2) ، حدثني يحيى بن بسطام، حدثني أنيس بن سوار، حدثنا مالك بن دينار، عن الأحنف بن قيس، قال: أتيتُ المدينة في إمارة عثمان رضي الله عنه، فإذا رجل كث اللحية، قعد لهم وأغلظ، فتفرقوا، فقلت: يا عبد الله! ما أراك إلا قد أسأت، قال: إن هؤلاء مداهنون، أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا أبو ذر، فمن أنت؟ قلت: من أهل البصرة، فقال: ألا أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بلايا بالعراق، وذلك بالكوفة، فأما أهل البصرة فأقوم الأمصار قبلة، وأكثره مؤذناً، يدفع الله عنهم ما يكرهون (3) .
(1) سيأتي (ص 521) نحوه من كلام كعب الأحبار، وسيأتي بيان معناه.
(2)
له «أخبار البصرة» ؛ مفقود من قديم، قال الذهبي في «السير» (12/371) :«لم نره» ، ووصفه بأنه كبير، وفي «الفتح» نقولات مليحة منه، ولا سيما في الفتنة التي جرت بين الصحابة تأذن بوقوف ابن حجر عليه، انظر تعليقنا عليه في:«معجم المصنفات الواردة في فتح الباري» (ص 45) .
(3)
عزاه ابن حجر في «المطالب العالية» (17/146 رقم 4193) لعبد الله بن أحمد في «زيادات الزهد» ، وهو ليس في القسم المطبوع منه.
وأخرج عبد الله فيه -أيضاً-، قال:
حدثنا أبو إسحاق الطبري، حدثنا هاشم بن القاسم، عن صالح المري، عن سعيد الربعي، عن مالك بن دينار، عن الأحنف، عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أهل الكوفة، فذكر أنه ستنزل بهم بلايا عظام. ثم ذكر أهل البصرة، فذكر أنهم أفضل أهل الأمصار قبلة، وأكثرهم مؤذناً، يدفع عنهم ما يكرهون (1) .
وأخرج أبو نعيم في «الحلية» (6/249) -ومن طريقه الديلمي (2) في «الفردوس» (1/ق341 - «زهر الفردوس» ) وابن الجوزي في «الواهيات» (1/312 رقم 500) - قال:
حدثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا محمد بن يونس، ثنا محمد بن عباد المهلبي، ثنا صالح المري، عن المغيرة بن حبيب صهر مالك، قال: قلت لمالك بن دينار (3) : يا أبا يحيى! لوذهبت بنا إلى بعض جزائر البحر، فكنا فيها حتى يسكن أمر الناس؟ فقال: ما كنت بالذي أفعل، حدثني الأحنف بن قيس، عن أبي ذر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني لأعرف أرضاً يقال لها البصرة، أقومها قبلة، وأكثرها مساجد ومؤذنين، يدفع عنها من البلاء ما لم يدفع عن سائر البلاد» (4) .
(1) عزاه ابن حجر في «المطالب العالية» (17/149 رقم 4193) ، والسيوطي في «الخصائص الكبرى» (2/151) لعبد الله بن أحمد في «زيادات الزهد» ، وهو ليس في القسم المطبوع منه.
(2)
وهو في المطبوع (1/59 رقم 165) دون سند! ولم يعزه في «كنز العمال» (12/308 رقم 35151) إلا له!
(3)
في المطبوع: «دينا» دون راء في آخره!
(4)
بوّب عليه الهيثمي في «تقريب البغية بترتيب أحاديث الحلية» (3/245 رقم 3689) : (باب فضل البصرة) .
قال أبو نعيم على إثره: «غريب من حديث المغيرة وصالح، رواه الجراح بن مخلد عن محمد بن عباد، رواه القاسم بن محمد بن عباد عن أبيه، مثله» .
قلت: وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (38/419) من طريق رجاء بن محمد عن محمد بن عباد، به.
وسأل ابن أبي حاتم في «العلل» (2/435 رقم 2811) عن حديث رواه عمرو بن علي الصيرفي، عن محمد بن غسان، عن صالح المري، به،
…
أباه، فقال:«هذا حديث منكر، ليس بقوي» .
وعزاه ابن عرّاق في «تنزيه الشريعة» (2/58 رقم 33) إلى ابن قانع (1) من حديث أبي ذر، وقال:«فيه الكديمي» .
وقال ابن الجوزي قبله في «الواهيات» (1/312) تحت عنوان (حديث في فضل البصرة) : «هذا حديث لا يصح، وفيه محمد بن يونس الكديمي، قال ابن حبان (2) : كان يضع على الثقات الحديث وَضعاً، لعله قد وضع أكثر من ألف حديث» .
قال أبو عبيدة: الأسانيد الثلاثة السابقة ضعيفة، وآخرها أضعفها، وصالح المري ضعيف، واضطرب فيه، فشيخه في الإسناد الثاني (سعيد بن سلمان
…
-أو سليمان- الرَّبعي) مقبول، وفي الذي بعده (المغيرة بن حبيب صهر مالك ابن دينار)، أورده الذهبي في «الميزان» لقول الأزدي فيه:«منكر الحديث» ، وذكره ابن حبان في «الثقات» (7/466)، وقال:«يغرب» ، وروى عنه جمع، فيما سمّىابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (8/220 رقم 991) ، وابن
(1) وهو غير موجود في ترجمة (أبي ذر: جندُب بن جنادة)(3/996-1005 رقم 139 - ط. الباز) .
(2)
في «المجروحين» (2/313) .
حبان، «فمثله تطمئن النفس لحديثه، لرواية هذا الجمع من الثقات عنه، دون أن يعرف بما يسقِطُ حديثَه، وأما قول الأزدي: «منكر الحديث» ؛ فمما لا يلتفت إليه؛ لأنه معروف بالتعنُّت في (التجريح) ، فلعله من أجل ذلك لم يورده الذهبي في كتابه الآخر «الضعفاء» ولا في «ذيله» ، والله أعلم» (1) .
ومالك بن دينار صدوق عابد.
فهذه الأسانيد ضعيفة، لا تنهض بالاحتجاج، ولا تتقوّى بتعدد الطرق، وتذكر للاستئناس عند الجمع، من باب تكثير العساكر والجيوش، وإن لم تكن بذاك، فالكثرة لها أثر في النفوس، على منهج أئمة الهدى في التصنيف في المواضيع المفردة في المسائل الخاصة، من باب التقميش الذي يتبعه التفتيش، كما حصل لابن القيم في «اجتماع الجيوش» ، والذهبي في «العلو» و «العرش» ، وغيرهما كثير كثير.
أخرج أبو داود (2) في «سننه» في كتاب الملاحم (باب في ذكر البصرة)(4/113 رقم 4307) :
حدثنا عبد الله بن الصباح، ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، ثنا موسى الحناط، لا أعلمه إلا ذكره عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له:«يا أنس! إن الناس يُمَصِّرون أمصاراً، وإن مصراً منها يقال له البصرة أو البصيرة، فإن أنت مررت بها، أو دخلتها؛ فإياك وسِباخَها وكِلاءَها وسوقَها وبابَ أمرائها، وعليك بضواحيها؛ فإنه يكون بها خَسْفٌ وقذْفٌ ورَجْفٌ، وقوم يبيتون يصبحون قردة وخنازير» .
وإسناده صحيح.
(1)«سلسلة الأحاديث الصحيحة» (1/586)، وانظر:«معجم أسامي الرواة الذين ترجم لهم العلامة الألباني» (4/170-171) .
(2)
لم يعزه في «كنز العمال» (12/307 رقم 35150) إلا له!
وصححه شيخنا الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (4307) و «مشكاة المصابيح» (3/1496 رقم 5433) .
واعترض على هذا التصحيح بشك موسى الحناط في شيخه! قال المنذري في «مختصر سنن أبي داود» (6/170) : «لم يجزم الراوي به، قال: لا أعلمه إلا ذكره عن موسى بن أنس» ، وأعله به المعلمي اليماني في تعليقه على «الفوائد المجموعة» (1)، وزاد:«وهذا إذا انضم إلى كون المتن منكراً» !!
وسبقت الإجابة على النكرة، أما الشك فليس بعلة، وأجاب على ذلك ابن حجر في «أجوبته عن أحاديث المصابيح» (3/1787 - «المشكاة» )(الحديث الخامس عشر)، قال عقب إيراده بسنده ومتنه:«ورجاله ثقات، ليس فيه إلا قول أنس: لا أعلمه إلا عن موسى بن أنس، ولا يلزم من شكه في شيخه الذي حدثه به أن يكون شيخه فيه ضعيفاً، فضلاً عن أن يكون كذاباً، وتفرد به، والواقع [أنه] لم ينفرد به، بل أخرج أبو داود -أيضاً- لأصله شاهداً بسند صحيح من حديث سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم» (2) .
قال أبو عبيدة: لم أظفر بحديث سفينة عند أبي داود، ولا غيره مع طول بحث وكثرة فتْش، ثم وجدتُ بعض الباحثين (3) المعاصرين يقول في كتابه «النقد الصريح لأجوبة الحافظ ابن حجر من أحاديث المصابيح» (ص 88-89) ، وأورد طريق النضر بن حفص الآتية، ثم قال:«وأما الشاهد الذي ذكره الحافظ ابن حجر في «أجوبته» من حديث سفينة؛ فلم أقف عليه عند أبي داود، ولا عند غيره، ولم أجد له ذكراً في (مسند سفينة) من «تحفة الأشراف» للحافظ المزي، وإنما له شاهد حسن من حديث أبي بكرة،
…
» وساق ما
(1)(ص 434) هامش (1) .
(2)
وهو مثبت في «هداية الرواة» (5/111-112) وفيه عن حديثنا: «إسناده صحيح» .
(3)
هو الأخ عمرو عبد المنعم -حفظه الله تعالى-.
ذكرناه، وعزاه لأحمد والطيالسي وأبي داود فقط، وقال:
«وليس فيه التحذير من سباخها وكلائها وسوقها وباب أمرائها، ولا فيه ذكر القذف والخسف والرجف» .
قلت: ولذلك شواهد كثيرة في الموقوف، مبثوثة في كتابنا هذا، ولله الحمد والمنة.
وأخرجه أبو يعلى في «معجمه» (ص 225 رقم 273 - ط. إرشاد، أو ص 305/رقم 273 - ط. أسد) -وعنه- كل من ابن عدي في «الكامل» (5/1731) ، وأبي الشيخ في «الفتن» كما في «اللآلئ المصنوعة» (2/468) من طريق ابن عدي، وابن الجوزي في «الموضوعات» (2/61) - قال: حدثنا عمار بن زَرْبي أبو المعتمر، ثنا النضر بن حفص بن النضر بن أنس، عن أبيه، عن جده، عن أنس، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثله، وفيه:
وفي آخره: «قال أنس: فمن ها هنا سكنتُ القصر؛ يعني: قصر أنس
…
رضي الله عنه» .
وهذا إسناد ضعيف جدّاً، عمار بن زربي، ترجمه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (6/392)، ونقل عن أبيه قوله فيه:«هو كذاب، متروك الحديث، وضرب على حديثه ولم يقرأه علينا» .
وقال ابن عدي على إثر الحديث: «وهذا -أيضاً- غير محفوظ» ، وقال عن (عمار) :«لم يبلغني مما أنكرته من حديث عمار بن زربي غير هذه الأحاديث التي ذكرتها، وله غير هذا الشيء اليسير» ، وأورد هذا الحديث في ترجمته.
وقال العقيلي في «ضعفائه» (3/327) عن (ابن زربي) : «الغالب على
حديثه الوهم» ، وتركه عبدان الأهوازي، ورماه بالكذب، انظر:«لسان الميزان» (4/271 - ط. الهندية و4/312 - ط. الفكر و6/45 - ط. أبو غدة) .
وذكره ابن حبان في «الثقات» (8/517)، وقال:«كان ضريراً يغرب ويخطئ» (1) .
وأخرجه العقيلي في «الضعفاء الكبير» (4/294) : حدثنا أحمد بن عبد الله بن جرير بن جبلة، قال: حدثنا عمار بن زريق (2) ، حدثني النضر بن حفص، به، مثله.
وأورده في ترجمة (النضر)، وقال عنه:«مجهول بالنقل حديثه غير محفوظ» .
قال العلائي في «النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح» (ص 48/رقم 16) ، وأورد هذا الحديث وكلام الأئمة في (عمار ابن زربي)، قال:«ولكن لم ينفرد عمار به، بل أخرجه أبو داود، وساق سنده، وقال: «وهذا الإسناد رجاله على شرط مسلم، احتجّ بهم جلّهم، وليس فيه سوى عدم الجزم باتصاله، بل هو بغلبة الظن، وذلك كافٍ كما صرح به أئمة الفن في أمثاله، والله أعلم» .
وأورد كلامه وأقره: السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (2/468) ، وابن عراق في «تنزيه الشريعة» (2/51/رقم 15) ، والشوكاني في «الفوائد
(1) وانظر: «الميزان» (3/164) و «تصحيفات المحدثين» (2/573) ، و «ضعفاء ابن الجوزي» (2/201) ، و «المغني» (2/458) .
(2)
وكذا في «الميزان» (4/255) و «المغني» (2/697) -وفيهما: «لا يعرف» -، و «اللسان» (6/191 - ط. دار الفكر و8/272 - ط. أبو غدة) ، وأوردا الحديث، ونقل ابن حجر كلام العقيلي عليه، وعليه؛ فمن المحتمل أن يكون (ابن زربي) الأول متابعاً عليه، وانحصرت العلة في (النضر) ، مع احتمال تحريف (زريق) عن (زربي) ، وإن كان في كلام الإمام العلائي الآتي التصريح بعدم تفرد ابن زربي به.