الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويظهر تأثر شعراء المدائح النبوية بالتصوف في قصائدهم وفي معانيهم، فتلاقى الشعر الصوفي مع المدائح النبوية في التوجه الديني وفي التشوق للمقدسات، وفي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الرؤيا:
شاع في العصر المملوكي أيضا رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، أو أحد صحابته أو أحد الصالحين، فكثرت الروايات حول ذلك، يتحدث فيها الرائي عن حديث دار بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمره فيه النبي وينهاه، أو يعلمه بأمر سيقع، وغير ذلك مما يتعلق بالدين والمذاهب الدينية.
ومن ذلك ما ذكر عن أحمد بن محمد الأخوي «1» الذي «جاور، ورام الانتقال قبل موته بأشهر، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وقال له: أرغبت عن مجاورتي.. فالى على نفسه ألا يتحرك منها، فلم يلبث قليلا ومات، وكان يلقّب بمقبول رسول الله صلى الله عليه وسلم» «2» .
فهل بعد هذا اللقب من لقب؟ إن كل ما يعزى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان ذلك رؤيا في المنام، يلقى عند الناس قبولا وترحابا، فكم ستكون فرحة من أدّى فريضة الحج مع محمد بن بورسة البخاري «3» ، الذي «أراد الرجوع إلى بلاده، فذكر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال له: إن الله قد قبل حج كل من حج في هذا العام، وأنت منهم» «4» .
(1) أحمد بن محمد الأخوي: حصّل علوما مختلفة من الفقه والحديث واللغة، وجال في بلاد المشرق، ثم حج وزار بلاد الشام وأقام في بغداد واستقر في المدينة يدرّس ويفتي ويصنف، توفي سنة (802 هـ) . السخاوي: الضوء اللامع 2/ 194.
(2)
السخاوي: الضوء اللامع 2/ 200.
(3)
محمد بن بورسة البخاري: نبيرة، تفقه وزهد، وحج وأقام بالمدينة ومات فيها سنة (823 هـ) . السخاوي: الضوء اللامع 7/ 207.
(4)
السخاوي: الضوء اللامع 7/ 207.
أيجد الإنسان راحة بعد الراحة التي يشعر بها من يوقن أنه من الفرقة الناجية، بعد أن يتحدث من يذهب مذهبه «أنه أخبر برؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام..، وأخبر بأنه من الفرقة الناجية» «1» .
بل إن أحدهم قال عن أحد الصالحين: (رؤي النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو يأمر بالسلام عليه، قال: لأنه من أهل الجنة، أو قال: من سلّم عليه دخل الجنة..)«2» .
فلماذا لا يبادر الناس إلى السلام على هذا الرجل الصالح، ويقدّرونه التقدير الذي يليق بمن يدخل السلام عليه الجنة؟.
ولنتخيل كيف سيكون إقبال الناس على ورد من الأوراد حين يذكر أحدهم أنه «تلقن ذكرا عن النبي صلى الله عليه وسلم في المنام» «3» .
وهكذا كثرت الروايات عن رؤيا الناس في ذلك العصر للنبي الكريم في المنام، يأمرهم وينهاهم، وهم ينفذون، لأن الناس كانوا يعتقدون في مثل هذه الرؤيا، فقد روي أن امرأة صالحة «رأت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو يقول لها: قولي للنساء ينتهوا عن لبس الشاش، ثم إن تلك المرأة رأت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام مرة ثانية، فقال لها: قد نهيتكم عن لبس الشاش فلم تنتهوا» «4» .
وقد علّل صاحب كتاب التيسير والاعتبار تأليفه لكتابه، الذي يبحث في أحوال عصره، ويظهر مفاسده ويقدم النصائح لتجاوز هذه المفاسد، برؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال: (ولما رأى العبد الأصغر الفقير في المنام سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد قلّده أمرا، يفهم من تأويله النصيحة للإسلام والمسلمين، وفهم من معنى
(1) السخاوي: الضوء اللامع 6/ 206.
(2)
المصدر نفسه: 6/ 288.
(3)
المصدر نفسه: 6/ 288.
(4)
ابن إياس: بدائع الزهور 2/ 362.
قوله عليه السلام، صحة الوعد بالنجاح والفلاح بإذن الله رب العالمين، فأقام العبد منتظرا ما رآه في المنام من وعد الصادق الأمين.. إلى أن ألهمه الله تعالى أن يكتب ما يفتح عليه من العلم المبرهن، الدال على النصيحة والتذكرة) «1» .
فالكاتب قد يتعرض لنقمة أولياء الأمور، لكن تصريحه بأنه انصاع لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل أصحاب السلطان في حرج من أخذه بما يذكره في كتابه.
وقد أذكت هذه الرؤيا المتكررة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الشوق إليه، والحب لذاته، وحرّكت قرائح الشعراء وألسنتهم لتمجيده ومدحه، علاوة على أن بعض روايات رؤيا النبي الكريم كانت لها علاقة مباشرة بالمديح النبوي، وكانت وراء قصائد عظيمة في المدح النبوي، مثل بردة البوصيري، واستمر شعراء المديح النبوي، يذكرون رؤياهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلاقة هذه الرؤيا بمدحهم له.
وبذلك نرى أن ارتباط الناس في العصر المملوكي بالدين الإسلامي، وبروز المظاهر الدينية المتباينة المرتبطة بالأوضاع السياسية والاجتماعية، جعلت الأسباب الدينية من أهم الأسباب التي دفعت الشعراء إلى مدح رسول الله، والاتساع في هذا المدح اتساعا لا يقع تحت حصر، فاصطلحت الدوافع الدينية العامة في المجتمع، والدوافع الدينية الشخصية لكل شاعر على حفز الشعراء إلى الإكثار من المديح النبوي، ومشاركة الناس كافة في هذا الفن الشعري، وانفعالهم به.
(1) الأسدي: التيسير والاعتبار ص 34.
الباب الثاني نشأة المدح النبوي وحدوده