الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالإضافة إلى الجدل الديني بين الفرق الإسلامية، والتنافس فيما بينها، وإغناء بعض الفرق فكرها باراء ونظريات أجنبية، وتطعيم معتقداتها بأشياء من الأديان الآخرى، والفلسفات المتباينة، كل ذلك جعل الحقيقة المحمدية من أبرز النظريات الدينية التي شاعت في ذلك العصر، فكان لا بد لشعراء المديح النبوي من ذكرها، ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، لأنها تضع النبي المصطفى في مرتبة سامية لا يدانيها مخلوق، وهم يسعون إلى ذلك، وهذا في رأيهم منتهى المدح له صلى الله عليه وسلم، وأقل ما يليق به.
الرسول والبشرية:
إن الدافع لمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم في المقام الأول، هو المحبة للنبي الكريم، والإشادة بأثره في البشرية فرسول الله صلى الله عليه وسلم حمل رسالة السماء إلى الناس، فنقلهم من وضع إلى وضع، وأخرجهم من ظلمات الجهل ومفاسد النفس إلى نور الهداية وصفاء النفس، ووضع أسس العلاقة الصحيحة بين الإنسان وخالقه، وبين الناس في حياتهم الدنيا، فحقق للإنسان إنسانيته، وأعطى لوجوده معنى، ولحياته رسالة وهدفا.
وقد حرص شعراء المدائح النبوية على إظهار أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس كافة في قصائدهم، وزادوا على ذلك، فأشركوا الكون كله في التفاعل مع النبي، فالمكان الذي له علاقة برسول الله صلى الله عليه وسلم سما على الأمكنة كلها، والزمان الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم زها على الأزمنة جميعها، ومن قبل حين تحدثنا عن الرحلة في المدحة النبوية، تبين لنا كيف أضفى شعراء المديح النبوي على راحلاتهم مشاعر الحنين لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومشاعر الغبطة بالوصول إليه.
فالكون كله متأثر بسيد الخلق، مبتهج جذل بمبعثه، وكأن شعراء المدائح النبوية خلعوا مشاعرهم على كل ما حولهم، إذا نظرنا إلى المعجزات أو الإرهاصات بعيدا عن النظرة الدينية.
وإذا استثنينا حرص شعراء المدائح النبوية على إظهار أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياتهم ونفوسهم، وتركنا ذلك إلى الحديث عن الاستجارة به، فإن شعراء المدائح النبوية، سجلوا في قصائدهم أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس وهدايته لهم، مثل قول البوصيري:
وجلا ظلام الظّلم لمّا أومضت
…
ومضت لديه صحائف وصفيح «1»
وتحدث البوصيري عن الأثر الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته، فقال:
في أمّة خصّت بكلّ كرامة
…
وتفيّأت ظلّ الصّلاح ظليلا «2»
وأضاف متحدثا عن أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنسانية، فقال:
أحيا القلوب الغلف أسمع كلّ ذي
…
صمم وكم داء أزال دخيلا
يوصي إلى الأمم الوصايا مثلما
…
يوصي الأب البرّ الرّحيم سليلا «3»
وأشرك البوصيري الطبيعة في الفرح بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
فرحت به البريّة القصوى ومن
…
فيها وفاضلت الوعور سهولا «4»
ونجد للبوصيري إشارات خاطفة إلى أثر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا، ضمن قصيدته المحمدية التي جاء فيها:
محمّد زينة الدّنيا وبهجتها
…
محمّد كاشف الغمّات والظّلم
محمّد طابت الدّنيا بمبعثه
…
محمّد جاء بالآيات والحكم «5»
(1) ديوان البوصيري: ص 105.
(2)
المصدر نفسه: ص 204.
(3)
المصدر نفسه: ص 206.
(4)
المصدر نفسه: ص 206.
(5)
المصدر نفسه: ص 275.
أما الصرصري، فإنه يظهر في إحدى مدائحه النبوية أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض التي حل بها، وفي الأشياء التي لمسها أو استخدمها، ليصل بعد ذلك إلى أثره في آله، فيقول:
أضحى ثرى عرصاته إذ حلّها
…
يشفي من الدّاء العضال غباره
فخرت به خير القبائل هاشم
…
وحوى به المجد الأثيل نزاره
سعدت به أولاده ونساؤه
…
وصحابه وزكت به أصهاره
وسمت به غلمانه وإماؤه
…
وجواده وبعيره وحماره
وحوى الفخار سريره وفراشه
…
وخيامه وقبابه وجداره
وتضوّعت أردان بردته به
…
طيبا وطاب رداؤه وإزاره «1»
فهنا نلاحظ أن الصرصري تنقل بين الزمان والمكان، مظهرا تأثرهما وسموهما برسول الله صلى الله عليه وسلم، فالزمان أضحى عطرا ينشر أريجه، والمكان سكنه الأنس ولحقته العزة، وحاجيات رسول الله صلى الله عليه وسلم تميّزت عن مثيلاتها لملامسة النبي الكريم لها، أما أهل رسول الله الكرام فإنهم فاقوا البشر جميعا عزة ورفعة وفخارا.
لكن الصرصري لا ينسى أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكبر، وهو هداية البشرية إلى نور الحق، وشرع السماء، فتحدث في مدحة نبوية عن هذا الأثر العظيم، ووصف الناس قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف صاروا بعد مبعثه، فقال:
أتى بصراط مستقيم من الهدى
…
له نبأ بادي البيان لباحث
فصادف عميا يعمهون، قلوبهم
…
من الغيّ غلف تابعي كلّ عائث
(1) ديوان الصرصري: ورقة 38.
فأخرجهم من ظلمة الجهل نوره
…
وأنقذهم من موبقات الهناهث
وأضحت شموس الحقّ مشرقة السّنا
…
قد اتّضحت آثارها للمباحث «1»
وإذا كان الصرصري قد تحدث في الأمثلة السابقة عن هداية رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أجمعين، فإنه لا ينسى أن يتحدث عن أثر النبي الكريم في أمته، فقال في مدحة نبوية:
حبا بعظيم الفضل أمّته فلم
…
يلتها ولا النّصح المبين ألاها «2»
وفي رأي الصرصري، فضل رسول الله على أمته لم يكن في وقت محدد، ولا أثناء حياته فقط، بل هو فضل دائم، فقال:
ونفعك الآن موصول لأمّتك ال
…
غرّ الأفاضل وصلا غير منحسم «3»
وبذلك أضحت أمة رسول الله أفضل الأمم، وستظل على فضلها إلى آخر الدهر:
حازت به قصبات السّبق أمّته
…
وأحرزت رتبة تعلو بها الرّتبا
وفضل أمّته لا ينقضي أبدا
…
حتّى ينزّل عيسى يكسر الصّلبا «4»
وأظهر البرعي الأثر السامي لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنسانية، وهدايته لها إلى نور الحق، فقال في وصف النبي الكريم:
هداية الله في الدّنيا وخيرته
…
من خلقه فهو هادي كلّ حيران
في أمّة كان هاديها وليس لها
…
إلّا عبادة أصنام وأوثان
لم يبق للشّرك عزّا يطمئن به
…
ولا نصيرا لذي بغي وعدوان
(1) ديوان الصرصري: ورقة 21.
(2)
المصدر نفسه: ورقة 118.
(3)
المصدر نفسه: ورقة 91.
(4)
المجموعة النبهانية: 1/ 397.
وأصبحت ملّة الإسلام ظاهرة
…
بالحقّ فالنّاس في يمن وإيمان
وبدّل الغيّ رشدا والضّلال هدى
…
في الأرض والدّين فردا بعد أديان «1»
وجعل شمس الدين ابن الموصلي «2» هداية رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس علاجا للقلوب المريضة بالجهالة، فقال:
وكم مراض قلوب حين عالجها
…
باللّطف صحّت ومن سكر الضّلال صحت «3»
أما ابن دقيق «4» ، فإنه تابع غيره في إظهار أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، وهدايته لهم، وأضاف إلى ذلك الإشارة إلى أثره في الكون. فرأى أن النجوم سعدت بصحبته، فقال:
سعدت منه أنجم اللّيل بالصّح
…
بة حين اشتكى الفراق وساده «5»
أما كيف تفاعل المكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا ما يوضحه ابن دقيق العيد في قوله:
فتأثّرت منه بأحسن بهجة
…
أفدي الجمال مؤثّرا ومؤثّرا
فتبرّجت بجماله وتشرّقت
…
بجلاله ورأت مقاما أكبرا «6»
وأظهر القيراطي «7» تأثر الشمس والقمر بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مضفيا عليهما المشاعر الإنسانية في قوله:
(1) ديوان البرعي: ص 53.
(2)
ابن الموصلي، محمد بن محمد بن عبد الكريم، أخذ الفقه والعربية، وله مصنفات وشعر، أنشد منه سنة (748 هـ) . الصفدي: الوافي بالوفيات 1/ 167.
(3)
الصفدي: الوافي بالوفيات 1/ 267.
(4)
ابن دقيق العيد: محمد بن علي بن وهب، قاضي القضاة بمصر. كان من أئمة علم الحديث، درّس وصنّف، وله شعر كثير. توفي سنة (712 هـ) . ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة 8/ 218.
(5)
ديوان ابن دقيق العيد: ص 146.
(6)
المصدر نفسه: ص 140.
(7)
القيراطي: إبراهيم بن عبد الله بن محمد الطائي، شاعر اشتغل بالفقه، وجاور بمكة إلى أن توفي سنة (781 هـ) . ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 6/ 69.