الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المديح النبوي خاصة، لأن التصوف أضحى من الثقافة العامة التي يتأثر بها الناس على اختلاف درجاتهم ومشاربهم.
القسم الرابع- التشوق إلى المقدسات:
إن ذكر ديار الأحبة، والتشوق إلى الديار عند الابتعاد عنها، معروف في الشعر العربي منذ بدايته، فإن المكان الذي يعيش فيه المرء ويألفه، تمتزج إلفته بنفسه، حتى إذا ابتعد عنه أخذت نوازع الحنين إليه تتحرك في النفس، فيحزن لفراقه، ويدعو له بالسقيا والخير، ويستعيد ذكرياته السعيدة والحزينة عما جرى له في ذلك المكان.
وكان العرب في جزيرتهم دائمي الارتحال من مكان لآخر، طلبا للماء والكلأ والأمان، فكان ذلك سببا لهياج الشوق إلى الأماكن التي ارتحلوا عنها، ولاسترجاع الذكريات، ومن هنا جاء وقوف الشعراء العرب على أطلال الديار التي تركها أصحابها، يناجونها، ويستنطقونها عن أصحابها، وخاصة إذا كان للشاعر في الراحلين حبيبة، أخذها الترحال بعيدا عنه.
وقد أضحى ذكر الأطلال تقليدا ثابتا عند الشعراء، قلما يخرجون عنه، وخاصة في شعر المديح، وكثر عندهم ذكر الديار والدعاء لها ومناجاتها، ووصفوا ما تثير في نفوسهم من عواطف وأهواء.
وكان لمرابع الجزيرة العربية النصيب الأوفر من الذكر عند الشعراء، لأن قسما منهم تركها عند الفتح الإسلامي وما بعده، ولأن قسما آخر جاراهم في ذكر هذه الأماكن التي أضحت رمزا أكثر منها حقيقة، وتمهيدا لذكر الحبيبة والغزل، فجرير مثلا يحيي منازل الحجاز بقوله:
حيّ المنازل إذ لا نبتغي بدلا
…
بالدّار دارا وبالجيران جيرانا
نهدي السّلام لأهل الغور من ملح
…
هيهات من ملح بالغور مهدانا
أحبب إليّ بذاك الجزع منزلة
…
بالطّلح طلحا وبالأغصان أغصانا «1»
ويذكر عبيد الله بن قيس الرقيات «2» بعض منازل الحجاز في مطلع قصيدة له، فيقول:
ما هاج من منزل بذي العلم
…
بين لوى المنجنون فالسّلم «3»
ويستذكر التّهامي «4» حبيبته التي تركها في الحجاز، فيقول:
أستودع الله في أرض الحجاز رشا
…
في روضة القلب مأواه ومرتعه «5»
وكان التشوق إلى أرض الحجاز في بداية الأمر من أهله الذين ابتعدوا عنه لسبب أو لآخر، وخاصة عند ما يكون هذا الابتعاد قسريا، مثلما جرى لأبي قطيفة ابن أبي معيط، الذي نفاه ابن الزبير عن المدينة، فأظهر شوقه إلى المدينة المنورة ومعاهدها، وقبر الرسول الكريم، فقال:
ألا ليت شعري هل تغيّر بعدنا
…
قباء وهل زال العقيق وحاجره
وهل برحت بطحاء قبر محمّد
…
أراهط غرّ من قريش تباكره
لهم منتهى حبّي وصفو مودّتي
…
ومحض الهوى منّي وللنّاس سائره «6»
(1) ديوان جرير: 1/ 160.
(2)
ابن قيس الرقيات: عبد الله بن قيس بن شريح، عدّ شاعر قريش في الإسلام، خرج مع مصعب بن الزبير ومدحه، ثم أمّنه عبد الملك بن مروان فمدحه. الأصفهاني: الأغاني 5/ 73.
(3)
ديوان ابن قيس الرقيات: ص 7.
(4)
التّهامي: علي بن محمد بن نهد، شاعر مشهور من تهامة، زار الشام والعراق، وولي خطابة الرملة، ثم رحل إلى مصر، فاعتقل فيها وقتل سنة (416 هـ) . ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 3/ 204.
(5)
ابن منقذ، أسامة: المنازل والديار 2/ 4.
(6)
الأصفهاني: الأغاني 1/ 28.
وأكد الأبيوردي، الشاعر العربي الذي عاش بعيدا عن الجزيرة العربية، هذا التوجه في حنين أهل الجزيرة إليها، فأكثر في شعره من ذكر معاهدها، وأفرد في ديوانه قسما خاصا لذلك أسماه كتاب النجديات، وجعل من الشوق للجزيرة العربية ما يؤكد به عروبته في وسط أعجمي، فقال في وصف حاله وحال راحلته بعد أن أسقط عليها ما يجد في نفسه من لواعج الحنين:
أحنّ وللأنضاء بالغور حنّة
…
إذا ذكرت أوطانها بربا نجد
وتصبو إلى رند الحمى وعراره
…
ومن أين تدري ما العرار من الرّند «1»
والشاعر الذي اشتهر بحنينه إلى الحجاز عامة وللمدينة خاصة هو الشريف الرضي، الذي حفل ديوانه بقصائد كثيرة، تفيض حنينا لمرابع أجداده الهاشميين، وقد اختلط حنينه هذا بشعور ديني إلى المقدسات التي تضم رفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفاة أجداده العلويين، وشاب هذا الحنين طموح سياسي، بوصول آل البيت إلى حقهم في الخلافة، ومن هنا كثر ذكر الأماكن المقدسة في شعره وشعر المتشيعين، ومن ذلك قوله:
سقى الله المدينة من محلّ
…
لباب الماء والنّطف العذاب
وجاد على البقيع وساكنيه
…
رخيّ الذّيل ملآن الوطاب
صلاة الله تخفق كلّ يوم
…
على تلك المعالم والقباب «2»
وقد وصل في حجازياته هذه إلى قصائد رائعة، أظهر فيها مقدرته الفنية، وأوضح مشاعره العارمة، وما يجول في نفسه من أفكار وعواطف، فقال في إحداها يخاطب محبوبته المزعومة:
(1) ديوان الأبيوردي: 2/ 167.
(2)
ديوان الشريف الرضي: 1/ 91.
يا ظبية البان ترعى في خمائله
…
ليهنك اليوم أنّ القلب مرعاك
الماء عندك مبذول لشاربه
…
وليس يرويك إلّا مدمعي الباكي
هبّت لنا من رياح الغور رائحة
…
بعد الرّقاد عرفناها بريّاك
سهم أصاب وراميه بذي سلم
…
من بالعراق لقد أبعدت مرماك «1»
وإذا كان الشعراء العرب جميعا قد اتخذوا من ذكر الديار مقدمات لقصائدهم، فإن شعراء الشيعة قد اتخذوا من ذكر الأماكن المقدسة في الحجاز مقدمة لقصائد تشيعهم، وصار ذكر الأماكن المقدسة من لوازم قصائد الشيعة مدحا ورثاء وفخرا، يفتتحون بذكرها قصائدهم، ويحملونّها أشواقهم وعواطفهم، ويؤكدون من خلال ذلك أصالة آل البيت وفضلهم وحقهم في الخلافة، فعند ما رثى الصاحب بن عباد أحد العلويين، لم يجد أكثر من الأماكن المقدسة تأثيرا في النفس واستنهاضا للهمم، حين تشارك الناس في البكاء عليه فقال:
تبكيه مكّة والمشاعر كلّها
…
وحجيجها والنّسك والإحرام
تبكيه طيبة والرّسول ومن بها
…
وعقيقها والسّهل والأعلام «2»
ومثلما تعلق الشيعة بالأماكن المقدسة، لأنها موطن آباء الهاشميين، فإن المتصوفة تعلقوا بها أيضا، لأنها تمثل أقدس أقداسهم، فهي شهدت البعثة والوحي، أو اتصال الأرض بالسماء، ذلك الاتصال الذي يسعون إليه بكل طاقاتهم، ولأن الأماكن المقدسة خير ما يستفتتحون بذكرها قصائدهم الدينية التي يتشوقون بها ويظهرون مواجدهم
(1) ديوان الشريف الرضي: 2/ 593.
(2)
الثعالبي: يتيمة الدهر ص 286.
ويبدون حنينهم لبيت الله على الأرض ولمثوى رسول الله صلى الله عليه وسلم قطب الأقطاب وسيد الخليقة، الذي يحجّون إليه بأرواحهم، ولأنها أضحت رموزا من رموزهم الكثيرة التي يعبّرون بها عن طريقتهم، لذلك نجد شعر ابن الفارض مثلا يفيض بأسماء الأماكن الحجازية مثل قوله في قصيدته التي حمّلها سلامه وتحياته إلى مرابع الحجاز، يتشوق إليها متمنيا أن تهبّ عليه نسمة منها، أو أن يصل إلى جرعة من مائها:
هل نار ليلى بدت ليلا بذي سلم
…
أم بارق لاح في الزّوراء فالعلم
أرواح نعمان هلّا نسمة سحرا
…
وماء وجرة هلّا نهلة بفم
يا سائق الظّعن يطوي البيد معتسفا
…
طيّ السّجلّ بذات الشّيح من إضم
ناشدتك الله إن جزت العقيق ضحى
…
فاقر السّلام عليهم غير محتشم «1»
والملاحظ أن ابن الفارض يحشد أسماء الأماكن الحجازية في شعره، وربما لم يفته اسم مكان منها، وقد تابعه الشعراء في الإكثار من ذكر أسماء المعاهد الحجازية، وخاصة شعراء المديح النبوي.
وقد مزج ابن الفارض وغيره من المتصوفة ذكر الأماكن المقدسة في الغزل الرمزي مثلما يمزج الشعراء ذكر الديار والوقوف على الأطلال بغزلهم وشوقهم إلى محبوباتهم، وكما يكون ذكر الديار عند الشعراء مدخلا إلى الغزل وتذكر المحبوبة وعرض مشاعرهم نحوها وحنينهم إليها يكون ذكر المقدسات عند المتصوفة مدخلا للغزل الرمزي، وبث لواعج الوجد، وإظهار مشاعر المحبة الإلهية، مثل قول العفيف التلمساني «2» :
(1) ديوان ابن الفارض: ص 67.
(2)
العفيف التلمساني: سليمان بن علي بن عبد الله، شاعر سكن دمشق وباشر بعض الأعمال فيها، وكان يتصوف على طريقة ابن عربي في أقواله وأفعاله، ألّف عدة كتب منها شرح الفصوص لابن عربي وله ديوان شعر. توفي سنة (690 هـ) . ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 5/ 412.
لولا الحمى وظباء بالحمى عرب
…
ما كان في البارق النّجدي لي أرب
وفي رياض بيوت الحيّ من إضم
…
ورد جنيّ ومن أكمامه النّقب
وبي لدى الحلّة الفيحاء غصن نقا
…
يهفو فيجذبه حقف فينجذب
أعاهد الرّاح أنّي لا أفارقها
…
من أجل أنّ الثّنايا شبهها الحبب «1»
فالمتصوفة أكثروا من ذكر الأماكن المقدسة، ومزجوه بالغزل الرمزي، وهم دائمو الحنين إليها، لأنها تحمل عندهم قيما سامية، ترمز إلى أحوال غيبية، ولأنها شهدت وحي السماء وحياة قطب الأقطاب، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لذلك أخذ الحج عندهم مقاما يفوق مناسكه المعروفة، مثل غيره من العبادات، التي لا يقفون عند أدائها الظاهر، وإنما يتعدون ذلك إلى سرّها أو باطنها كما يقولون. فكانوا يتشوّقون لمكة، ويتحسرون إذا فاتتهم زيارتها.
وتكون الحسرة على أشدها، حين يرى المشتاق نياق الحجيج، وقد عادت براكبيها الذين فازوا برضا الله تعالى وزيارة بيته، وضريح رسوله، وتمتعوا بمشاهدة الأماكن المقدسة، وتقلبوا بين مشاهدها، فيقول:
يا نياق الحجيج لا ذقت سهدا
…
بعدها لا ولا تجشّمت وخدا
لا فدينا سواك بالرّوح منّا
…
أنت أولى من بات بالرّوح يفدى
يا بنات الذّميل كيف تركتن
…
ن شعاب الغضا وسلع ونجدا
مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا
…
بوجوه رأت معالم سعدى «2»
(1) الصفدي: الوافي بالوفيات 4/ 56.
(2)
ابن شاكر: فوات الوفيات 3/ 25.
فالمؤمنون جميعا في شوق إلى الأماكن المقدسة، وإلى أداء فريضة الحج، وزيارة قبر النبي الكريم، أما المتصوفة فإن طريقتهم في العباد تجعل شوقهم إلى المقدسات يستبد بهم، ويأخذ عليهم أنفسهم.
وهكذا اشتد ذكر الأماكن المقدسة للدواعي المختلفة التي عرضنا لها، وأضحى هذا الذكر فنا شعريا قائما بذاته، يعبر به الشعراء عن شوقهم للأماكن التي رفع الله قدرها، والتي شهدت ولادة رسول الله ونشأته ومبعثه ووفاته.
ولا يوجد في هذا الفن ما يفرض على الشعراء قيودا من أي نوع، لذلك ذهب به الشعراء كل مذهب، وأجادوا في قوله أيما إجادة، وعبّروا من خلاله بحرية تامة عن عواطفهم الدينية، ومشاعرهم السامية، وأظهروا فيه مقدرتهم الفنية، فجعلوه نفثات أنفسهم، ورفيف أرواحهم، ووجدوه أنسب ما يقدمون به للشعر الديني، وقصائد المديح النبوي منه خاصة، فأحيوا تلك الأماكن وناجوها، واستنطقوا تلك المعاهد وحاوروها، وحمّلوا النسيم والبرق رسائلهم إليها، وأضفوا على نياقهم المشاعر الإنسانية، وخلعوا عليها عواطفهم وأحاسيسهم، فأشركوها معهم في شوقهم وحنينهم، مثل قول جعفر السراج (ت 500 هـ) :
قضت وطرا من أرض نجد وأمّت
…
عقيق الحمى مرخى لها في الأزمّة
وخبّرها الرّوّاد أنّ لحاجر
…
حيا نورّت منه الرّياض فحنّت
وغنّى لها الحادي فأذكرها الحمى
…
وأيّامها فيه وساعات وجرة
وقد شركتني في الحنين ركائبي
…
وزدن علينا رنّة بعد رنّة «1»
وقد أسكن الشعراء معاهد الحجاز محبوباتهم، وأرسلوا إليهن شوقهم ووجدهم،
(1) الحموي، ياقوت: معجم الأدباء 7/ 155.
وليست محبوباتهم من لحم ودم، وإن فصّلوا في محاسنهن، فهنّ رموز لما يعتلج في نفوس الشعراء، تسهّل عليهم التعبير الشجي المؤثر.
وتظهر الرمزية أكثر حين نحس أن الشاعر يخاطب الحجاج على طريقة مخاطبة الظعن، فمخاطبة الحجاج لا تسمح له بإظهار مشاعره بحرارة ودقة، لذلك يرمز لهم بجماعة النساء اللواتي يقطعن الفيافي من معهد إلى معهد، والشاعر يتتبع أخبارهن بلهفة وشوق، ويحسدهن على حلولهن في تلك المرابع التي يحنّ للوصول إليها، مثل قول القاضي الرشيد بن الزبير «1» :
رحلوا فلا خلت المنازل منهم
…
ونأوا فلا سلت الجوانح عنهم
ما ضرّهم لو ودّعوا ما أودعوا
…
نار الغرام وسلّموا من أسلموا
هم في الحشا إن أعرقوا أو أشأموا
…
أو أيمانوا أو أنجدوا أو أتهموا «2»
ومضى الشعراء يبثون المعاهد الحجازية أشواقهم، ويظهرون لها مواجدهم، فهم في حنين دائم إليها، وفي حرقة لمشاهدتها، يذرفون العبرات لعجزهم عن الوصول إليها، فيستحيل وجدهم بها وجدا عاما، أو حالا دائمة، تشبه نزعة الصوفي الدائمة إلى الصفاء، أو كما أوضح ابن جياء الكاتب «3» في حديثه عن حاله عند ما قال:
حتّام أجري في ميادين الهوى
…
لا سابقا أبدا ولا مسبوق
(1) الرشيد الغساني: أحمد بن علي بن إبراهيم بن الزبير، أديب فقيه، له مشاركة في علوم عدة، تقدم عند أمراء مصر ووزرائها، وأوفد داعيا إلى اليمن فادّعى الخلافة فقبض عليه، توفي سنة (563 هـ) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 4/ 197.
(2)
الصفدي: الوافي بالوفيات 7/ 220.
(3)
ابن جياء الكاتب: محمد بن أحمد بن حمزة بن جياء، لم يكن مثله في العراق في الترسل والأدب والنظم الحسن، لكنه ناقص الحظ، توفي سنة (579 هـ) . الصفدي: الوافي بالوفيات 2/ 112.
ما هزّني طرب إلى رمل الحمى
…
إلّا تعرّض أجرع وعقيق
شوق بأطراف البلاد مفرّق
…
يحوي شتيت الشّمل منه فريق «1»
ويرسل الشعراء أشواقهم وحنينهم إلى الأرض المقدسة، حينما يكونون بعيدين عنها، ولا يستطيعون الوصول إليها، مرة يحملونها للراحلين إلى الحجاز للحج أو للعمرة أو للتجارة أو لأي شأن من شؤون الدين والدنيا، ومرة أخرى يحملونها للبرق والنسيم، فحين يشاهد الشاعر البرق يومض من جهة الحجاز يتذكر المرابع التي يتحرق شوقا لرؤيتها، فيخاطبه بقوله:
أعديا برق ذكر أهيل نجد
…
فإنّ لك اليد البيضاء عندي
أشيمك بارقا فيضلّ عقلي
…
فواعجبا تضلّ وأنت تهدي «2»
وافتنّ الشعراء كذلك في تحميل النسيم أشواقهم وحنينهم إلى معاهد الحجاز ومشاهده، وجعلوها تشاركهم في وجدهم ومحبتهم للأماكن المقدسة، مثل الحاجري «3» الذي جعل النسيم مهيجا لأشجانه، وحاملا لسلامه إلى أهل البقاع الطاهرة، فقال:
هيّجت وجدي يا نسيم الصّبا
…
إن كنت من نجد فيا مرحبا
جدّد فدتك النّفس عهد الصّبا
…
بذكرك الحيّ وتلك الرّبا
إن المقيمين بسفح اللّوى
…
من لا أرى لي عنهم مذهبا
أبقوا الأسى لي بعدهم مطمعا
…
والدّمع حتى نلتقي مشربا «4»
(1) الصفدي: الوافي بالوفيات 2/ 112.
(2)
ابن شاكر: فوات الوفيات 3/ 237.
(3)
الحاجري: عيسى بن سنجر بن بهرام، شاعر تركي الأصل من أهل إربل، له ديوان شعر، توفي سنة (632 هـ) ابن خلكان: وفيات الأعيان 1/ 398.
(4)
ديوان الحاجري: ص 19.
وأفاضوا في ذكر المقدسات، معبرين عن عواطفهم الدينية ومشاعرهم الروحية، وانتشر هذا الأسلوب من التعبير، فلا يكاد يخلو ديوان شاعر منه في ذلك الوقت، وانتقلوا به من التوجه الديني إلى توجهات أخرى، أهمها الغزل الذي قرن به في هذا الموضع، وإن كان هنا رمزيا، فإن الغزل الآخر الذي ذكر الشعراء معه الأماكن المقدسة لم يكن رمزيا، فقد أضحت أسماء الأماكن الحجازية ذات ظلال محببة إلى النفوس، وإيحاآت مثيرة للشجون، يقوى بها الغزل ويؤثر، فالتلعفري «1» الذي أدمن الخمر وتعاطى القمار، يقول في مقدمة موشح غزلي:
ليس يروي ما بقلبي من ظما
…
غير برق لائح من إضم
إن تبدّى لك بان الأجرع
…
وأثيلات النّقا من لعلع
يا خليلي قف على الدّار معي
…
وتأمّل كم بها من مصرع
واحترز واحذر فأحداق الدّمى
…
كم أراقت في رباها من دمي «2»
وكأن ذكر الأماكن المقدسة تعويض عن ذكر الأطلال والوقوف عليها، فلم يعد من المناسب أن يقف الشاعر على أطلال لم يعرفها ولم يرها، فساقه الاتجاه الأدبي السائد إلى الديار التي انتشر ذكرها، وهي الديار المقدسة.
ويظهر هذا التوجه بوضوح في غزل البهاء زهير «3» ، فلا ندري ما هي الظلال التي تلقيها كلمات مثل البان والحمى في شعره، وهل هي نفسها الظلال التي تتركها في النفس حين تستخدم في غير هذا الموضع من قوله:
(1) التلعفري: محمد بن يوسف بن مسعود الشيباني: شاعر تنقل بين مدن الشام، ابتلي بالقمار، له ديوان شعر، توفي سنة (672 هـ) . ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 3/ 349.
(2)
ديوان التلعفري ص 37.
(3)
البهاء زهير: زهير بن محمد بن علي المهبلي، شاعر كاتب، رقيق الشعر، خدم الملك الصالح أيوب، له ديوان شعر، توفي سنة (581 هـ) . ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 5/ 276.
يحدّثني زيد عن البان والحمى
…
أحاديث يحلو ذكرها ويطيب
فقلت لزيد إنّها لبشارة
…
وإنّي لنشوان بها وطروب «1»
لكن ذكر الأماكن المقدسة ظل- في الغالب- على حرمته، لا يخرج به الشعراء عما يتركه في النفس من شجى وشوق ومشاعر سامية، وإن امتزج بالغزل، فالغزل يظل رمزيا.
وعند اتساع المديح النبوي، ورسوخه رسوخ فن مستقل له أصوله ومقوماته، صار ذكر الأماكن المقدسة والتشوق إليها أصلا من أصول هذا الفن، ومن لوازمه، يقدم به الشعراء لقصائد مديحهم النبوية، ويجعلونه بديلا لذكر الأطلال والديار في قصائد المديح التقليدية، مثل افتتاح محمد بن علوان الصنعاني «2» لمدحة نبوية بقوله:
أهدت نسيم الصّبا في طيبها خبرا
…
عن أهل طيبة لمّا أن سرت سحرا
فاستنشق الصّبّ منها نفحة فغدا
…
يميل سكرا ولا والله ما سكرا «3»
فالشاعر أراد استمالة سامعيه بذكر المكان المناسب لموضوعه، وبذلك الأثر الذي يتركه في نفوس المتلقين، وبنشوة التقوى التي يحملها النسيم من مدينة رسول الله، فيتهيّأ المتلقون لسماع قصيدته، ويدخلون في الجو القدسي الذي يلائم مقام النبي.
وقدم الكارمي (عبد اللطيف)«4» لمدحته النبوية بذكر بعض المعاهد الحجازية، ممزوجا بالغزل الرمزي، الذي يرقّق عواطف السامع، ويأخذه إلى عالم عابق بالتقوى والقداسة، وهو ما يلائم موضوع القصيدة، ويستميل القلوب، ويشحن الوجدان بالمشاعر الدينية السامية، فقال:
(1) ديوان البهاء زهير ص 10.
(2)
محمد بن علي الصنعاني، ولد بصنعاء وتحول إلى مكة وتردد إلى دمشق سنة 722 هـ. الدرر الكامنة: 4/ 51.
(3)
ابن حجر: الدرر الكامنة 4/ 51.
(4)
عبد اللطيف بن محمد بن مسند الكارمي التاجر، سمع وحدث وأوقف أوقافا، توفي سنة 714 هـ. الدرر الكامنة: 2/ 410.
لي بالأجيرع دون وادي المنحنى
…
قلب تقلّبه الصّبابة والضّنا
أتبعتهم يوم استقلّت عيسهم
…
بحشاشة ألفت معاناة العنا
ونثرت من جفني عقيق مدامع
…
حين التّفرّق فاستحالت أعينا «1»
وكان لحنين المغاربة وتشوقهم للأماكن المقدسة، لون خاص، نبع من بعد بلادهم عن الحجاز، وما يتجشمونه في الرحلة إليه، فكان الوصول إلى الأماكن المقدسة عندهم غاية لا تدرك، وأمنية الأماني، وخاصة في الأوقات التي ينقطع فيها الطريق، وتحفّه المخاطر في البر والبحر.
وقد سكنت في مسامعهم أسماء الأماكن التي شهدت انبثاق الدين السامي، وشهدت صراع المسلمين مع المشركين وتقلّب رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها، داعيا مجاهدا متلقيا لوحي السماء، وبانيا أسس الدولة العربية الإسلامية.
لذلك يجتاحهم شوق جارف لرؤية هذه الأماكن، فإذا قعدت ببعضهم الموانع عن تحقيق رغبتهم الملحة التي تسكن نفوسهم، يكون حالهم مثلما وصفه ابن العريف «2» في قوله:
شدّوا المطيّ وقد نالوا المنى بمنى
…
وكلّهم بأليم الشّوق قد باحا
سارت ركائبهم تندى روائحها
…
طيبا بما طاب ذاك الوفد أشباحا
نسيم قبر النّبيّ المصطفى لهم
…
روح إذا شربوا من ذكره راحا
يا واصلين إلى المختار من مضر
…
زرتم جسوما وزرنا نحن أرواحا
(1) ابن حجر: الدرر الكامنة 2/ 410.
(2)
ابن العريف: أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي الأندلسي فاضل شهر بالصلاح، له مشاركة في العلوم وشعر، صنف كتاب (محاسن المجالس) على طريق القوم، توفي سنة (526 هـ) . ابن العماد الحنبلي: شذرات الهذب 4/ 112.
إنّا أقمنا على عذر وعن قدر
…
ومن أقام على عذر كمن راحا «1»
ولننظر إلى مدى الشوق للمقدسات الذي يشعر به المغاربة، حين يدخل الشاعر ابن سهل إلى نفوس المؤمنين ويخرج بخفاياها، فظهر لهفتهم لرؤية المقدسات، ومدى تعلقهم بحب رسول الله، وهو إنما يتحدث عن نفسه وعمّا يجول فيها، ويعمّمه على صحبه من المؤمنين الذين شدوا الرحال إلى الديار المقدسة، فيقول:
وركب دعتهم نحو يثرب نيّة
…
فما وجدت إلا مطيعا وسامعا
يسابق وخد العيس ما اسوّدّ منهم
…
فيغنون بالشّوق المدى والمدامعا
تضيء من التّقوى خبايا صدورهم
…
وقد لبسوا اللّيل البهيم مدارعا
تكاد مناجاة النّبيّ محمّد
…
تنمّ بها مسكا على الشّمّ ذائعا «2»
وهم دائمو الوصف للركب، يشركون مشاعر الشوق بين الراحل والراحلة، ويضفون عليها أحاسيس إنسانية ليظهروا مدى حنينهم لرؤية المقدسات، فإذا تكرر تخلف أحدهم عن قافلة الحج، قال متحسرا مع الجياني بعد وصف الراحلين:
حملت أشباهها فهي بهم
…
كقسيّ قد أقلّت أسهما
أوهن الوخد قواهنّ فإن
…
لاح نجد خلت فيها لمما
مدّت الأعناق لمّا رمّلت
…
بنقا الرّمل وأكناف الحمى
من عذيري من زمان قد مضى
…
أقرع السّنّ عليه ندما
حسرتا إن لم أبلّغ أملي
…
قبل أن يأتي الرّدى مخترما «3»
(1) ابن خلكان: وفيات الأعيان 1/ 169.
(2)
ديوان ابن سهل ص 157.
(3)
ابن عبد الملك الأنصاري: الذيل والتكملة 5/ 294.
فإذا ما أسعف الدهر أحدهم بالوصول إلى الأماكن المقدسة، وشاهد على البعد المدينة المنورة، اتّقد شوقه وزاد وجده، وعلت همّته، وأسرع بالمسير على الرغم من بعد السفر ومبلغ الجهد، وانتابته مشاعر الهيبة والقداسة وشعر كأنه دخل عالما آخر أو تهيأ للدخول.
وقد وصف أحدهم ما حصل حين شارف الحاج المغربي المدينة المنورة، فقال: «لما دخلنا المدينة، ومعنا الوزير أبو عبد الله بن أبي قاسم بن الحكيم، وكان أرمد، فلما دخلنا ذا الحليفة أو نحوها، نزلنا عن الأكوار، وقوي الشوق لقرب المزار، فنزل وبادر إلى المشي على قدميه احتسابا لتلك الآثار، وإعظاما لمن حلّ تلك الديار، فأحس بالشفاء، فقال:
ولمّا رأينا من ربوع حبيبنا
…
بيثرب أعلاما أثرن لنا الحبّا
وبالتّرب منها إذ كحلنا جفوننا
…
شفينا فلا بأسا نخاف ولا كربا
وإنّ بقائي دونه لخسارة
…
ولو أنّ كفّي تملأ الشّرق والغربا «1»
من كل ذلك يبدو لنا أن فن التشوق للأماكن المقدسة، كان في بداية أمره حنينا من أهل الحجاز إليه، وكان بديلا في القصائد الدينية عن الوقوف على الأطلال، ثم ظهر معبرا عن الشوق والحنين عند الذين لم يستطيعوا أداء فريضة الحج وزيارة تلك المعاهد الطاهرة، ومعبرا عن العشق والوجد عند المتصوفة الذين جعلوا للأماكن المقدسة مكانا هاما في طريقتهم، فانتشر هذا الفن الشعري، واستقل بقصائد خاصة به، ثم أضحى من لوازم المديح النبوي، وأفضل ما يقدم به للمدحة النبوية.
وإذا كان التشوق للمعاهد الحجازية نابعا من قدسيتها، وهذه القداسة تعود فيما تعود، إلى شهودها ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه ودفنه فيها، فإن ذكر الأماكن المقدسة
(1) المقري: نفح الطيب 2/ 623.